العرب في بريطانيا | المحبّةُ والرّحمة… سبيلُ الله

المحبّةُ والرّحمة… سبيلُ الله

المحبّةُ والرّحمة… سبيلُ الله بقلم: رشيد غلام
رشيد غلام يونيو 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

الحمدُ لله الّذي أفزعَ قلوبَ المُفرَدين من عبادِه بمحبّته فهاموا في طلبِ وجهِه مُتولِّهين، وملأَ أفئدةَ المخصوصين من عبادِه بهيبتِه فقاموا بين يديه بِذُلِّ الخدمةِ والعبادةِ مُستعِزّين، وسلّطَ على الآبقين من عبيدِه الأعطابَ لترُدَّهم إلى الأعتابِ بلَبوسِ التّوبةِ مُنيبين، وقهرَ خلقَه بإرادتِه الماضيةِ فساروا إلى مُرادِ مشيئتِه العليّةِ مُكرَهين وطائعين.

أحمدُه سبحانه حمدَ الخاضعِ لجلالِه، الهائمِ في جمالِه، المُستمسِكِ بألطافِه، اللّائذِ بأعطافِه، الفقيرِ لفيضِ نعمائه، العاجزِ عن شكرِ كرمِه وجزيلِ عطائه، المُتوسِّلِ له بوجهِه أن تشمَلَه مغفرتُه ورحمتُه ورِضاه، ويكتبَه من أحبّائه السّعداءِ به.

إنّ من ألطافِ اللهِ تعالى وكرمِه المحضِ أن يبعثَ في قلبِ عبدِه — في حالِ مرضِه وضعفِه وحاجتِه وافتقارِه — دواعيَ محبّتِه وقوادحَ إخلاصِ الوجهِ له وطلبِه، ممّا يُعرِّفُ به على نفسِه بكرمِه وإنعامِه وحنوِّه، ويُحيطُه بلطفِه وكِلاءتِه وكنَفِه.

فيتعرّفُ العبدُ إلى كرمِ مولاه، وتنقدِحُ في قلبِه جذوةُ حبِّه، ممّا يجدُ من مخاطباتِ المحبّةِ وهواتفِ القُربة، فيهيمُ به عابدًا، ويطلبُه مستقيمًا، ويرجوه ساعيًا داعيًا.

إنّ اللهَ أحبَّ نفسَه سبحانه أوّلًا، وأحبَّ أن تُعرَف، فجعلَ المُوجَداتِ كلَّها تهيمُ به وتطلبُه في سعيٍ وجوديٍّ جِبِلّيٍّ، يُشكِّلُ طلبُها له سبحانه طلبَه لنفسِه في كلِّ مخلوقٍ، في سِنفونيّةٍ كونيّةٍ بدأتْ بالسّماعِ الأقدسِ يومَ «ألستُ بربّكم» يومَ الذّرّ، على إيقاعِ «كُنْ»، حيث طرِبتْ أسماعُ الوجود، وتشكّلتْ أعيانُ الخلق، وليست تنتهي هذه السّنفونيّةُ المتناغمةُ مع جرسِ المشيئةِ بسماعِ العزّةِ في ختامِ الإنشاءِ الأوّلِ «لمنِ الملكُ اليوم».

وغارَ سبحانه أن يُحَبَّ غيرُه، وقضى أن لا يُعبَدَ سواه، فجعلَ كلَّ مرغوبٍ ومحبوبٍ إمّا تجلّيًا لصفاتِه أو أثرًا لأفعالِه، جمالًا وجلالًا، وبذلك حصرَ كلَّ الحبِّ الّذي في الوجودِ له سبحانه، فـ«أينما تُوَلّوا فثَمَّ وجهُ الله».

كلُّ المحاسنِ له وكلُّ المحامد، فانظرْ — رعاكَ الله — أيَّ شيءٍ محبوبٍ تجدْ نسبتَه إليه جلَّ وعلا، إيجادًا وإتقانًا وإحسانًا، كيف لا وهو الجميلُ على الحقيقة، شمولًا واستغراقًا.

علِمَ سبحانه عجزَ خلقِه عن حمدِه، فحمِدَ نفسَه؛ فقال «الحمدُ لله ربِّ العالمين» ابتداءً، وختمَ دورةَ الخلقِ الأول فقال تعالى «وقيلَ الحمدُ لله ربِّ العالمين». واختارَ لمحبّتِه ورسالتِه أحمدَ خلقِه عنده سيّدَنا محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم، وختمَ بمحامدِه عبادةَ الخلقِ في يومِ الحشر، وجعلَ في يمينِه لواءَ الحمد.

وشقَّ له من اسمِه ليُجِلَّه
فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ

صلى الله عليه بما جعله الله قبلةً للقلوب تتوجه اليه بالمحبة والتعظيم ، تسعفها الشراكة معه في الجنسية . (بشرا رسولا) وبما جعله حضرة جمع تلتقي فيها محبة خلقه له مع محبته له . فهو نسبتنا مع الله و واسطتنا اليه. و باب الكرم الالهي الأوحد و عينُ رحمته و هداه

وكما كان الحبُّ السّببَ الأوّلَ للخلقِ والإيجاد، كان هو المُحرِّكَ الحقيقيَّ لكلِّ حركةِ المخلوقاتِ حيِّها وجمادِها: في سعي الأحياء نحو محابهم ورغباتهم ، وانجذاب الأشياء إلى بعضها ،في دورانِ الكواكبِ حول الشّمس، وتفتُّحِ الزّهرِ لطَلِّ الصّباح، واقتحامِ الذّرِّ للضّوء، وشوقِ الوليدِ لحضنِ أمّه، وهيامِ العاشقِ لصِنوِه وخِدنِه، في بردِ الأصائلِ ونغمِ الألحان، وحلوِ الشّمائلِ وشدوِ الأطيارِ وذِكرِ الأسحار، وعبَقِ الزّهرِ وكلِّ معنًى لطيفٍ عذبٍ رائقٍ بهِج.

الحبُّ هو علّةُ الوجودِ وسببُ بدايتِه، والجوابُ لسؤالِنا وقلقِنا الوجوديّ، هو الهدى لحيرتِنا والشّرحُ لدهشتِنا، هو مبتدَؤُنا وإلى بحرِه منتهانا، وهو المغناطيسُ المحرِّكُ لسعيِنا نحو ذلك المنتهى في سفرِنا الوجوديّ.

الحبُّ هو الّذي يجعلُك تحتضنُ ألمَك ومرضَك كضمّةِ عاشق، تُشعِرُك بكنَفِ العنايةِ الإلهيّةِ ولطفِها بك وحنوِّها عليك ودنوِّها منك؛ هو ما يجعلُك تُحسُّ بالألمِ كدفءِ محبٍّ يخترقُ جسدَك ليُضيءَ ظلمةَ باطنِك ويُشعِلَ جذوةَ قلبِك.

إنّ اللهَ جل جلالُه جعلَ الإنسانَ مركزَ أكوانِه، وجعلَ قلبَه محطَّ نظرِه، وجعلَ الحبَّ ألطفَ معنًى يعمُرُه. يصيرُ القلبُ قدسيًّا جبروتيًّا حين يتّسعُ لله، جُلمودًا مظلمًا حين يجحدُ ربَّه أو ينساه، أو تسكنُه الأحقادُ والأمراض.

يقولُ الحبيبُ المصطفى، الرّحمةُ المُهداةُ والنّعمةُ المُسداة، صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ اللهَ لا ينظرُ إلى صوَرِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم»، وهذا يعني أنّ القلبَ هو محطُّ نظرِ اللهِ من العبد. ولكي تزكوَ أعمالُه وتُقبَلَ عبادتُه لله سبحانه، وجبَ عليه أن يُطهِّرَ قلبَه من كلِّ النّقائصِ والرّذائل، وأعظمِها الغِلُّ والحقدُ والبغضُ والحسد؛ فهي قواطعُ للوُصلةِ بالله، موانعُ للفضلِ منه. فلا ينفعُ عند اللهِ سبحانه إلّا القلبُ السّليم. وأفضلُ ما يُزيِّنُ به العبدُ قلبَه — بعد حبِّ اللهِ ورسولِه وحُسنِ الظّنِّ به — حبُّ الخلقِ والرّحمةُ بهم؛ وهما خُلُقانِ من أخلاقِ الله، يا سعدَ من تخلّقَ بهما. قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «تخلّقوا بأخلاقِ الله».

ولذلك جعلَ اللهُ شرطَ الإيمانِ التّحابَّ: «لن تدخلوا الجنّةَ حتّى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتّى تحابُّوا»، وجعلَ أفضلَ خلقِه عنده أرحمَهم بهم، وقال: «الرّاحمون يرحمُهم الله، ومن لا يرحمُ لا يُرحَم»، وجعلَ «أفضلَ الأعمالِ الحبَّ في الله والبغضَ في الله»، و«أوثقَ عُرى الإيمانِ الحبَّ في الله»، وأفضلَ المتحابِّين أشدَّهم حبًّا لصاحبِه، وقال: «المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نورٍ يغبِطُهم النّبيّون والشّهداء»، وأنّهم في ظلِّ اللهِ يومَ لا ظلَّ إلّا ظلُّه. وقال سبحانه في حديثٍ قدسيّ: «قد حقّتْ محبّتي للّذين يتحابُّون من أجلي، وحقّتْ محبّتي للّذين يتصافَوْن من أجلي، وحقّتْ محبّتي للّذين يتزاورون من أجلي، وحقّتْ محبّتي للّذين يتباذلون من أجلي، وحقّتْ محبّتي للّذين يتناصرون من أجلي».

دينُ اللهِ تعالى دينُ المحبّةِ والرّحمة؛ المحبّةُ وقودُ القلبِ وسراجُه، والرّحمةُ الفائضةُ عن ذلك القلبِ للخلقِ وبالخلقِ أجمعين. فمعاملةُ اللهِ محبّة، والمعاملةُ مع رسولِه محبّة، ومعاملةُ الوالدَيْنِ محبّةٌ ورحمة، ومعاملةُ الإخوانِ محبّةٌ ورحمة، ومعاملةُ الأخواتِ محبّةٌ ورحمة، ونعاملُ الأزواجَ بمودّةٍ ورحمة، وفِلذاتِ الأكبادِ بحبٍّ ورحمة، ونوقِّرُ كبيرَنا ونرحمُ صغيرَنا، ونرحمُ المساكينَ ونحبُّ الصّالحين، ونحبُّ القرآنَ وأهلَه، ونحبُّ أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ وأصحابَه، ونرحمُ الضّعيف، ونحبُّ الخيرَ للخلقِ أجمعين. المحبّةُ والرّحمةُ هما أساسُ كلِّ خُلُقٍ سَنِيٍّ، ومَحْتِدُ كلِّ فعلٍ بهيٍّ.

قال صلّى الله عليه وسلّم: «لن تؤمنوا حتّى تراحموا». قالوا: يا رسولَ الله، كلُّنا رحيم. قال: «إنّه ليس برحمةِ أحدِكم صاحبَه، ولكنّها رحمةُ النّاسِ، رحمةُ العامّة».

والرّحمةُ بالخلقِ والرّأفةُ بهم من أعظمِ أخلاقِ النّبوّةِ وميراثِها، الّتي من حازَها ظفِرَ بخيرٍ كثير، ومن حُرِمَها فهو بعيدٌ عن الحقِّ والخلق، بعيدٌ عن كلِّ خير.

وقد وردَ في الأحاديثِ مغفرةُ اللهِ لمومسٍ سقتْ كلبًا، وآخذ سبحانه عابدةً لأجلِ قطّة. وما أوصى به المصطفى عليه الصّلاةُ والسّلامُ من الرّفقِ بالدّابّةِ والبهيمةِ والذّبيحةِ وغيرِ ذلك كثير. وهذه الرّحمةُ بالخلقِ والمحبّةُ لهم من أكثرِ الأشياءِ جلبًا للخيرِ والنّفعِ للعبدِ في عاجلِه وآجلِه، ولا يمنحُها اللهُ إلّا لمن أحبَّه واستخلصَه من عبادِه. ويا شقاوةَ من حُرِمَهما ولو كثُرتْ عبادتُه. وقد جعلَ اللهُ سبحانه لنيلِها أسبابًا ووسائلَ شرعَها لعبادِه، منها — كي تلينَ قلوبُهم وترِقَّ — ما جاء حين أتى رجلٌ إلى النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يشكو قسوةَ قلبِه، فقال له: «أتحبُّ أن يلينَ قلبُك وتُدرِكَ حاجتَك؟ ارحمِ اليتيمَ، وامسحْ رأسَه، وأطعِمْه من طعامِك، يلِنْ قلبُك وتُدرِكْ حاجتَك».

الرّحمةُ باليتيم، وإطعامُ الجائع، وسقيُ الظّمآن، وكسوةُ العاري رحمةٌ وتراحم؛ وعيادةُ المريضِ وصلةُ الرّحم والرّفقُ بكلِّ مخلوقاتِ الله رحمةٌ وتراحم.

جعلَ اللهُ سبحانه الهدايةَ في دينِه محابَّه، ووصفَ أفضلَ عبادِه بمحبوبيه، وجعلَ ثمرةَ اتّباعِ سبيلِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم حبَّه، فقال: «قل إن كنتم تحبّون اللهَ فاتّبعوني يحبِبْكمُ الله»، فجعلَ الحبَّ باعثًا وسبيلًا وغاية.

المحبّةُ والرّحمةُ سبيلُ الله، وهدايتُه ونورُه الّذي يمُنُّ بهما على عبادِه المخلصين، وصراطُ الحقِّ المستقيم، وشعارُ أهلِ اللهِ المهتدين، ودِثارُ عبادِه المنتجَبين.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
جولة حاسمة ومواجهات مرتقبة تنتظرنا في كأس العالم.. ⚽ تبدأ جولة اليوم بلقاء يجمع بين الولايات المتحدة وأستراليا، تليها المباراة المنتظرة التي يلتقي فيها منتخب المغرب نظيره اسكتلندا. أما فجر السبت، فتستمر الإثارة الكروية مع مواجهة تجمع منتخب البرازيل ضد…
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
اكتساح جديد لحزب العمال في الانتخابات الفرعية لمنطقة ماكيرفيلد.. 🗳️ أظهرت النتائج الرسمية لانتخابات منطقة "ماكيرفيلد" تقدمًا كبيرًا لحزب العمال وحصاده لأكثر من نصف أصوات الناخبين، متفوقًا بفارق واسع على أقرب منافسيه من حزب ريفورم، وسط تراجع حاد وواضح لحزب…
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
R to @AlARABINUK: للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=231580
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
"طفل وسط تماسيح.. جريمة تهزُّ بريطانيا" ضجّت الصحف البريطانية بالتحقيقات حول محاولة قتل طفل في حديقة حيوان، إلى جانب تقارير عن انفراجة مرتقبة للاقتصاد البريطاني بعد اتفاق إيران. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف اليوم, الرابط في أول تعليق ⬇️…
عرض المزيد على X ←