حين يكتبُ الحجاب واللون الإفريقي تاريخًا جديدًا تحت قبة وستمنستر
في قلب لندن العاشقة للضباب، انقشع الطقس الداكن عن مشهد سياسي غير مألوف، مشهدٌ يعيد تعريف الوجه الحقيقي لبريطانيا المعاصرة. هناك، في دائرة “هولبورن وسانت بانكراس” اللندنية العريقة، لم يكن الحدث مجرد انتخابات فرعية روتينية، بل كان زلزالًا ديمقراطيًا هادئًا. السياسية البشوشة سغال عبد الولي، الشابة ذات الأصول الصومالية، بملامحها التي تحمل سمرة الأرض الإفريقية، وحجابها الذي يروي قصة التمسك بالهوية، تقف منتصرة. لقد تغلبت على زعيم حزب الخضر، وحصدت المقعد الذي ارتبط طويلًا باسم “كير ستارمر“، لتعلن بدء فصل جديد في كتاب السياسة البريطانية.
نضال سغال للوصول إلى هذه المكانة تطلب عملًا شاقًا، حيث حوّلت التحديات المزدوجة – كامرأة، وكمسلمة محجبة، وكمهاجرة ذات نكهة إفريقية – إلى وقود لمسيرتها، لتثبت أن الإرادة قادرة على اختراق أكثر الأسقف الزجاجية صلابة.
رحلة سغال عبد الولي لم تنطلق من منصات التسويق والتتويج، بل من قاع المعاناة التي يعرفها كل مهاجر. هي رحلة امرأة من أصول إفريقية، كان عليها أن تكافح على جبهات متعددة: جبهة إثبات الذات في مجتمع جديد، وجبهة اختراق نادي السياسة الذي طالما احتكره الرجال البيض من النخب التقليدية.
صدى الحدث في مرايا الصحافة البريطانية
يطيب لي كعادتي قراءة الحدث في عيون صاحبة الجلالة، فلم يمر هذا الانتصار مرور الكرام على المنابر الإعلامية البريطانية، بل أحدث دويًا تردد في كبريات الصحف والشبكات.
صحيفة “الغارديان” (The Guardian) أفردت مساحة واسعة لتحليل هذا الفوز، معتبرة إياه “انتصارًا للتعددية الحقيقية وهزيمة للخطابات الشعبوية”، مشيرة إلى أن سغال تمثل بريطانيا الحديثة بكل تناقضاتها وتنوعها. أما “الإندبندنت” (The Independent)، فقد ركزت على “حرب الشوارع الانتخابية” التي خاضتها، واصفة حملتها بأنها “الأكثر التحامًا بقضايا الناس الحقيقية”. في حين لم تخلُ تحليلات شبكة “بي بي سي” (BBC) من الدهشة الممزوجة بالاحترام لتمكن سياسية محجبة من الإطاحة بأسماء وازنة في معقل سياسي تاريخي، مما يطرح تساؤلات عميقة حول التغير الديموغرافي والسياسي في لندن.
صناعة الحدث: الهوية أم الكفاءة؟
يتساءل الكثيرون: هل صُنع هذا الحدث السياسي الاستثنائي بسبب أصولها الصومالية كمسلمة، أم بشكلها كمحجبة وبشرتها ذات النكهة الإفريقية؟ الإجابة تكمن في الجدل الذي تخلقه هذه التقاطعات. لا يمكن إنكار أن شكلها وهويتها شكّلا “صدمة بصرية إيجابية” في مؤسسة تقليدية، مما جعلها أيقونة ورمزًا للتغيير. لكن، الاعتماد على الهوية وحدها لا يصنع نصرًا في دوائر شديدة التنافسية. الحدث صُنع لأن سغال استطاعت دمج هويتها البصرية والثقافية مع كفاءة سياسية عالية، وخطاب يلامس هموم المواطن البريطاني العادي – سواء كان مهاجرًا أم بريطانيًا أصليًا.
لماذا ينخرط المهاجرون في السياسة؟
هذا الانخراط يدفعنا للتأمل في الدوافع التي تجعل المهاجرين في بريطانيا، خصوصًا العرب والمسلمين بمختلف أعراقهم، ينخرطون بقوة في الفعل السياسي. السبب الجوهري هو الانتقال من مرحلة “المفعول به” إلى “الفاعل”.
لقد أدركت هذه الجاليات أن البقاء في هوامش المجتمع أو الاكتفاء بالدور الاقتصادي يتركهم عرضة للسياسات اليمينية والموجات العنصرية. فالانخراط السياسي اليوم هو آلية دفاعية وهجومية في آن واحد؛ هو سعي لانتزاع الحقوق، وحماية الهوية، والمساهمة في صياغة القوانين التي تحكم مستقبل أبنائهم. وهنا يبرز دور المرأة تحديدًا، فهي غالبًا ما تكون الأكثر احتكاكًا بخدمات الدولة (التعليم، الصحة، السكن)، مما يجعلها الأقدر على الترافع عن قضايا المهاجرين بصدق وواقعية.
خمس نصائح لنجاح سغال :
لكي تستثمر سغال هذا النجاح، وتكون نموذجًا مشرقًا يشجع المجتمع البريطاني على الثقة في الكفاءات المهاجرة داخل “البلاد التي لا تغيب عنها الشمس”، نضع أمامها هذه الوصايا الخمس:
1. كوني نائبة للجميع، ولا تتقوقعي في الهوية:
دافعي عن قضايا المهاجرين والمسلمين بشراسة، لكن تذكري أنكِ تمثلين كل مواطن في “هولبورن وسانت بانكراس”. اهتمامك بقضايا المواطن البريطاني الأبيض من الطبقة العاملة سيكسبكِ احترامًا يخرس أصوات المشككين.
2. حوّلي الرمزية إلى سياسات عملية (Pragmatism):
لقد نجحتِ في لفت الأنظار، الآن يجب تحويل هذا الانتباه إلى مشاريع قوانين ومبادرات فعلية. المجتمع ينتظر الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط الحضور الرمزي.
3. الالتحام الدائم بالقواعد الشعبية:
لا تدعي أروقة وستمنستر الفخمة تعزلك عن الشارع الذي أوصلكِ. استمري في النزول للأسواق المحلية، والجلوس في المقاهي، والاستماع المباشر للناس. قوة السياسي المهاجر تكمن في قربه من نبض الشارع.
4. بناء تحالفات ذكية داخل البرلمان:
العمل الفردي في السياسة البريطانية لا يحقق الكثير. ابني جسورًا متينة مع مختلف التيارات، حتى تلك التي قد تختلفين معها في بعض الرؤى، لتكوين جبهة قوية قادرة على تمرير القوانين التي تخدم الجاليات المهمشة.
5. صناعة الأمل وتمهيد الطريق لغيركِ:
أنتِ الآن بمثابة “كاسحة ألغام” سياسية. مهمتك ليست فقط النجاح الفردي، بل إبقاء الباب مفتوحًا للأجيال القادمة. كوني مُوجهة (Mentor) للشابات المهاجرات، وازرعي فيهن اليقين بأن الحجاب أو لون البشرة ليس عائقًا، بل هو جزء من فسيفساء بريطانيا العظمى.
تبديد نوازع العنصرية عبر قبة البرلمان
إن الوقع السياسي لولوج أمثال سغال إلى البرلمان يتجاوز مسألة التمثيل العددي، ليلعب دورًا محوريًا في تبديد نوازع العنصرية. فعندما يرى المواطن البريطاني امرأة محجبة سمراء تناقش الميزانية، وتطرح حلولًا لأزمة الإسكان، وتدافع عن نظام التأمين الصحي، فإن الصورة النمطية التي يروج لها اليمين المتطرف تتهاوى. إنهم ينسفون العنصرية ليس بالشعارات، بل بالممارسة اليومية والعمل العام الذي يخدم الجميع.
الرابط المختصر هنا ⬇


