حين تركنا صاحب المولد
اليوم، 25 أغسطس، الموافق 12 ربيع الأول، يتجدد الحديث عن مولد رسول الله ﷺ. وكما يحدث كل عام، ينقسم الناس بين من يحتفل ومن يرى أن الاحتفال ليس من السنة، وتبدأ النقاشات، وتتبادل الأدلة، ثم يتجاوز الخلاف حدود الفكرة أحيانًا ليصبح خصومة بين القلوب.
لكن وسط هذا كله، يراودني سؤال آخر: ماذا لو تركنا قليلًا الحديث عن المولد، وتحدثنا عن صاحب المولد؟
فمحمد ﷺ لم يأتِ ليكون مناسبة في التقويم، ولا عنوانًا لمعركة بين المسلمين. جاء هاديًا ورحمة، وبنى أمة لم تكن عظمتها في أنها خلت من الاختلاف، بل في أنها عرفت كيف تختلف دون أن تفقد أخوتها.
قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
والرحمة ليست شعارًا نرفعه في ذكرى، ثم نعود بعدها إلى قسوة الخصومة. وليست محبة النبي ﷺ أن ننتصر في الجدل حوله، بقدر ما هي أن يظهر أثره فينا: في ألسنتنا حين نختلف، وفي أخلاقنا حين نغضب، وفي قدرتنا على العفو، وفي عدلنا مع من لا نحب.
ربما انشغلنا بالسؤال: هل نحتفل أم لا؟ حتى نسينا السؤال الذي هو أولى: هل نقتدي؟
ما قيمة أن نعرف سيرته إذا لم تغير سيرتنا؟ وما قيمة أن نكثر الصلاة عليه إذا لم تجعلنا سيرته أرحم بالناس، وأصدق في معاملاتهم، وأهدأ في خصوماتنا؟
ليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا، ولا أن نلغي الخلاف الفقهي. فمن حق الناس أن يختلفوا، لكن ليس من حق الخلاف أن يسلبهم أخلاقهم. يمكن أن نختلف دون أن نتباغض، وأن نناقش دون أن نهين، وأن ندافع عما نراه حقاً دون أن نحول المخالف إلى عدو.
ولعل هذا هو ما نحتاج إلى تذكره اليوم أكثر من أي شيء آخر: أن النبي ﷺ لم يترك لنا مناسبة نحييها فحسب، بل ترك لنا طريقًا نسير عليه.
طريقًا في العبادة، والصدق، والرحمة، والعدل، والصبر، وحسن المعاملة. طريقًا يبدأ من تفاصيل حياتنا اليومية، من بيوتنا وأعمالنا وكلماتنا، ومن الطريقة التي نتعامل بها مع من يوافقنا ومن يخالفنا.
في ذكرى مولده، لا أريد أن أسأل: من منا احتفل أكثر؟ ومن منا كان أشد إنكارًا؟
السؤال الأهم: ماذا بقي من محمد ﷺ في حياتنا؟
هل جعلتنا محبته أرحم؟ هل جعلتنا أهدأ؟ هل جعلتنا نعفو حين نستطيع الانتقام؟ وهل جعلتنا نختلف دون أن نتباغض؟ وهل جعلتنا نوجّه غضبنا لأجل من يحتاجون نصرتنا من المظلومين والمستضعفين؟
فقد طال حديثنا عن المولد، حتى كدنا ننسى صاحب المولد.
فلنترك شيئًا من الجدل حول المناسبة، ولنعد إلى صاحبها.
إلى محمد ﷺ، لا بوصفه ذكرى نحييها كل عام، وإنما نبيًا نهتدي به، وقدوة نسير على خطاها.
فأجمل ما يمكن أن يبقى من محمد ﷺ في حياتنا ليس ذكرى نتجادل حولها، وإنما سيرة نمشي عليها.
الرابط المختصر هنا ⬇


