لوجدتني عنده
أكتب لكم في جُنح الليل وقد أسبل الظلامُ سجوفَه، وطوى في سكونه أنينَ كل مكلوم وغمَّ كل مهموم.
أكتب لكم في سُبُحات الليل، حيث سكن كلُّ ساعٍ إلى كدِّه، ودنِف كلُّ لغوبٍ إلى وِرده. واتخذ كلُّ عاشقٍ من معشوقه راحاً، وجعل كلُّ كادحٍ من رقدته مستراحاً.
أكتب لكم هذه المذاكرة المتبتِّلة، بجسد مُنهَك وروح هائمة، تحمد الله على نعماءَ لم تكن لتعرفها لولا وَعْتاء المرض، وآلاءٍ لم تكن لتدركها لولا كَمَدُ العجز والمسكنة، وفتوحِ غيبٍ لمعرفةٍ من بحار الفضل تَكْرَع، يَكِلُّ عن ذكرها اللسان ويعجز أمام عصا موسى الّتي فيها سحرُ البيان. ولكنها المواهب من الكريم؛ إذا فتح للناس رحمةً فلا ممسك لها، حتى من أنفسهم لا يمنعون إصابةَ رحمةٍ لهم.
أبرزُ أمرٍ يحضر في شأن المريض أنّ الله عزّ وجلّ عنده، كما ورد في الحديث الشريف، الذي رغَّب الله فيه إلى إطعام الجائع، وسقاء الضمآن، وزيارة المريض، وتنزَّل سبحانه بذكره أنّ في إطعام الجائع إطعاماً له تعالى في علوِّه علواً كبيراً، وفي سقاء العطشان سقاء له، وفي زيارة المريض زيارة ووَجْدٌ له سبحانه وعزّ وجلّ ، ترغيباً منه سبحانه في أنّ إسعافَ خلقه ومواساتَهم وتوصيلَ النفع لهم، قربانٌ له وزُلفى منه جلّ وعلا، وأنّ العمل المتعدّيَ بالخير إلى خلق الله أنفعُ وأحبُّ إلى الله من غيره.
ولو ان الحديث ورد بصيغة التحفيز والندب للزائر، فقد ضمّ أيضاً بشارةً للمَزور في ذكر أنّ الله عنده كما يليق بجلاله وكماله، وتنزّهه سبحانه عن التحيّز والحدوث والتشبيه.
قضى الناسُ أعماراً وصنّفوا مدوّنات في فهم وشرح معنى تنزّله تعالى في الثلث الأخير من الليل، لتنزيهه تعالى عن التحيّز والحدوث، بينما قام المحبّون لاغتنام ذلك التنزّل والنداء، بالدعاء والتعبّد، مسلِّمين لله كيْفيّة نزولِهِ ومعناه.
هو عند المريض بقهره واقتداره ورحمته ولطفه، وأكثرُ ما تتجلّى ربوبيّتُه حيث تظهر من العبد أوصافُ العبودية، ورسومُ الإنابة. تطلب أوصافُه سبحانه أضدادَها.
هو عند المريض ليس فقط بمعيّة الإحاطة والهيمنة، بل أيضاً بـ«عِنديّة» القرب واللطف والتطبيب. «عِنديّة» المجالسة والعناية والمؤانسة. وهي قربٌ مخصوص لمن نبّه اللهُ قلبَه إليه.
إنّ الله جلّت قدرته وتعالى جَدُّه مدح مخصوصين من عباده فذكر أنّهم في أرفع منزلة فقال: ﴿والذين عنده﴾، ومدح مجلساً يُذكَر فيه بأنّه يذكر أهلَه ﴿في مَن عنده﴾. ومدح خلقاً من أقوام فقال إنّه عند المنكسرةِ قلوبُهم لأجله، وذكر المريضَ بأنّه عنده.
العِنديّة» — منزلةٌ ربّانية رفيعة، من منازل القرب والحضور مع الله سبحانه، ليست ظرفاً زمانياً ولا مكانياً، هي مرتبةٌ ومنزلةٌ من الزمن الإلهي، موصولةٌ بالأزل. يدخلها العبد بروحه حالَ ما ذكر ربَّه وحضر معه، حيث المجالسةُ الربّانية، من غير حدوث ولا تحيّز.
«العِنديّة» حضرةٌ إلهية تستمدّ أوصافَها من أوصاف القديم سبحانه، الواجب الوجود الفرد الصمد سبحانه.
مرتبةٌ وصَلنا بها سيدُنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، حين رجع إلينا من معراجه المنوَّر إلى ربّه؛ بالصلاة. وجعلها معراجاً لأرواحنا خمسَ مرّات في اليوم. حيث ألحَم الحادثَ بالقِدَم. وأوصل الإمكانَ بالأزل.
فكانت وَصلةً يقف فيها العبدُ بين يدَي ربّه، ويخاطبه، ويكلّمه، ويسلّم في تشهّده على سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم عروسِ الحضرة، تسليم المخاطب ِللحاضرِ وعلى الصالحين من عباد الله، السابقين واللاحقين، وعلى نفسه، بما يُشعره أنّه مدعوٌّ لهذه المرتبة العظمى، وليس طفيلياً أتى من غير دعوة .
حضرةٌ عليّةٌ أُذِنَ لكلّ عبد طالبٍ أن يدخلها، كلّما ذكر ربَّه وحضر معه، إمّا مصلّياً، أو قارئاً للقرآن، أو ذاكراً، أو مؤدّياً للفرائض. فرائضِ الشريعة وفرائضِ الوقت .
إنّ هذا المعنى السابق من أنفَسِ ما فتح الله به عليّ في فترة المرض / الخلوة، وقد عشت دهراً متحيّراً في فهم المعراج النبوي في أيّ زمنٍ كان؟ وكيف يجري على القديم فيه ما يوهم الحدوث .
حتى هداني الله بفضله إلى ما سمّيته «الزمن الإلهي» وهو مفهوم واسع يفسّر كثيراً من الأمور ويرفع الإشكال عن كثير من الأشياء التي نصادفها في النصّ المقدّس، من الكتاب والسنّة .
ربَط الله وَجْدَه سبحانه في المواساة لخلقه، وبذلِ الإرفاق لهم. وقد يحصل وَجدُه في العمل المتعدّي إلى خلقه بالنفع والخير أكثر ممّا يحصل في الأعمال الفردية .
فجعل وَجدَه في إطعام جائعٍ وسقاء ظمآن وزيارة مريضٍ ليمثّل بذلك على أشباهها من الأعمال التي تُدخل السرور على الناس وتدفع كربَهم. حيث ذكر أنّ أحبَّ خلقه إليه أنفعُهم لغيره من الخلق، وشبّههم سبحانه بعياله، أي الذين يعولهم سبحانه، ومدحك إن كنت خليفةً له في إيصال نفعه لهم .
الله عند المريض؛ عندما تقلّ حيلتُه ويعظُم توكّله، ويكثر لجوؤه وضراعتُه، ويتمسكن بتبتله ورجائه إلى الله. عندما تصبح أنّاتُه توسّلاتٍ وآهاتُه تسبيحاتٍ لجنابه الكريم، عندما ييأس من كلّ شيء ويأمل الفرجَ من القادر المريد سبحانه .
الله عند المريض؛ عندما يُلجئه بكسرِه إليه، وعندما تظهر أوصافُ العبودية عليه، الضعفُ والعجزُ والضراعةُ، سبحانه وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ . إليه يصعد الكَلِمُ الطيّب، ودعاءُ المضطرّين، وهو الذي يتنزّل بلطفه وكرمه، فيُجيب الداعين والطالبين .
يفيض بكرمه على المريض حثى يشمل به عوّاده وزائريه، ليلحقهم برحمته و جوده، ويجعل منزل الزيارة حضرة للدعاء و العطاء، والمغفرة والرحمة. فطوبى للزائر و المزور بهذا التعطّف الرحماني وهذا الكرم الواسع .
قبل لقائه الأخير سبحانه، جعل الله لك في الدنيا ما يُعدّك لذلك اليوم، وشرع لك هنا ما يُبيِّض وجهَك عند لقائه هناك. وحبَّب إليك باللقاء هنا في مجالس الذكر والخير، اللقاءَ هناك وندَبك للإعداد له، وجعل لك جنّةً في الدنيا تدخلها قبل جنّة الآخرة. ويسّر لك صراطاً مستقيماً يوصلك في أمان إليه .
فإلامَ جحودُك أيّها العنود؟ وإلى متى تسويفُك في الرحيل إليه؟ والرجوعِ إلى حِماه وطاعته؟ وإلامَ تنكُّبك عن جادّة نبيّه وسبيلِه صلّى الله عليه وسلّم؟ وبماذا تفرح من غيره؟ وبمن تتعنّى من غيره؟
«ماذا وَجد مَن فَقَدَ الله، وماذا فَقَدَ مَن وَجَدَ الله».
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇