العرب في بريطانيا | الإيمان بالله والخوف.. كيف يمنح اليقين القلب طم...

لأنك الله… فلا خوفٌ ولا وجل

لأنك الله... فلا خوفٌ ولا وجل
أميرة عليان تبلو سبتمبر 3, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

هناك لحظاتٌ في حياة الإنسان يشعر فيها أن العالم كله يقف ضده، وأن الطرق التي كانت يومًا واضحة أصبحت غامضة، وأن المستقبل الذي كان يرسمه في خياله قد اختفى خلف ستارٍ كثيف من المجهول. لحظاتٌ يثقل فيها القلب بما لا يستطيع البوح به، ويصبح الليل أطول من المعتاد، ويبدو السؤال أكبر من كل الإجابات.

في تلك اللحظات تحديدًا، حين تضيق بك نفسك قبل أن تضيق بك الدنيا، وحين تبحث عن يدٍ تنتشلك من أعماق قلقك، تذكّر الحقيقة التي لا تتغير مهما تغيرت الأيام:

لأنك الله… فلا خوفٌ ولا وَجَل.

حين يتحول الخوف إلى يقين

الإيمان بالله هو ذلك اليقين العميق الذي يسكن القلب، فيحوّل العاصفة إلى درس، والانتظار إلى عبادة، والخوف إلى بابٍ جديد من أبواب القرب من الله.

نحن نخاف لأننا بشر.

نخاف الغد لأننا لا نعرف ماذا يحمل، ونخاف الفقد لأننا أحببنا، ونخاف المرض لأن أجسادنا ضعيفة، ونخاف الخذلان لأننا منحنا بعض البشر أكثر مما ينبغي من الثقة. نخاف الطرق المجهولة، والرسائل التي قد تغيّر مصائرنا، والأيام التي لا نعرف ماذا تخبئ لنا.

لكن الإنسان حين يعرف الله حق المعرفة، لا يصبح بلا مشاعر، ولا يتوقف عن الحزن أو البكاء، وإنما يتعلم كيف يعيش خوفه دون أن يهزمه الخوف.

يبكي، لكنه يعلم أن الله يرى دموعه.

يتألم، لكنه يعلم أن الله لا ينسى ألمه.

يضيع، لكنه يعلم أن لله طريقًا يعيده إليه.

وينكسر، لكنه يوقن أن هناك ربًّا اسمه الجبّار، لا يعجزه أن يجبر قلبًا ظن صاحبه أنه لن يلتئم أبدًا.

لأنك الله… فإن ما أخشاه ليس أكبر منك.

كل ما يقلقني اليوم، وكل ما أثقل صدري، وكل مشكلة أراها جبلًا لا يمكن تجاوزه، هي أمام قدرتك شيء يسير. ذلك الباب الذي أراه مغلقًا إلى الأبد، تستطيع أن تفتحه لي في لحظة. وذلك الرزق الذي أظنه بعيدًا، قد يصل إليّ من طريقٍ لم يخطر لي على بال. وتلك الأمنية التي تأخرت، ربما كانت السماء تهيئ لها وقتًا أجمل مما تمنيت.

ما وراء قدرتنا ليس مسؤوليتنا

نحن نتعب كثيرًا لأننا نحاول السيطرة على كل شيء.

نريد أن نعرف ما سيحدث غدًا، وأن نضمن المستقبل، وأن نحمي من نحب من كل سوء، وأن نمنع الخسارة قبل وقوعها، وأن نسير في الحياة وفق الخطة التي رسمناها لأنفسنا. وحين تفلت الأمور من أيدينا، نشعر بالذعر، لأننا نكتشف فجأة أننا لم نكن نملك من الأمر شيئًا كما كنا نظن.

وهنا تبدأ الحكمة.

حين يدرك الإنسان أنه ليس مسؤولًا عن تدبير الكون.

أن عليه أن يسعى، نعم، وأن يأخذ بالأسباب، وأن يعمل ويجتهد ويخطط، لكن ما وراء قدرته ليس مسؤوليته، فهو ببساطةٍ في يد الله.

ما أجمل أن تصل في لحظة عجزك إلى تلك الجملة الصادقة:

يا رب، لا أعرف ماذا أفعل، لكنك تعرف.

وما أعظم أن تقول:

يا رب، لا أفهم حكمة ما يحدث، لكنني أثق بحكمتك.

إن أعظم الطمأنينة ليست أن تعرف تفاصيل الطريق؛ بل أن تعرف من يقودك فيه.

قد تمشي في طريقٍ مظلم، لكنك لا تخاف لأنك تعلم أن الله يرى ما لا تراه. وقد تبكي على شيءٍ لم تحصل عليه، ثم تكتشف بعد سنوات أن عدم حصولك عليه كان نجاةً لك. وقد تتألم من بابٍ أغلق في وجهك، ثم تعلم أن خلف ذلك الباب كان شيء سيؤذيك لو دخلته.

كم مرةٍ ظننا أن النهاية قد جاءت، ثم اكتشفنا أنها كانت بداية؟

وكم مرةٍ بكينا على شيءٍ فقدناه، ثم حمدنا الله لأننا فقدناه؟

وكم مرةٍ ظننا أن تأخر أمنية هو حرمان، ثم اكتشفنا أن التأخير كان رحمة؟

نحن نرى اللحظة، أما الله فيرى العمر كله.

نحن نرى صفحةً واحدة، والله يعلم القصة كاملة.

نرى الجرح، ولا نرى الحكمة التي ستولد منه. نرى الغياب، ولا نعرف ما سيأتي بعده من لقاءات. نرى الطريق الملتوي، ولا نعلم أنه قد يكون أقصر الطرق إلى النجاة.

لذلك، فإن الإيمان الحقيقي ليس أن تقول: أنا مطمئن لأن كل شيء سيحدث كما أريد.

بل أن تقول: أنا مطمئن لأن الله يدبّر الأمر، وحتى إن لم يحدث ما أريد، فسيحدث ما يعلم الله أنه خير لي.

لأنك الله… فلا وَحشة في الطريق

قد يتركك الناس، وقد تخذلك الوجوه التي وثقت بها، وقد تجد نفسك يومًا بلا سندٍ بشري، لكنك إن كان الله معك، فلست وحيدًا.

هناك فرقٌ كبير بين أن تكون وحدك وبين أن تكون وحيدًا.

قد تجلس في غرفةٍ فارغة، ولا تشعر بالوحدة لأن قلبك ممتلئ بالله. وقد تكون محاطًا بمئات الأشخاص، وتشعر أنك أكثر إنسانٍ وحدة، لأن قلبك فقد سكينته.

فالأمان الحقيقي لا يأتي من عدد الذين يقفون إلى جانبك؛ بل يأتي من يقينك بأن الله لا يتركك.

إذا أغلقت الدنيا أبوابها، فباب الله مفتوح.

وإذا ضاقت بك الأرض، فرحمة الله أوسع.

وإذا خذلك الجميع، فهو الذي لا يخذلك.

وإذا عجزت عن الكلام، فهو يعلم ما تخفيه في صدرك قبل أن تنطق به.

لأنك الله… فلا خوف.

لا خوف من الغد، لأنه بين يديك.

ولا خوف من الرزق، لأنه منك.

ولا خوف من المرض، لأن الشفاء بيدك.

ولا خوف من الظلم، لأن العدل عندك.

ولا خوف من الوحدة، لأنك أقرب من حبل الوريد.

ولا خوف من النهاية، لأن إليك المصير.

التحرر من عبودية القلق

إن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في حياته هو أن يتحرر قلبه من عبودية القلق، وذلك بأن يعرف حدود قدرته، ثم يسلّم ما وراء تلك الحدود إلى الله.

افعل ما تستطيع، واسعَ فيما تستطيع، وخذ بالأسباب، ثم ارفع قلبك إلى السماء وقل:

يا رب، لقد فعلت ما أستطيع، أما ما لا أستطيع، فهو عندك.

وهنا يبدأ السلام الحقيقي.

ذلك السلام الذي لا تصنعه الأموال، ولا تمنحه المناصب، ولا تضمنه العلاقات، لأن الطمأنينة الحقيقية لا تسكن إلا قلبًا عرف الله.

فيا من تخاف الغد، تذكّر أن الله فيه.

ويا من أرهقك الانتظار، تذكّر أن الله يدبّر الأمر.

ويا من كسرتك الحياة، تذكّر أن الله جبّار القلوب.

ويا من أضعت الطريق، تذكّر أن الله هو الهادي.

ويا من أثقلتك الهموم، تذكّر أن الله أعظم من كل همٍّ يسكن صدرك.

ليس مطلوبًا منك أن تفهم كل ما يحدث لك، ولا أن تعرف سر كل تأخير، ولا أن تجد تفسيرًا لكل وجع.

يكفي أن تعرف الله.

وحين تعرفه حق المعرفة، ستدرك أن بعض الخسارات كانت تحريرًا، وأن بعض الدموع كانت تطهيرًا للروح، وأن بعض الأبواب المغلقة كانت حماية، وأن بعض الأمنيات التي لم تتحقق كانت رحمةً جاءت في صورة حرمان.

لأنك الله… فلا خوفٌ من الغد، ولا وَجَلٌ من المجهول، ولا يأسٌ من الرحمة، ولا ضياعٌ لمن جعل قلبه معلقًا بك.

فما دام الله هو السند، فكل انكسارٍ قابلٌ للجبر.

وما دام الله هو الحافظ، فكل خوفٍ يمكن أن يتحول إلى أمان.

وما دام الله هو المدبّر، فحتى الطرق التي لا نفهمها اليوم، سنفهم يومًا لماذا قادتنا إليها الأقدار.

لأنك الله… يكفي

يكفي أن تكون معنا حين يرحل الجميع.

ويكفي أن تعرف ما في قلوبنا حين نعجز عن الكلام.

ويكفي أن تفتح لنا بابًا حين نظن أن الحياة انتهت خلف آخر بابٍ مغلق.

ويكفي أننا، مهما ابتعدنا وتعبنا وضعفنا، نعرف أن الطريق إليك لا يُغلق.

لأنك الله… فلا خوفٌ ولا وَجَل.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

التعليقات