العرب في بريطانيا | لماذا يتغير إحساسنا بمرور الوقت كلما كبرنا؟

وكانت الساعة عمرًا كاملًا

وكانت الساعة عمرًا كاملًا

وكانت الساعة عمرًا كاملًا

أميرة عليان تبلو سبتمبر 25, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لماذا كانت الأيام طويلة في طفولتنا، ثم صارت تركض بنا كلما كبرنا؟

هل تغيّر الزمن حقًّا، أم أنّنا نحن الذين تغيّرنا؟

سؤال بسيط، لكنه كلما اقتربنا منه اتّسعت مساحته في القلب.

فالعجيب أنّ الساعة التي كانت في طفولتنا تحتاج دهرًا كاملًا حتى تصل إلى المساء، أصبحت اليوم تمضي من بين أيدينا كأنها لم تكن. كان الصيف في طفولتنا عالمًا كاملًا، والإجازة موسمًا لا ينتهي، ويوم الجمعة موعدًا بعيدًا ننتظره بشوق. أما الآن، فنستيقظ لنجد أسبوعًا قد انقضى، ثم شهرًا، ثم سنة، ونلتفت فجأة لنسأل بدهشة: متى مرّ كل هذا؟

الحقيقة أنّ عقارب الساعة لم تتسارع، وإنما تغيّر إحساسنا بها.

حين كانت الحياة كلها جديدة

حين كنّا صغارًا، كان كل شيء جديدًا.

الطريق إلى المدرسة كان مغامرة، وأول صديق كان حكاية، وأول عيد كان عالمًا من الألوان، وحتى المطر كان حدثًا يستحق أن نتوقف لأجله. كانت أعيننا مفتوحة على الحياة بكامل دهشتها، ولذلك كان العقل يسجّل تفاصيل كثيرة، فتبدو التجربة في ذاكرتنا أطول وأغنى.

حين تتشابه الأيام

أما حين نكبر، فتتشابه الأيام.

نستيقظ في الوقت نفسه، ونذهب إلى العمل، ونعود، وننجز ما علينا، ونتابع هواتفنا، وننام، ثم نكرر اليوم ذاته. وحين تتشابه التجارب، يقلّ عدد العلامات التي تتركها في الذاكرة؛ فيبدو الشهر، بعد انقضائه، وكأنه مرّ في لحظة.

كأن الزمن لا يُقاس بعدد الساعات التي عشناها، بقدر ما يُقاس بعدد اللحظات التي شعرنا بها.

ولهذا تبدو الطفولة طويلة؛ لأنها كانت ممتلئة.

من عيش الوقت إلى ملاحقته

لم نكن في طفولتنا نعرف قيمة الدقيقة، ولذلك كنا نمنحها أنفسنا كاملة.

كنا نركض خلف فراشة دون أن نسأل: كم بقي من النهار؟ ونجلس أمام نافذة المطر دون أن نفكر في موعد تالٍ، ونعود إلى البيت متأخرين؛ لأننا لم نكن نملك ذلك القلق الدائم من أن الوقت يهرب.

ثم كبرنا، وصار الوقت شيئًا نلاحقه بدل أن نعيشه.

صرنا نأكل ونحن نفكر في العمل، ونجلس مع من نحب وأعيننا على الهاتف، ونذهب إلى مكان جميل فنفكر في تصويره قبل أن نفكر في النظر إليه. حتى الراحة أصبحت مشروعًا مؤجلًا: «سأرتاح عندما أنتهي من هذا»، ثم يأتي الذي بعده، ثم الذي بعده، حتى نكتشف أن سنوات كاملة مرّت ونحن ننتظر الوقت المناسب لنعيش.

لماذا تبدو السنوات أقصر؟

ولعلّ أكثر ما يجعل الزمن يبدو سريعًا مع العمر هو أنّ السنة الجديدة تصبح جزءًا أصغر من حياتنا كلما كبرنا.

حين يكون الطفل في الخامسة، فإن عامًا واحدًا يمثل جزءًا هائلًا من تجربته؛ أما حين يبلغ الخمسين، فإن العام يصبح قطرة صغيرة في بحر سنوات طويلة. ولهذا قد يشعر الطفل أن عامًا كاملًا دهر، بينما يشعر الكبير أنه مرّ كأنه أسبوع.

نحن لا نشتاق إلى بطء الزمن

لكن هناك شيئًا آخر أكثر قسوة.

نحن لا نشتاق إلى بطء الزمن بقدر ما نشتاق إلى نسختنا القديمة ونحن نعيشه.

نشتاق إلى أمّ كانت تنادينا من نافذة البيت، وإلى أبٍ كان حضوره يملأ المكان، وإلى بيت لم يعد كما كان، وإلى وجوه كبرت أو غابت، وإلى أصدقاء تفرّقت بهم الطرق، وإلى أيام لم نكن نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستكون يومًا من أجمل ما سنبكي عليه.

ربما لهذا يبدو الماضي بطيئًا وجميلًا في ذاكرتنا.

لم يكن اليوم آنذاك أطول من يومنا الآن؛ لكن قلوبنا كانت أكثر قدرة على التوقف.

وهنا تكمن المفارقة:

كلما كبر الإنسان، ازدادت حاجته إلى الوقت، وقلّت قدرته على الإحساس به.

نريد المزيد من الساعات، لكننا نملأها بالمزيد من الأشياء. نبحث عن حياة أطول، بينما نمرّ على حياتنا مسرعين.

كيف نبطئ داخل الزمن؟

ربما لا يكون الحل في أن نحاول إبطاء الزمن؛ فهذا شيء لا نملكه، وإنما في أن نتعلم كيف نبطئ داخل الزمن.

أن نجلس مع أهلنا دون استعجال.

أن نشرب قهوتنا دون أن نحوّلها إلى مهمة.

أن نصغي إلى حديث طفل حتى نهايته.

أن نمشي في الطريق أحيانًا بلا سماعات ولا شاشة.

أن نرى السماء بوصفها سماء.

أن نصنع في أيامنا شيئًا جديدًا؛ لأن الجديد يترك في الذاكرة علامات، والعلامات تجعل الزمن أكثر امتلاءً.

فربما لا نستطيع أن نعيد الساعة إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نعيد الانتباه إلى حياتنا.

الأجدر بنا الآن أن نسأل أنفسنا:

«كم من الوقت الذي مرّ بنا كنّا حاضرين فيه حقًّا؟»

فالأيام لا تختفي حين تنقضي، وإنما تختفي حين نعيشها دون أن نشعر بها.

وما أقسى أن يكتشف الإنسان في آخر الطريق أن حياته لم تكن قصيرة…

وإنما كانت مليئة بالأيام التي مرّت عليه، ولم يمرّ هو فيها.

اترك تعليقا

↑