العرب في بريطانيا | تعليم العربية للأطفال في الغربة.. كيف نجعلهم يح...

حين تُزرع اللغة في القلب… لا تضيع على اللسان

حين تُزرع اللغة في القلب… لا تضيع على اللسان
أميرة عليان تبلو سبتمبر 4, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

“ابنتك لن تتحدث العربية أبدًا… ولن تفهم لغة أجدادها”.

هكذا قالوا لي في غربتي، وكأنهم كانوا يعلنون حكمًا نهائيًا لا رجعة فيه.

طفلة تولد بعيدًا عن أرض الأجداد، وتفتح عينيها على عالم لا يتحدث العربية، وتسمع من حولها لغات أخرى في المدرسة والشارع والمجتمع؛ فكيف يمكن للغة بعيدة عن محيطها أن تجد طريقها إلى لسانها؟

كان السؤال يبدو منطقيًا في ظاهره، لكنه كان ينسى شيئًا أهم من كل القواعد والنظريات: أن اللغة ليست كلمات فقط، فهي ذاكرة ومشاعر وانتماء.

كنت أؤمن أن الطفل لا يتعلم اللغة حين نحشو رأسه بالمفردات، وإنما حين نجعل تلك اللغة جزءًا من عالمه الجميل. فالطفل قد ينسى كلمة حفظها تحت الضغط، لكنه نادرًا ما ينسى لغة ارتبطت في ذاكرته بحضن أمه، أو بقصة قبل النوم، أو بأغنية أحبها، أو بضحكة ملأت البيت.

أردتها أن تكون صوت البيت

لهذا لم أرد أن أجعل العربية مادة دراسية إضافية في حياة ابنتي، ولا أن أحوّلها إلى قائمة من الواجبات التي يجب إنجازها قبل اللعب.

أردتها أن تكون شيئًا آخر…

أردتها أن تكون صوت البيت.

كنت أحدثها بالعربية كل يوم، لا باعتبارها درسًا يجب أن تنجح فيه، وإنما باعتبارها اللغة التي أشعر بها وأعبّر بها عن حبي وخوفي وفرحي وحناني.

كنت أقرأ لها القصص العربية قبل النوم، وأختار الحكايات التي تأخذها إلى عالم من الخيال، ثم أشرح لها الكلمات الجديدة دون أن أشعرها بأنها في حصة تعليمية.

كنت أغني لها بالعربية، وأضحك معها بالعربية، وأحاورها بالعربية، وأفرح حين تحاول تركيب جملة جديدة، حتى لو أخطأت فيها.

لم أكن أخاف من الخطأ.

كنت أخاف فقط من أن تشعر يومًا أن العربية عبء عليها.

فاللغة التي تأتي محاطة بالأوامر والنقد والخوف، قد تصبح في ذهن الطفل رمزًا للواجب. أما اللغة التي تأتي مع الحب والضحك والحكايات، فإنها تتحول شيئًا فشيئًا إلى جزء من الذات.

الأطفال يتعلمون موقفنا من اللغة

وهنا أدركت شيئًا عميقًا:

لا يمكننا أن نطالب أبناءنا بحب لغة لا يروننا نحن نحبها.

كيف نريد من الطفل أن يعتز بالعربية إذا كان يسمع أباه وأمه يعتذران عنها؟

كيف نريده أن يراها جزءًا من هويته إذا كانت لا تظهر في البيت إلا عندما يحين وقت الدراسة؟

وكيف نطالبه بالانتماء إلى لغة لا تحمل في ذاكرته سوى التصحيح والعقاب والواجبات؟

الأطفال يتعلمون موقفنا من اللغة.

حين يسمع الطفل أمه تتحدث العربية بفخر، ويشاهد أباه يعتز بلغته، ويجد الكتب العربية في البيت، ويسمع الأغاني والحكايات، ويتعرف إلى تاريخ أجداده من خلالها، فإنه يتعلم أن وراء هذه اللغة قصة.

وقصة العربية بالنسبة إلى أبنائنا في الغربة ليست قصة لغة وحسب.

إنها قصة وطن لم يعيشوا فيه ربما، وأجداد قد لا يلتقون بهم كثيرًا، وذكريات لم يصنعوها بأنفسهم، لكنها تستطيع أن تصل إليهم عبر كلمة.

كلمة واحدة قد تكون جسرًا بين جيلين.

وحين ينادي الطفل جدته بالعربية، يكون قد أعاد وصل خيط انقطع بفعل المسافة.

وحين يقرأ قصة عربية، فهو يفتح نافذة على عالم يشبه شيئًا من عالم والديه وأجداده.

اللغة بيت لا يُبنى بالحجارة

لهذا أصبحت أرى اللغة بوصفها بيتًا لا يُبنى بالحجارة.

قد يعيش أبناؤنا في مدن بعيدة، ويتعلمون في مدارس لا يسمعون فيها العربية، ويتحدثون مع أصدقائهم بلغات مختلفة، لكن يمكن أن يبقى لهم بيت آخر يسكنونه دون أن يغادروا مكانهم: لغة آبائهم.

واليوم، ابنتي ذات السبعة أعوام تتحدث العربية وتتمسك بها.

لم يحدث ذلك في يوم واحد، ولم يكن نتيجة معجزة مفاجئة.

كان نتيجة سنوات صغيرة من التفاصيل التي ربما تبدو عادية: قصة قبل النوم، وأغنية، وحوار على مائدة الطعام، وكلمة حب، وتصحيح لطيف، وكتاب جديد، وضحكة كانت العربية حاضرة فيها.

وعندها فهمت أن ما قاله البعض في البداية لم يكن صحيحًا.

فالمسألة لم تكن: هل ستعيش ابنتي في بيئة عربية؟

كانت: هل ستجد العربية مكانًا حيًا في قلبها؟

إذا وجدته هناك، فستجد طريقها إلى لسانها.

لقد تعلمت أن أبناءنا لا يرثون اللغة من الكتب وحدها، ولا من المدارس وحدها، ولا من المناهج.

إنهم يرثونها من حبنا لها.

يرثونها من الطريقة التي ننطق بها أسماءهم، ومن القصص التي نحكيها لهم، ومن الأغاني التي نرددها، ومن الكلمات التي نقولها عندما نحتضنهم.

فاللغة في بدايتها شعور.

كيف نجعلهم يحبون العربية؟

ولذلك ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا، نحن الآباء والأمهات في الغربة، ليس:

كيف نُعلّم أبناءنا العربية؟

بل:

كيف نجعلهم يحبون العربية حتى يرغبوا هم في تعلمها؟

فإذا أحب الطفل اللغة، بحث عنها.

وإذا شعر أنها جزء من هويته، تمسك بها.

وإذا وجد فيها دفء البيت، فلن يشعر أنها غريبة عنه مهما ابتعد عن أرضها.

الغربة قد تبعد أبناءنا عن بلادنا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبعدهم عن جذورهم.

نحن من نقرر إن كانت تلك الجذور ستبقى حية أم تجف.

واللغة واحدة من أعمق الجذور التي نستطيع أن نسقيها كل يوم… بكلمة، وقصة، وحكاية، وحب.

فربما لا نستطيع أن نمنح أبناءنا وطنًا يعيشون فيه طوال حياتهم، لكننا نستطيع أن نمنحهم لغة تحمل وطنًا كاملًا في داخلها.

وحين يكبرون، قد ينسون كثيرًا من تفاصيل طفولتهم…

لكنهم قد يتذكرون إلى الأبد صوت أمهم وهي تقول لهم بالعربية:

“تعالَ يا حبيبي…”

وعندها، لن تكون العربية مجرد لغة تعلموها.

ستكون اللغة التي عرفوا من خلالها أنهم محبوبون.

فهل نستطيع أن نجعل أبناءنا يحبون العربية قبل أن نطلب منهم أن يتعلموها؟

وما أكبر تحدٍّ تواجهونه في تعليم أطفالكم العربية في الغربة؟


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا