عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
لم يفاجئني ما قاله صديق الطفولة الذي لم أره منذ أربعين عامًا عن عراق اليوم. كان يتحدث عن الفساد والثراء كما لو أنه يتحدث عن الطقس، أرقام بالملايين تُذكر بخفةٍ تشبه خفة الأصفار حين تتراكم بلا معنى. ذلك الصديق الذي كان يشاركني مقاعد المدرسة، افترقت بنا الجامعات في بغداد؛ هو ذهب إلى جامعة، وأنا إلى أخرى، ثم افترقت بنا البلاد نفسها. لكن القدر، الذي يحب أن يختبر هشاشة الذاكرة، أعاد جمعنا في لندن بعد أربعة عقود.
جاءني هذا الصيف وهو يقول بثقة لا تخلو من استعراض «أنا من أثرياء العراق الجديد… وهذه أول زيارة لي إلى لندن». ثم أضاف، وكأنه يعتذر عن شيء لا يحتاج إلى اعتذار «جئت لأتسوق وأنفق… من دون وجع قلب». كان يمكنني أن أسأله عن مصدر هذا الثراء، لكن الكياسة -أو ربما الفضول- جعلتني أستمع. قال إنه يمتلك شركة ضخمة لاستيراد المواد الغذائية من إيران، «لإغراق السوق العراقية بها»، قالها بلا تردد، كأن الإغراق فعل تجاري محايد لا علاقة له بما يأكله الناس ولا بما ينهار من اقتصاد.
اقترحت عليه أن يتعرف إلى لندن بوصفها متحفًا مفتوحًا؛ مدينة كل حجر فيها يحكي قصة، وكل شارع فيها يخبئ ظل كاتب أو موسيقي أو ثائر. لم يرفض، لكنه لم يكن مهتمًا. كان يريد التسوق فقط. هكذا فهمت معنى «إنفاق من دون وجع قلب» عبارة تختصر مبلغًا لا يُقال، وتكشف حجم ما أنفقه خلال أسبوع واحد في لندن.
عندما سألني عن العطور، قلت له إنني منذ سنوات أفضل عطر «أمواج» العُماني، المصنوع من اللبان، تلك الشجرة التي تحمل أسطورة عُمان منذ آلاف السنين، التي تقول الروايات إن الهدايا التي قُدمت للسيد المسيح عند ولادته كانت عطورًا من اللبان العماني تحديدًا. رائحة اللبان ليست مجرد عبير؛ إنها ذاكرة روحية، كأنك تشم تاريخًا كاملًا، أو تستعيد لحظة ولادة في مكان بعيد لا يعرفه إلا الأنبياء والبحّارة. لكن صديقي لم يكن يبحث عن الأسطورة، بل عن الفخامة. كان يريد عطرًا يعلن ثراءه، لا ذائقته. عطرًا يصرخ بالسعر قبل أن يهمس بالرائحة.
وهنا يبدأ السؤال الذي يطاردني كلما رأيت ثريًا جديدًا في العراق المزيف. هل يشتري العطر ليشمّه… أم ليُرى وهو يشتريه؟ هل يبحث عن رائحةٍ تكمّل شخصيته، أم عن زجاجةٍ تكمّل صورته؟
في سوق العطور التي يرتادها الأثرياء في لندن، رأيت كيف يتحول العطر إلى شهادة اجتماعية. هناك من يشتري الرائحة، وهناك من يشتري السعر. وهذا الصديق، الذي جاء من بلدٍ يحكمه لصوص الدولة وتُخبأ فيه الأموال في صناديق وتحرق في المواقد، كان يبحث عن العطر الذي يليق بثريّ جديد، لا العطر الذي يليق بروحه.
تذكرت رواية «العطر» لباتريك زوسكيند، وكيف جعلنا الروائي نشم الكلمات نفسها. ذلك النص الذي يعلّمك أن الرائحة يمكن أن تكون قدرًا، وأن الإنسان قد يُصنع من مزيج روائح أكثر مما يُصنع من مزيج أفكار. ثم تذكرت الفيلم المقتبس عنها، الذي أخرجه توم تايكور عام 2006، وأدى دور البطولة فيه بن ويشا وداستن هوفمان وآلان ريكمان. كان الفيلم جميلًا بصريًا، لكنه لم يبلغ قسوة الرواية ولا عبق جملتها؛ فيلم أعاد بناء العالم، لكنه لم يستطع إعادة بناء الرائحة. وهذا بالضبط ما يحدث حين نحاول تحويل الفلسفة إلى صورة، تبقى الرائحة خارج الكادر.
وبينما كنا نتنقل بين متاجر العطور، تتبعت ظاهرة العطور المؤسسية، بنك «جي بي مورغان» الذي يوزع رائحته الخاصة في مقره الجديد بشارع بارك أفينيو، و«غولدمان ساكس» الذي قيل إن مكاتبه تفوح بعطر «موهافي غوست»، ذلك العطر الذي يستحضر صحراء لا تتفتح فيها سوى الأزهار القادرة على التحمّل. كأن البنوك تريد أن تقول لموظفيها: «كونوا مثل تلك الأزهار… صامدين في قحط السوق». ثم عطر «إير فرانس» الذي صممه فرانسيس كركديجان ليوقظ «الإحساس بالاتساع والهدوء والخفة»، وعطر «وي وورك» الذي يحمل اسم «فيردور»، مزيج من الباتشولي والخزامى، صُمم ليخلق «أجواء ترحيبية تعزز الروابط الهادفة»… قبل أن تنهار الشركة نفسها وتترك المستثمرين في فوضى لا تشبه الخزامى في شيء.
العطر هنا ليس رفاهية، بل أداة نفسية. تقول الشركات: إن الروائح «تجذب الزبائن، وتشجعهم على البقاء أطول، وتزيد الإنفاق». لكن الدراسات تقول: إن الموظفين يريدون شيئًا آخر: نافذة، وضوءًا طبيعيًا، وهواء لا يجعلهم يتصببون عرقًا، ومساحة يمكنهم فيها إجراء مكالمة دون أن يسمعهم الجميع. الرائحة تأتي متأخرة في سلم الأولويات، مهما حاولت الشركات أن تجعلها جزءًا من هُوية المكان.
في ذلك التجوال كان صديقي العراقي يحدثني عن صناديق المال التي تُخبأ في البيوت وتحرق في المواقد كما عرضتها مشاهد الفاسدين في العراق قبل أيام، وعن بلدٍ صار فيه الثراء نتيجة فساد لا نتيجة عمل. كان يبحث عن عطر يليق بثريّ جديد، أما أنا فكنت أبحث عن رائحة تحفظ شيئًا من الاتزان، ومن التاريخ، ومن المعنى. قلت له: «أما نحن، يا صديقي، فنكتفي بعطرنا العماني المثالي… أمواج». عطرٌ لا يشتري طبقة اجتماعية، ولا يعلن ثراءً، ولا يختبئ في صناديق. عطرٌ يشبه ما تبقى من العراق حين نغلق أعيننا ونحاول أن نتذكره بلا وجع قلب.
وفي اللحظة التي اختار فيها صديقي مجموعة زجاجات باهظة الثمن تعادل راتب موظف بريطاني لعام كامل، شعرت أن شيئًا ما ينكشف بلا قصد. لم يكن يشتري رائحة، بل كان يشتري صمتًا يغطي به ضجيج الأسئلة التي لا يريد أن يسمعها. كان يبحث عن عبيرٍ يعلّق على كتفه مثل وسام، لا عن رائحةٍ تسكن جلده وتقول له من يكون. رأيته يمد يده نحو أغلى الزجاجات كما لو أنه يمدها نحو هوية جاهزة، هوية يمكن شراؤها من متجر في لندن، لا من حياة تُبنى ببطء وبعرق وبمعنى.
تساءلت في داخلي: ما الذي يفعله العطر حين يوضع على ثراءٍ لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي؟ هل يضيف لمعانًا أم يكشف هشاشة؟ وهل يمكن لزجاجة أن تمنح صاحبها ما لم تمنحه له بلاده؟ كان صديقي يبتسم بثقة، لكنني كنت أرى في تلك الثقة شيئًا يشبه ارتباكًا خفيفًا، ارتباك رجلٍ يعرف أن المال الذي جاءه فجأة لا يشبهه، فيحاول أن يجد له رائحة تليق به.
أما أنا، فكنت أفكر أن العطر الحقيقي ليس ما يُشترى، بل ما يبقى. وأن «أمواج» العماني الذي نحمله نحن، بلا استعراض ولا صناديق ولا مواقد تحرق فيها أموال العراقيين بدل أن يشوى فيها خبز الجياع، يشبه ذلك الجزء الذي تبقى من العراق الذي لم يُحرق بعد. جزءٌ لا يحتاج إلى ثراءٍ جديد كي يلمع، ولا إلى زجاجة فاخرة كي يُرى. جزءٌ يكفي أن نرفعه إلى الضوء… ليشمّ العالم كله رائحته.
الرابط المختصر هنا ⬇