وَجْدُ القلب
أعزّائي الكرام وأحبّائي في كلّ مكان، على القُربِ بالتّصافي وعلى البُعدِ بالتّوافي.
من مِحبرةِ العطاءِ المُلتحِفِ بالبلاء، ومن عينِ المِنحةِ المُتسربِلةِ بالمِحنة، ومن فيضِ الكرمِ الإلهيِّ المُتجسِّدِ مرضًا في الظّاهرِ يُصيبُ البدنَ لتَطهُرَ وترقى الرّوحُ، أبسُطُ لكم كلماتٍ مُتبتِّلةً إلى ربّها، راضيةً بقضائه، مُتضرِّعةً له في رفعِ مَقضيِّهِ وبلائه، غيرَ مُتجلِّدةٍ عليه في وقوعِ ضرّائه. تتضرّعُ إليه أن يسمعَ الشّكوى ويرفعَ البلوى، إنّه لطيفٌ كريم.
أكتبُ لكم كلماتٍ من جسدٍ يتماثلُ للشّفاءِ بفضلِ الله، ويقومُ بعد عناءٍ، ببركةِ دعواتِكم الطّيّبة، ودعواتِ إخوانٍ جعلوا دليلَ محبّتهم دعاءً، وصِدقَ أخوّتهم وفاءً، فعرضوا حاجتنا على بسطِ الكرمِ الإلهيِّ في عرَصاتِ الفيضِ الرّحمانيِّ في الثّلثِ الأخيرِ من اللّيل، حيث ساعةُ التّجلّي والنّداءِ والمغفرةِ والعطاء.
أكتبُ لكم عباراتٍ مِمَّن شهِدَ كيف يُحيي اللهُ جسدًا مَواتًا جامدًا، لم تكن تتحرّكُ منه إلّا عيناه، وكيف بثَّ اللهُ الحركةَ في أعضاءٍ كما بثَّ في عروقِ القلبِ بردَ اليقين، وبَلَّ صخرَ الفؤادِ بشهودِ المِنّةِ كما بَلَّ الأطرافَ بالحياةِ من جديد. فسبّحَ القلبُ: أن سبحانك أنتَ الحيُّ القيّوم، تقومُ بقيّوميّتكَ المُوجَداتُ كما تحيي بحياتك كلَّ المُوجَدات.
إنّ أعظمَ ما يمُنُّ اللهُ به على عبدِه أن يُفزِعَ قلبَه إليه، ويُحرِّكَ آلتَه في طلبِه والخضوعِ إليه. وإنّ بلاءَ المرضِ لَمِن أسرعِ الأسبابِ الّتي تُحرِّكُ قلبَ الإنسانِ نحوَ اللهِ القادرِ المجيد.
نادى اللهُ عبادَه بمُلاطفاتِ الإحسانِ إلى حضرتِه وسبيلِه في طُرُقٍ شتّى تُحيطُ بالإنسانِ من كلِّ جانب، آياتٍ في الأنفسِ والآفاق، تُنبِّهُ العبدَ أن ليس له إلّا مولاه، وأنّ الرّجعى إليه، وأنّه سبحانه خيرٌ وأبقى. لكنّ قلّةً قليلةً من عبادِه تستجيبُ لهذا النّداءِ الإلهيّ، وتنقادُ إلى سبيلِ اللهِ بمُلاطفاتِ الإحسانِ وسوانحِ الكرم.
فسلّطَ اللهُ على عبادِه -كرمًا منه- كي ينقادوا إليه ويفِرّوا إلى حِماهُ من المعاطبِ والبلايا، والغمِّ والمرضِ والرّزايا، كي يُفزِعَهم إليه ويَنتبهوا إلى عجزِهم وضعفِهم وفقرِهم بين يديه. يُذكِّرُهم أنّهم عبيد، وأنّ الدّنيا ليست دارَ بقاء، وأنّه سبحانه لهم ربٌّ وهم صائرون إليه، في يومٍ آخَرَ ينتظرُهم.
لكنّ هذه الذّكرى تنفعُ من كان له قلب؛ من قلبُه حيٌّ مُنوَّر، لا الّذين هم في سَكرةٍ عن الانتباهِ لآياتِ الله، بما أغلقوا قلوبَهم بأقفالِ الغفلةِ والشّرَهِ وحبِّ الدّنيا. بل هم أمواتٌ لخُلوِّهم من الحياةِ بذكرِ اللهِ واليومِ الآخر، عَمُونَ عن المسيرِ والمصير.
من أفضلِ ما يهبُه الكريمُ لمن أحبَّ من عبادِه في حالِ مرضِه، أن يجدَ العبدُ قلبَه، وتتحرّكَ فيه معاني العبوديّة. ونقصدُ بذلك تحرُّكَ اللّطيفةِ الإنسانيّةِ المغروزةِ فيه، المُسمّاةِ قلبًا، بالخشوعِ أو الوجلِ أو الافتقارِ واللّجوء إلى جنابِه الكريم، أو غيرِ ذلك ممّا يفرضُه مقامُ الانطراحِ على بابِ المولى الكريمِ والمجالسةِ لجنابِه ومخاطبتِه بلسانِ الشّكوى أو الطّلبِ والدّعاءِ والمناجاة.
القلبُ هو محلُّ نظرِ اللهِ من العبد، وهو خصيصتُه من المخلوقات، وهو مَلِكُ مملكةِ الأعضاء. وهو المقصودُ من الإنسانِ بالرّسالاتِ والشّرائعِ السّماويّة، وهو المُكلَّفُ بالعبوديّةِ والإنابة. وكلُّ أعمالِ الظّاهرِ لا تصحُّ إن لم يُصاحبْها عملُ القلب، فالأعمالُ أشباحٌ روحُها عملُ القلوب.
والإنسانُ في تقلُّبٍ مع أطوارِ الحياةِ وتصاريفِها، وخوضِه في مَوْرِ بحرِها وكدرِ التّنافسِ على جَنْيِها، وغفلتِه عن اللهِ في طلبِ غيرِه من عزٍّ وجاهٍ وشَرَهِ محابٍّ فانية، يفقدُ قلبَه؛ بمعنى يفقدُ حاسّةَ تواصلِه مع اللهِ والإحساسَ بقربِ اللهِ منه ومراقبتِه له وإحاطتِه به. ولو باشرَ أعمالَ الخيرِ وأقامَ ظاهرَ الفرائض، فإنّه لا يجدُ حلاوتَها ولا يُحسُّ بأثرِها عليه، وأكثرُ الخلقِ على هذا الحال، ثمّ إنّهم لا يُحسّون بفقدِ قلوبِهم، أو بأنّهم لا قلوبَ لهم أصلًا.
واللهُ سبحانه جعلَ كلَّ مكوّناتِ وجودِه وتصاريفَ أقدارِه آياتٍ للتّذكيرِ به سبحانه وبالرّجعى إليه، لكن لا تنفعُ إلّا من كان له قلب. ولا ينتبهُ لنداءِ الحقِّ في رسومِ الخلقِ إلّا من كان له قلب، مصداقًا لقول الله عزوجل: «إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ».
لأجلِ هذا الأمرِ العظيمِ الجلَلِ جعلَ اللهُ لعبادِه مواطنَ يجدون فيها قلوبَهم ويتفقّدونها ويختبرون حياتَها وسلامتَها. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «اطلُبْ قلبَك في ثلاثةِ مواطنَ: عند سماعِ القرآن، وفي مجالسِ الذّكر، وفي أوقاتِ الخلوة، فإن لم تجدْه في هذه المواطنِ فاسألِ اللهَ أن يمُنَّ عليك بقلب، فإنّه لا قلبَ لك».
إنّ محلَّ كلِّ المكارمِ من الإنسانِ هو القلب؛ فإسلامُ الوجهِ لله محلُّه القلب، والإيمانُ والاعتقادُ محلُّه القلب، والحبُّ مكانُه القلب، والخضوعُ محلُّه القلب، والخوفُ والرّجاءُ مكانُهما القلب، والذّلُّ والعبوديّةُ لله مكانُهما القلب، والتّواضعُ مكانُه القلب، إلى غيرِ ذلك من المعاني الشّريفةِ والخِلالِ المنيفة.
كما أنّ كلَّ داءٍ عُضالٍ سيّئٍ مكانُه القلب، ولا نجاةَ للعبدِ ولا فوزَ له باللهِ إلّا بطهارةِ قلبِه من ذلك كلِّه.
فالقلبُ محلُّ نظرِ اللهِ عزّ وجلّ، وهو أساسُ قبولِ الأعمالِ وتفاضلِها عند اللهِ سبحانه؛ فإنّه عزّ وجلّ لا يقبلُ في الآخرةِ إلّا القلبَ السّليم. ويا عجبًا للإنسانِ يُزيِّنُ كلَّ شيءٍ فيه إلّا موضعَ نظرِ اللهِ إليه.
هذا القلبُ يَحيا ويُصقَلُ ويُنوَّر، حتّى يُصبحَ حاسّةً تتذوّقُ معاني الإيمانِ والحبِّ والذّكر، فتُسقى من حياضِ الملكوتِ وتتقدّسُ بفيوضاتِ الجبروت.
قال سبحانه في حديثٍ قدسيّ: «أيُّما عبدٍ اطّلعتُ على قلبه فوجدتُ الغالبَ عليه التّمسّكَ بذكري، تولّيتُ سياستَه، وكنتُ جليسَه ومُحادثَه وأنيسَه».
إنّ من ينشأُ في رغَدٍ من العيش، يُربّيه والداه مُدلَّلًا، ويُجنِّبانه كلَّ ما يضرُّه أو يؤلمُه، لهو أبعدُ من أن يرِقَّ قلبُه في مواطنِ الخضوع، وأقسى لأن يستدعيَ دمعتَه في ساعاتِ الخشوع، حتّى يتداركَه المولى بمسحةِ ألمٍ توقظُ قلبَه، فتُشعِرَه بإنسيّتِه ومعناه، وعبوديّتِه لمولاه.
ما حديثُنا عن صحبةِ اللهِ والمنتهى، وشهودِ كنَفِ العنايةِ الإلهيّة، ومعنى الودود، والعنديّةِ والزّمنِ الإلهيّ، إلّا سبحٌ في الخيالِ إذا لم تجدْ قلبًا، وتُحييَه بماءِ الذّكر، وتُنيرَه بأنوارِ الحضورِ مع الله، وتصقلَه في سندانِ الشّريعةِ الغرّاء؛ حتّى يُصبحَ ما آمنتَ به تصديقًا، يقينًا تتذوّقُ معناه في قلبك، وتجدُ أسرارَه في فؤادك.
إنّ قوارعَ الدّهرِ ونوازلَه هِباتُ فضلٍ ومِنحٌ من الكريمِ سبحانه، ليُنبِّهَ عبادَه إليه ويُفزِعَ قلوبَهم إلى حضرتِه. إنّها تجلّياتُ جلالٍ منه لتُلجئَك إلى تجلّياتِ جمالِه، تلطُّفٌ منه وعنايةٌ في أن يطلبَك ويجعلَ لك ما يُسرِعُ بك إليه، ويُخيفَك حتّى تحتميَ بجنابِه الكريم، فتدعوَ بدعاءِ نبيّك صلّى الله عليه وسلّم: «وأعوذُ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسك».
رشيد غلام
مستشفى لندن
الرابط المختصر هنا ⬇