حرب ثقافية سامة على المجتمع البريطاني
في عالمٍ بات يستهلك كوارثه السياسية كأفلام إثارة يومية، تضعنا الكاتبة البريطانية جيميما كيلي أمام تشريح نفسيّ حاد لما تسميه “عودة ترامب التعيسة المتكررة”. ترى كيلي أن المشهد السياسي الغربي أصيب بحالة من “الركود السيكولوجي”، حيث تحولت الصدمات السياسية الكبرى إلى طقس متكرر رتيب يجلب الضجر والتعاسة المعنوية، بدلاً من إثارة الدهشة أو المحاسبة العقلانية. لكن هذه “التعاسة المتكررة” ليست مجرد عَرَض سياسي، بل هي المصلحة العليا لرأسمالية منصات التكنولوجيا المتوحشة، التي اكتشفت أن تسييل الغضب وتدوير الأزمات هما أربح السلع في القرن الحادي والعشرين.
إن خطورة هذا “العرض الترفيهي المسموم” تكمن في أنه لم يعد حبيس الشاشات، بل بات ينهش اللحمة اليومية للمجتمعات. في بريطانيا، التي تطحنها معدلات التضخم الكالح وتآكل قدرة الطبقة الوسطى على العيش الكريم، استُورِدت “حرب ثقافية سامة” من وراء المحيطات لتعويض الإخفاق الاقتصادي بالصخب الأيديولوجي.
لم تعد المعركة المحلية تدور حول مستويات المعيشة أو إصلاح القطاع الصحي، بل تحولت بفضل اليمين المتطرف، المتغذّي على الأفكار الترامبية، إلى مطاردة أشباح رقمية وشيطنة للمهمشين في حرب ثقافية سامة تحطم المجتمع البريطاني الذي بُني تاريخياً على تعدد الثقافات.
هذا التماس الحارق دفع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إلى الخروج عن دبلوماسيته التقليدية المعهودة، ليوجّه انتقاداً علنياً مباشراً إلى الملياردير إيلون ماسك ودونالد ترامب (عبر عراب طروحاته جي دي فانس)، متسائلاً عن حدود السيادة الوطنية في زمن المنصات العابرة للقارات. ستارمر أشار بوضوح إلى أن التدخلات الرقمية الفجة لأباطرة وادي السيليكون في الشأن البريطاني الداخلي، وسعيهم لتأجيج الانقسام الأهلي عبر خوارزميات منصة “إكس”، تحولان الأزمات المعيشية الحقيقية إلى وقود لحروب شوارع افتراضية وواقعية تنذر بزعزعة استقرار المجتمعات.
وفي هذا السياق، كتب المحلل السياسي مارتن كيتل في مقاله الأخير، بعد 41 عاماً من العمل المضني في صحيفة الغارديان، محذراً من أن الديمقراطية البريطانية باتت تواجه خطراً وجودياً غير تقليدي، يتمثل في “خصخصة السياسة الخارجية” من قِبل مليارديرات لا يخضعون للمحاسبة البرلمانية. ويرى كيتل أن دمج الوعود الشعبوية بالهندسة الخوارزمية يسعى إلى رفع منسوب “المظلومية الثقافية” لدى الشارع، كغطاء للتعمية على الفوارق الطبقية والاقتصادية الشاسعة التي خلفتها الرأسمالية الفجّة.
إن ما يغيب عن أعين الكثيرين في هذا المشهد هو الآلية السيكولوجية التي تعتمدها هذه المنصات لإعادة توجيه خيبات الأمل الاجتماعية؛ حيث يُحوَّل “السخط الطبقي” الناتج عن غلاء المعيشة وسحق الخدمات العامة بفعل السياسات النيوليبرالية، إلى “سخط هوياتي” بديل. الرأسمالية الرقمية لا تريد للشارع أن يتساءل عن لصوص الثروات أو تجميد الأجور، بل تريده أن ينشغل بصراعات الهُوية المفتعلة. إنه إحلال خبيث لمعارك الرموز بدلاً من معارك الخبز؛ فبينما تُشحَن الجماهير افتراضياً لتبادل الكراهية والاتهامات، تمرر النخب والشركات الكبرى استراتيجياتها لتركيز رأس المال ومصادرة المكاسب التاريخية للشغيلة، وسط ذهول مجتمعي غارق في نقاشات هامشية لا تنتهي.
هذه اللعبة السيكولوجية تعيدنا إلى المفارقة الأساسية: الرأسمالية التي حوّلت ملاعب كرة القدم تحت مقصلة “الفيفا” وجشع الشركات إلى أندية مغلقة عبر تذاكر باهظة تطرد المشجع الحقيقي إلى الرصيف وتبيع المدرجات للأثرياء، هي ذاتها التي تبيع للعامة اليوم “ترفيهًا سياسيًا مسمومًا” لتعويضهم عن فقرهم المعيشي.
يُطلب من المواطن المطحون بالتضخم أن يستهلك صراعات الهُوية الافتراضية بكامل صوته ليثبت وجوده، في حين ينعم الأباطرة والمليارديرات بالتحكم في مسارات الدول من خلف شاشاتهم المبردة.
هذا التحول الهيكلي يعيد صياغة مفهوم “السيادة الوطنية” ويفككه من الداخل. لم تعد الدولة القومية، كما عرفناها منذ معاهدة وستفاليا، هي الفاعل الوحيد أو الأقوى في الساحة؛ بل تراجعت سطوتها أمام نفوذ “إقطاعيات التكنولوجيا الحديثة”. فعندما يمتلك فرد واحد، كإيلون ماسك، القدرة على توجيه الرأي العام وإشعال الفتن في دولة كبريطانيا بضغطة زر أو بتعديل طفيف في خوارزمية البث، فإن الديمقراطية البرلمانية تتحول إلى واجهة هشة لعالم تملكه الأقليات التكنولوجية. السياسة في هذا العصر لم تعد تُصنع في أروقة “وستمنستر” أو عبر صناديق الاقتراع، بل أصبحت تُهندس داخل استوديوهات البث الحي وغرف الخوادم المظلمة، ما يحيل الحكومات المنتخبة إلى هيئات تنفيذية عاجزة عن ضبط السلم الأهلي أمام طغيان “ملوك المنصات الجدد”.
تُرى، أي غواية هذه التي تجعل المجتمعات الحديثة تقبل بتحويل مصائرها وحقوقها البيولوجية إلى مادة للفرجة والتراشق الرقمي؟ هل تخلت الديمقراطيات عن جوهرها الاقتصادي والاجتماعي لتصبح مجرد استوديو ضخم لتلفزيون الواقع يديره اليمين الشعبوي وأباطرة التكنولوجيا؟
إن الصرخة النقديّة التي أطلقتها جيميما كيلي بوجه “العود الأبدي” للظاهرة الترامبية، بالتزامن مع صراع ستارمر لصد هجمات ماسك الرقمية، تثبت أن الأزمة الراهنة لم تعد مجرد تفاوت في الأرقام أو الأرباح. إنها أزمة وجودية، تحول فيها الإنسان المعاصر من مواطن يمتلك حقوقاً أصيلة، إلى مجرد “مستهلك مبرمج” للتعاسة والضجيج؛ كائن يقتات على عناوين الصدمات العابرة، بينما تلتهم المنظومة واقعه ومستقبله في صمت.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇