العرب في بريطانيا | غرق عائلة فلسطينية في بريطانيا.. ما واجبنا تجاه...

ما الواجب علينا بعد غرق عائلة كانت بالأمس القريب بيننا؟

ما الواجب علينا بعد غرق عائلة كانت بالأمس القريب بيننا؟
عدنان حميدان أغسطس 22, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يصعب أن نتعامل مع خبر غرق عائلة من أربعة أفراد كما نتعامل مع خبر عابر. فالأسماء التي نقرأها اليوم كانت بالأمس القريب وجوهًا نعرفها، وبيوتًا نطرق أبوابها، وأناسًا تجمعنا بهم صلة أو صداقة أو ذاكرة مشتركة.

رحل حسام وزوجته زينة وابنتاهما سارة وسجى، في فاجعة تركت خلفها أكثر من أربعة مقاعد فارغة. تركت بيتًا انقلبت تفاصيله، وذكريات ستصبح أثقل مع مرور الأيام، وطفلين سيكبران وفي حياتهما غياب لا يمكن تعويضه.

يوسف وملك هما اليوم في قلب هذه المأساة.

فقدا الأب والأم والأختين في وقت واحد، وسيحتاجان في السنوات المقبلة إلى رعاية تتجاوز التعاطف العابر. يحتاجان إلى عائلة تحيط بهما، وإلى أشخاص يحضرون في تفاصيل حياتهما، وإلى شعور دائم بأنهما محاطان بمن يحبونهما ويعرفون ما مرّا به.

في لندن يوجد عمهما عدنان، إلى جانب أقارب آخرين من الدرجة الأولى، وهم الأقرب إلى متابعة شؤونهما اليومية والوقوف إلى جانبهما في المرحلة المقبلة. وفي الطرف الآخر من المسافة، تمتد العائلة إلى مخيم الرشيدية في لبنان، حيث الأهل والأقارب والجذور والذاكرة. ومن لندن إلى الرشيدية، يفترض أن تتشكل دائرة واسعة من الرعاية حول الطفلين، بحيث لا تتحول المسافة إلى غياب.

المطلوب الآن ليس مجرد مواساة الأسرة، وإنما مساعدتها على ترتيب الحياة التي جاءت بعد الفاجعة. فالأسرة تواجه إلى جانب الحزن إجراءات وتكاليف نقل جثامين حسام وزينة وسارة وسجى إلى لبنان، وما يرافق ذلك من معاملات وترتيبات في ظرف نفسي وإنساني بالغ الصعوبة.

وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن ننتظر من أهل المصاب أن يطلبوا المساعدة. فالألم قد يجعل حتى أبسط الطلبات ثقيلة، وقد يجد الإنسان نفسه عاجزًا عن التفكير في احتياجاته العملية وسط هول الفقد. مسؤوليتنا نحن -القريبين منهم وأصدقاءهم وأهلهم- أن نبادر ونسأل: ماذا يمكن أن نحمل عنكم؟ وكيف نستطيع أن نخفف بعض هذا العبء؟

ومن بين ما يمكن أن نبادر إليه المساعدة في تكاليف وإجراءات نقل جثامين حسام وزينة وسارة وسجى إلى لبنان، إلى جانب توفير الدعم المادي والمعنوي والنفسي ليوسف وملك، بما يساعدهما على عبور هذه المرحلة القاسية ويؤمن لهما قدرًا من الاستقرار والرعاية. وهذه المبادرة ينبغي أن تتم بالتنسيق مع الأسرة واحترام رغبتها وخصوصيتها، لا أن تُفرض عليها من الخارج.

وإذا وافقت الأسرة، فمن الممكن إطلاق رابط تبرع موثوق وواضح يتيح لمن يريد المساهمة أن يفعل ذلك بطريقة منظمة وشفافة، بحيث تصل المساعدة إلى مستحقيها وتحفظ في الوقت نفسه كرامة العائلة وخصوصيتها. أما من لا يستطيع المساهمة ماليًا، فهناك دائمًا ما يمكن تقديمه من وقت ومتابعة وحضور ودعم إنساني.

المهم ألا ننتظر أن يطرق المكلوم بابنا طالبًا العون. في بعض المواقف، تكون الأخوة الحقيقية أن نطرق نحن بابه أولًا.

غير أن ما هو أبعد من ذلك هو الاستمرار.

في الأيام الأولى تكون الأنظار كلها متجهة إلى المصاب. الاتصالات كثيرة، والناس حول الأسرة، والتعازي لا تتوقف. ثم تهدأ الحركة، ويعود الجميع إلى أعمالهم، فيبدأ أهل الفقد رحلة طويلة مع الغياب.

سيأتي يوم دراسي من دون أب، وعيد من دون أم، ومناسبة عائلية سيكون فيها غياب سارة وسجى حاضرًا أكثر من أي كلام. عندها يحتاج يوسف وملك إلى الوجوه نفسها التي كانت حولهما في الأيام الأولى، ويحتاج الأقارب إلى من يتذكر أن مسؤولية المواساة لا تنتهي بانتهاء مجلس العزاء.

لهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه علينا ليس فقط: كيف نعبر عن حزننا؟ بل: كيف نحول هذا الحزن إلى مسؤولية؟

المجتمع الذي يعرف هذه الأسرة، في لندن ولبنان، يستطيع أن يفعل الكثير. العائلة الممتدة تستطيع أن تتقاسم الأدوار، والأصدقاء يستطيعون أن يبقوا قريبين، وأبناء الجالية يستطيعون أن يساندوا في حدود قدرتهم، من دون ضجيج أو استعراض، وبما يحفظ خصوصية الأسرة وكرامتها.

في مثل هذه الفواجع، لا يحتاج الناس إلى مزيد من الكلام بقدر حاجتهم إلى من يحمل عنهم شيئًا من ثقل الأيام.

الطفلة المصابة سجى تلتحق بعائلتها التي استشهدت غرقا في ساسكس
كلمات أصدقاء الطفلة سجى عنها.

رحل حسام وزينة وسارة وسجى، وهذه حقيقة موجعة لا يستطيع أحد تغييرها. أما يوسف وملك، ومن بقي من الأسرة، فما زالوا أمام حياة طويلة يحتاجون فيها إلى من يقف إلى جانبهم.

لقد أخذ البحر أربعة أحبة، وترك وراءه طفلين وعائلة ممتدة وجيرانًا ومحبين. وما سنفعله من أجل من بقوا هو الاختبار الحقيقي لمعنى التضامن بيننا.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا