ما أدركته من الدراسة في بريطانيا
ما أدركته من الدراسة في بريطانيا
في دروب الحياة أمور لا تُدرك أهميتها ولا حقيقة ماهيتها إلا بعد معايشتها؛ فالكلام سهل، يُباع ويُشترى في سوق النخاسة، لكن من عايش الواقع واكتوى بنار تجربة الجديد غير المألوف هو وحده من يدرك حقيقة ما أصبو إليه.
حين تتحول النصيحة إلى تجربة
من اليسير، وأنت بعيد عن التجربة، الحديث عن دراسة التخصصات النوعية إلى جانب أبناء اللغة، واقتحام سوق العمل، ولا سيما الوظائف المرموقة. لكن ما إن تبدأ بتطبيق تلك النصائح وتدخل قاعات الدراسة، حتى تدرك أن الأفعال أصعب بكثير من الأقوال.
فعندما تُقرع أجراس الحصص، ويبدأ المحاضر حديثًا متدفقًا بلغته الأم، مفترضًا أن الجميع يقفون على المستوى نفسه، قد تجد نفسك في عالم مختلف. وقد يرمقك بعض الحاضرين بنظرات الريبة أو السخرية وأنت تحاول التملص من الإجابة عن سؤال وُجّه إليك من غير حول منك ولا قوة.
وقد تبقى على هذه الحال لياليَ عدة، لا تفهم إلا النزر اليسير، ثم تحدثك نفسك بالتوقف؛ فهذا المضمار ليس لك.
الوعي قبل البداية
أقول ذلك حتى يدرك القارئ الراغب في الالتحاق بالتخصصات النوعية في بريطانيا أن هذه الخطوة تتطلب وعيًا واستعدادًا للمرحلة، فالدراسة ليست مستحيلة، لكنها ليست سهلة كذلك.
ويصنع هذا الوعي إنسانًا على أهبة الاستعداد لخوض غمار الجديد، لا إنسانًا اتخذ من أحلامه الوردية زاده الوحيد، فاصطدم بأول عقبة ثم هوى.
الأسرة تحتاج إلى الوعي أيضًا
يمتد هذا الوعي إلى الأسرة، فيصنع بيئة منزلية متفهمة لأبنائها، ولا سيما من لم تكن الإنجليزية لغتهم الأم.
فأن ترى ابنك يجري محادثة عابرة في البقالة لا يعني أنه سيتمكن من اجتياز اختبارات الشهادة العامة للتعليم الثانوي (GCSE) من المحاولة الأولى.
وسينعكس هذا الوعي على الأبناء لا محالة، فيجعلهم أقوياء ومرنين في آن واحد، ويدفعهم إلى فهم أن الأمور تحتاج، حتى تنضج، إلى أن تمر بمراحلها الطبيعية.
ماذا بعد؟
من حسن حظ المسلم أن تعاليم الشريعة لم تترك شاردة ولا واردة إلا تناولتها؛ فمن أروقة الحكم والقضاء، مرورًا بالمعاملات المالية والتعامل مع أطياف البشر، وانتهاءً بخلجات النفوس وآداب الحياة اليومية، نجد كل ذلك مسطورًا في تعاليم الإسلام.
ويلاحظ المسلم اللبيب أن ديننا الحنيف لم يغفل مشاعر الخوف والتردد، أو يتجاوزها بدعوى عدم أهميتها، بل قدّم منهجًا عمليًا وواقعيًا لمواجهة العقبات، كما في قوله تعالى:
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: 23].
ولم تكن كلمة «ادخلوا» مجرد لفظ يُتلى في سياق قصة بني إسرائيل فحسب، بل يمكن أن تكون نبراسًا لكل من رام معانقة الأمنيات وبلوغ المآرب؛ فأولى الخطوات العملية هي المواجهة والاقتحام، لأن ما تهابه لن يزول من تلقاء نفسه.
الوعي لا يعني انتظار الكمال
وكما قال فولتير: «الأفضل عدو الجيد».
فالوعي بالواقع سلاح ذو حدين؛ قد يساعدك على الاستعداد، وقد يتحول، إذا أفرطت فيه، إلى ذريعة للتراجع. فإما أن تُقعدك المخاوف عن البدء، وإما أن تهدر سنوات عمرك في انتظار استعداد كامل لن تبلغه.
والفارق بين الوعي الذي يعينك والوعي الذي يعطلك هو أن تعرف صعوبة الطريق، ثم تبدأ رغمها:
وعاجزُ الرأيِ مضياعٌ لفرصتهِ
حتى إذا فاتَ أمرٌ عاتبَ القدرا
الرابط المختصر هنا ⬇


