العرب في بريطانيا | الصافرة التي انطلقت قبل المباراة: قراءة في أسبا...

الصافرة التي انطلقت قبل المباراة: قراءة في أسباب هزيمة المغرب أمام فرنسا

الصافرة التي انطلقت قبل المباراة: قراءة في أسباب هزيمة المغرب أمام فرنسا
عادل يوسف يوليو 14, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ما إن أطلق حكم المباراة صافرة النهاية، معلناً عبور الديك الفرنسي إلى نصف النهائي من كأس العالم، حتى خيّمت على الأجواء نظرات الريبة والاستغراب من المستوى الهزيل الذي ظهر به لاعبو المنتخب المغربي.

حتى أكثر المتشائمين لم يكن يتوقع سيناريو مثل هذا، كما أبدى استغرابَه لاعبُ المنتخب الفرنسي رابيوت في المؤتمر عقب المباراة: “شعرنا أنهم لم يُشكلوا خطراً علينا”.

بعض الناس عزا ذلك إلى وفرة الحلول الهجومية لدى لاعبي ديشامب؛ فالأخير يملك فريقًا آخر على الدكة يستطيع وحده المنافسة على كأس البطولة.

ما دفعني إلى الكتابة هي حالة الموت السريري للاعب المغربي على أرضية الميدان، أجساد هزيلة بلا روح، وتمريرات في عرض الملعب لا تُسمن ولا تُغني من جوع. تحول أيوب بوعدي من نجم ضجّت به وسائل الإعلام إلى رجل يتوارى خلف القمصان؛ هرباً من الكرة.

فإن قيل: السبب كان في تراكم المباريات والإرهاق، قلت: لكنهم -أي اللاعبين- ينشطون في عدد من أكبر دوريات العالم، فهم قد مَرَدوا على مثل هذه الظروف.

وإن أرجعنا السبب إلى غياب مفاتيح اللعب وصانعي الفرص المغاربة أمثال إسماعيل صباري، أجبت: نقطة الخلاف ليست فيمن غاب، بل من حضر لم يكن يُريد اللعب!

بل حالة التيه طالت الجميع حتى الجهاز الفني، فالمدرب محمد وهبي بدأ بتشكيلة مفادها: “أرجوكم فوزوا يا فرنسيين وخلصونا”.

بعد نهاية المباراة حامت حولي الشكوك والتساؤلات؛ هل كانت الهزيمة كروية بحتة، أم أن هناك رواسب نفسية وتاريخية غير مرئية فعلت فعلها؟

للإجابة عن السؤال أعلاه، يُستحسن الرجوع بالذاكرة إلى أواخر القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، سنجد أنّ التساؤل ذاته بصيغة أُخرى قد حيّر النُّقاد والمحللين. في ذلك الوقت تقريباً كانت فرنسا وبريطانيا هما قطبَي الرحى في العالم أجمع، القوة الإقليمية في الكوكب كانت ترتكز في هاتين الدولتين.

ما أثار حفيظة قارئي التاريخ هو سؤال مفاده: إذا كانت فرنسا وبريطانيا بالهيمنة ذاتها والقوة العسكرية نفسها، فلماذا استطاعت مصر هزيمة فرنسا نابليون وإخراجه من البلد في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، مع أنها لم تستطع فعلها مع الإنجليز، الذين استعمروهم لمدة تجاوزت الستين سنة؟!

فالفرق بين الاحتلال الفرنسي والبريطاني لمصر، هو المبحث الذي يجب تسليط الضوء عليه. وسبر أغواره سيُنير لنا عتمة السؤال الوجودي: لماذا بدا اللاعب المغربي مهزوزاً في مباراته الأخيرة؟

الإجابة كانت في -السيكولوجية الثقافية- في عقل الإنسان المصري البسيط ووجدانه؛ فلم تستطع فرنسا نابليون إخضاعه لأنه واجهها مواجهة “النّدّ”، فالفلاح المصري رأى في المحتل إنسانًا غريبًا يختلف عنه شكلاً ومضموناً، وضعه في خانة اللص الطامع في مقدّرات البلد؛ لذلك كانت المقاومة الشرسة الخالية من الفوقية وعقدة النقص.

أما في بريطانيا فقد اختلفت الظروف، فالأخيرة تعلمت الدرس ولم تتخذ خيار الصِّدام العسكري المباشر، بل استغلّت القطيعة بين الخديوي الابن -حاكم مصر آنذاك- وبين شعبه من جهة، وخوفه من ثورة أحمد عرابي الشهيرة (عامي ١٨٨١ و١٨٨٢ للميلاد) من جهة أخرى.

الخوف من فقدان العرش حمَل الخديوي إلى الاستنجاد بالإنجليز، وهذا الفعل كان ثمنه تغلغل البريطانيين في مفاصل الدولة العميقة، فقد أبقت على الرئيس وأجهزته في الواجهة، في حين كانت تُدير الأمور من خلف الكواليس كتغيير المناهج التعليمية والقوانين القضائية وتعيين نُخب موالية لها …إلخ.

“القوة الناعمة” التي انتهجتها المخابرات الإنجليزية على مدار عقود، آتت أُكلها وخلقت في وجدان المصري ما أسماه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار)، فعندما رَست سفن الملكة فيكتوريا على شواطئ الإسكندرية، استقبلوهم استقبال الأبطال الفاتحين، وكان المصري يرى في الإنسان الأبيض الإنجليزي “المُخلّص” من ربقة التخلّف والرجعية.

وما استقرّ في عقل المصري وقلبه كان هو نقطة التحول بين الاحتلالين.

بالعودة إلى المستطيل الأخضر، وبإلقاء نظرة سريعة على مشوار المغرب في كأس العالم، سنجد أنهم دكوا حصون الطواحين الهولندية، ومن قبلهم حوّلوا راقصي السامبا إلى منتخب عادي ينتمي إلى الفرق المتذيلة الترتيب؛ لأنهم وقفوا ضدهم موقف النّدّ، كما فعل الفلاح المصري مع جيش نابليون.

أما المباراة الأخيرة فالأمر فيها مختلف كل الاختلاف، فرنسا في العقل الباطن للإنسان المغربي ليست مُجرد خصم، بل هي عاصمة النور، وهي الصنم الذي يُذبح عنده قرابين الأمنيات. أزعُم أن أولى الكلمات التي يتمتم بها الطفل في المغرب العربي -بسبب الفقر وأمور أخرى للأسف- هي: (ماما، بابا، باريس).

أقصى طموح للاعب هناك هو كسب رضى الأندية الفرنسية ومن بعدها الأوروبية. هذا الولع والتقدير المفرط للآخر يُوجِد نوعاً من الاستلاب الثقافي، أي أن اللاعب لم يكن في مواجهة خصم عادي، بل “مثله الأعلى”، لذلك نزل إلى أرضية الميدان وهو يرى في قرارة نفسه أن الهزيمة قدر محتوم.

اللحظة التي تردد فيها المدافع ووقف حائراً في لقطة هدف إمبابي مثلاً، هي نفسها التي سلّم فيها الفلاح المصري مفاتيح البلد للمستعمر الإنجليزي دون أدنى مقاومة، ليس لنقص فيه بل لأن قميص الخصم يحمل هيبة تاريخيّة متراكبة في العقل الباطن.

ختاماً لا يفوتني الإشادة بما قدمه أسود الأطلس؛ فالإنسان بطبعه فصيح الشكوى، أعجمي الشكر، فما قدموه لا يُستهان به، لكنها محض قراءة تُحاول فك اللغز المحيّر الذي انتاب اللاعبين على أرضية الميدان.

لن نتمكن من التفوق المستدام على “الغالب” ما دمنا نراه كبيراً في أعيننا. في اللحظة التي يُحاول فيها العبد كسر الأغلال التي وضعها سيده المستبد، تأتي الحلول والانتصارات تباعاً كأحجار الدومينو، كما يقول فرانتز فانون:

التحرر الحقيقي ليس خروج المحتل من أرضك، بل خروج ثقافته وإرثه من عقلك وباطنك.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
أصداء دمشق تنبض في قلب لندن.. 🇸🇾 في أمسية استثنائية نظمها "ديوان الشذر الثقافي"، التقى الحنين بالشعر والموسيقى مع الشاعر السوري هاني نديم وعزف الفنان ثائر الجوهري، ليرسموا معًا لوحة وطن لا يغيب. #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية الشعرية ⤵️…
𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
هل يفعلها الأسود الثلاثة ويتجاوزون ميسي ورفاقه؟ تتجه أنظار عشاق كرة القدم الليلة صوب القمة النارية المرتقبة التي تجمع المنتخب الإنجليزي بنظيره الأرجنتيني في المربع الذهبي لـ #كأس_العالم 2026. مواجهة تاريخية مرتقبة تنطلق في تمام الساعة الـ8 مساءً بتوقيت لندن،…
𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
أقرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بأن حزب العمال كان ينبغي أن يكون أسرع في المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة، وأكثر وضوحًا منذ البداية بشأن ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني. وجاءت تصريحات كوبر خلال جلسة للجنة الشؤون الخارجية في…
𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
حققت الممثلة والإعلامية البريطانية نادية صوالحة، إحدى أشهر مقدمات برنامج Loose Women على قناة ITV، انتصارًا قانونيًا بعد حصولها وزوجها المنتج التلفزيوني مارك أديرلي على اعتذار رسمي وتراجع من صحيفتي ديلي ميل ومترو، إثر اتهامهما زورًا بالاحتفال بهجوم السابع من…
عرض المزيد على X ←