العرب في بريطانيا | على كتفي أمٍّ قامت مدينة

على كتفي أمٍّ قامت مدينة

على كتفي أمٍّ قامت مدينة
أميرة عليان تبلو يونيو 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في غزّة يُقاس الزمن بعدد المقاعد الّتي غاب أصحابها عن المائدة، وبعدد البيوت التي تحولت إلى ذكرى، وبعدد الأمهات اللواتي تعلّمن كيف يخبئن الدموع في أعمق مواضع القلب كي لا يسقط العالم فوق رؤوس أطفالهن.

هناك، عند الحافة القصوى للألم، حيث يتساقط الموت من السماء وتضيق الأرض بأهلها حتى تكاد تلفظ أنفاسها، تقف الأم الغزّية كأنها معجزةٌ من لحمٍ وصبر. ليست امرأةً عادية أنجبت أبناءها وربّتهم، ولكن هي وطنٌ كامل يمشي على قدمين، وقلبٌ واسع يحمل مدينةً بأكملها بين ضلوعه.

الصبر في غزة هو الخبز الخفيّ الذي تتقوّت به الأرواح حين تنفد كل المؤن، وهو النور الأخير الذي يبقى مشتعلاً حين تنطفئ المصابيح كلها.

وحين تفقد أمٌّ بيتها ثم تستيقظ في الصباح التالي لتبحث عن لقمةٍ لأطفالها، فإنها لا تمارس بطولةً عابرة، ولكن تعيد صياغة معنى الحياة نفسها. وحين تودّع ابنها إلى مثواه الأخير ثم ترفع رأسها نحو السماء قائلة: «الحمد لله»، فإنها لا تنكر وجعها، بل تسمو فوقه حتى يبلغ صبرها مرتبةً تعجز اللغة عن وصفها.

لقد اعتاد العالم أن يرى القوة في الجيوش والأسلحة، لكن أمهات غزة يقدمن تعريفاً آخر لها؛ فالقوة ليست القدرة على الهدم، ولكن القدرة على البقاء بعد الهدم. ليست أن تفرض إرادتك على الآخرين، ولكن أن تحافظ على إنسانيتك فيما يحاول الخراب أن ينتزعها منك.

تعرف الأم الغزية أن الحزن ليس ضيفاً عابراً، وإنّما رفيق درب طويل. ومع ذلك تفسح له مكاناً في قلبها، ثم تمضي إلى شؤون الحياة: تعدّ الطعام، وترتب الفراش، وتمسح دموع الصغار، وكأنها تقول للوجع: يمكنك أن تسكن هنا، لكنك لن تكون سيد هذا البيت.

وفي ذلك يكمن سرّها الأعظم.

إنها لا تهزم الألم لأنها لا تشعر به، وإنّما لأنها تشعر به أكثر من الجميع، ثم تختار رغم ذلك أن تواصل السير. فالصبر الحقيقي ليس غياب المعاناة، الصّبر الحقيقيّ هو القدرة على حملها دون الانكسار تحت ثقلها.

كم من أمٍّ نامت على رجاء الصباح وهي لا تعلم إن كانت ستستيقظ بين جدران بيتها أم تحت أنقاضه؟ وكم من أمٍّ ضمّت أبناءها في الليل كأنها تضمّ العالم كله إلى صدرها؟ وكم من أمٍّ وارَت فلذة كبدها التراب بيديها، ثم عادت لتحتضن أبناءها الآخرين حتى لا يجد اليأس طريقه إلى قلوبهم؟

هذه الأسئلة لا تنتظر جواباً، لأنها أكبر من الكلمات نفسها. فهناك لحظات يصبح فيها الصمت أبلغ من الخطب، وتصبح الدموع أفصح من اللغة، ويغدو صبر الأمهات كتاباً مفتوحاً تتضاءل أمامه كل الكتب.

لقد شغلت الفلسفة نفسها قروناً بالسؤال عن الفضيلة والقدر ومعنى الخير، لكن أمهات غزة قدّمن الجواب حيّاً على أرض الواقع. أثبتن أن الإنسان قادر على أن يكون عظيماً وهو محاصر، وأن الكرامة لا تحتاج إلى قصور، وأن الروح تستطيع أن تحلّق فوق الركام كما تحلّق الطيور فوق العواصف.

ولعلّ أكثر ما يبعث على الدهشة أن هذا الصبر لا يولد من القوة الجسدية، ولكن من الحب. ذلك الحب الذي يجعل الأم تجوع ليشبع أطفالها، وتسهر ليناموا، وتخاف عليهم أكثر مما تخاف على نفسها. وكأن الله أودع في قلب الأم سراً خفياً يجعلها أكبر من ضعفها، وأقوى من ظروفها، وأرحب من كل ما يحيط بها.

في غزة، تتحول الأمومة إلى رسالة وجودية. فالأم لا تحمي أبناءها من الجوع والخوف فحسب، وإنّما تحرس فيهم جوهر الإنسان ذاته. تزرع الأمل وسط الخراب، وتعلّم أبناءها أن الحياة تستحق أن تُعاش حتى حين تبدو مستحيلة.

وهذا هو الانتصار الأعمق.

فقد تُهدم البيوت، وتُقطع الطرق، وتُطفأ الأنوار، لكن ابتسامة أمٍّ لطفلها وسط الركام تعني أن الهزيمة لم تكتمل. وبقاء قلبها قادراً على الحب يعني أن الشر لم ينتصر بعد. وبقاء إيمانها بالحياة يعني أن المستقبل ما زال ممكناً.

إن أمهات غزة لا يكتبن التاريخ بالحبر، وإنّما بالصبر. ولا يتركن أثرهن على الورق، يتركن أثراً في ضمير الإنسانية كلها. وحين تُروى حكاية هذا الزمن بعد سنوات طويلة، لن يتذكر الناس أعداد الصواريخ بقدر ما سيتذكرون تلك الأمهات اللواتي حملن أوطاناً كاملة فوق أكتافهن، ومشين بها وسط النار.

سيُقال إن العالم رأى في غزة وجهاً نادراً للإنسان حين يبلغ أقصى درجات النبل. وسيُقال إن هناك أمهاتٍ وقفن بين الحياة والموت كجدارٍ أخير يحمي المعنى من السقوط. وسيُقال إن مدينةً كاملة بقيت واقفة لأن أمّاً واحدة رفضت أن تنحني.

فالأم الغزّية هي شاهدٌ حيّ على أن الإنسان أعظم مما نظن، وأن الحب أقوى مما نتخيل، وأن الصبر حين يسكن قلب أمٍّ يتحول إلى وطنٍ لا يُهزم.


 

اترك تعليقا