كيف تغدو واسع الاطلاع؟
لعالم الاجتماع والكاتب الأمريكي سان رينكو، مقال حمَل العنوان ذاته، يشرح فيه طريقة منهجية فعّالة تنقل الإنسان البسيط من الهامش إلى درجة الاتقان والإمامة في مجال معين. إذ يقول : إنّ نيل قسط وافر من المعرفة في حقل دراسي ما، يتطلب وقتاً وجُهداً دؤوباً، ومع ذلك فإنه أمر في متناول اليد لأي متعلم ذاتي.
وأحسب أنّ مما قدح شرارة الكاتب حتى يبث في مدونته هذه المقالة حديثٌ سمعه ذات يوم من المذياع، نصه: (يُبالغ معظم الناس في تقدير ما يمكنهم إنجازه في عامٍ واحد، بيد أنهم يبخسون حق ما يمكنهم تحقيقه في غضون ثلاثِ سنوات).
يقول: (علقت في ذهني هذه العبارة منذ ذلك الحين، واليوم أصبو إلى تطبيق تلك الفكرة على هدفٍ ينشُده كثيرٌ منّا؛ وهو أن يصبح المرء قارئاً واسع الاطلاع).
ويكمل: (يستطيع معظم الناس بلوغ هذا الهدف في ثلاث سنوات، ولإثبات ذلك، لِنُجر عملية حسابية يسيرة: إذا كان متوسط طول الكتاب (٣٠٠) صفحة، وكنت تقرأ قرابة ثلاثين صفحة يومياً، فستتمكن من إنهاء كتاب واحد كل عشرة أيام، أما إذا داومت على هذا النهج لثلاث سنوات، فسيصبح في رصيدك أكثر من (١٠٠) كتاب، وهو إنجاز مُبهر حقاً).
وسواءً كانت تلك المئة في حقل واحد، مثل الأدب الإنجليزي أو علم النفس، أو كانت موزعة بين مجالين أو ثلاثة، فإنك بلا شك ستُعد “واسع الاطلاع” وفق تعريفنا: الشخص الذي يقرأ بتمعنّ وتوسع في مجال واحد أو مجالات معرفية متعددة.
قلت: لعلّ الكلمة التي ألقاها في وسط حديثه هي حجر الزاوية الذي قام على أساسه المقال: “بتمعنّ” ، إذ لا فائدة من مخاطبة عقلٍ لاهٍ وقلبٍ ساهٍ. وبتمعنّ تعني أن يُسائل القارئ النص ويسبر أغواره، أن يخرج بأكبر قدر ممكن من الفائدة، وألّا يُسلّم له من أول وهلة.
ومن الملاحظ أيضاً أن الكاتب يُراهن على الانضباط والالتزام الصارم، فالاستمرارية هي الجسر المعلّق بين الإنسان العادي والإنسان الإمام المرجع في مجاله. كما ذكر الدكتور عبد الكريم البكار: (الأهم من تعلم مهارات كثيرة، هو إتقان مجال واحد والتخصص فيه، ففي زمن الذكاء الاصطناعي لم يعد التفوق لمن يعرف شيئاً عن كل شيء، وإنما لمن يمتلك معرفة عميقة وخبرة حقيقية في مجال واحد).
ويُنهي الفقرة بقوله: (إن المستقبل سيكون أكثر إحتفاءً بالمتخصصين، وأكثر قسوة على السطحية والتشتت).
وبالعودة إلى سان مارينكو، فقد ذكر أمور وقواعد تجعل من يسير عليها ويلتزم بها قدوة في مجاله يهتدي الناس به على غِرار: البدء بأمهات الكتب، تخصيص وقت ثابت للقراءة، والاكتفاء بمجال واحد أو ثلاثة كحد أقصى، وتدوين الفوائد..إلخ.
بيد أنه مما راقني من كل ما ذكر نقطة غاية في الأهمية، حيث يقول -بتصرف-: (التسليم بالعجز)!.
تخيل أن يسدي أحدهم نصيحة إليك: يا صديقي، لن تعرف كل شيء. الإيمان والتسامح مع نقطة أنك لن تفهم كل شيء في هذه الحياة هي أولى درجات الترقي في سلم المعرفة.
أزعم أنّ أحد الأسباب التي جعلتنا في ذيل الأمم، وقد تجد الكثير منّا غير منتج، هي تشبثنا بـ (المعادلة الصفرية): أن أعرف كل شيء أو لن أعرف أي شيء . فتجد أحدهم يؤكد بمعلوماته-التي يظنّها دقيقة-أن اسرائيل هي من تحكم أمريكا وليس العكس، ثم هو في ذات المجلس يفنّد العلاقة الفيزيائية بين الجسيمات الذرية، ثم تجده يسيل الشتائم على ليفربول بسبب استغنائهم عن محمد صلاح، ثم هو ذاته يرمي شيخ متخصص بالجهل ويقول: (أنا أرى أن الأصح للحاج رمي الجمرات ماشياً وليس راكباً) …الخ، هذا تخبط وعشوائية وليس علماً وتمكناً. أو على العكس، تجده فاتر الهمة، لا علم عنده ولا وزن له؛ إن حضر لم يُعرف، وإن غاب لم يُفتقد.
قلت: بدلاً من التشتت والتخبط والبكاء على اللبن المسكوب، ينبغى على كل واحد منّا التركيز والغوص في مجال واحد دون غيره حتى يُخرج جميع مكنوناته، يُفيد فيه نفسه وأمته. ولنا في الرعيل الأول الأسوة الحسنة؛ فدولة الإسلام التي بناها عليه الصلاة والسلام قامت على التنوع الفريد من نوعه؛ فأبوبكر الصديق كان عالماً بأنساب العرب، خبيراً بأمورهم، وعثمان بن عفان امتلك قوة المال وكفى المؤمنين ذُل المسألة، وعبدالله بن عباس حاز شرف ترجمان القرآن، وأبو موسى الأشعري كُلّفَ بالدعوة، وما هُزم خالد بن الوليد في معركةٍ قط ..وهكذا دواليك.
الرابط المختصر هنا ⬇