واشنطن متهمة بالتدخل في السياسة البريطانية عبر منح ب500 الف دولار
تواجه السفارة الأميركية في لندن اتهامات بالتدخل في السياسة الداخلية البريطانية بعد إطلاق برنامج منح تصل قيمته إلى 500 ألف دولار لتمويل مشاريع في مجال «التثقيف العام» والمشاركة المدنية، تتناول ما تصفه واشنطن بالقيم المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
وتتضمن أهداف البرنامج «ضمان دعم إسرائيل لما تصفه الوثائق الأميركية بحقها في الدفاع عن نفسها»، إلى جانب مواجهة المنافسة مع الصين.
وتأتي هذه البرامج في وقت تشهد فيه العلاقات السياسية بين واشنطن ولندن توترًا متزايدًا، على خلفية انتقادات وجهها مسؤولون بارزون في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلطات البريطانية، إضافة إلى مواقف أميركية أثارت جدلًا بشأن قضايا الإجهاض وتنظيم الإنترنت والهجرة وخطاب الكراهية.
برنامج منح أميركي لتعزيز «القيم المشتركة»

يحمل البرنامج الأساسي اسم «الحرية في ظل القانون: التقليد الأنغلو-أميركي المشترك»، ويدعو الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية وغيرها إلى تقديم مقترحات لمشاريع «مبتكرة وبارزة» في مجال التثقيف العام والمشاركة المدنية.
وتصل قيمة المنحة إلى 500 ألف دولار، فيما يتركز أحد أهداف البرنامج على تعزيز فهم الجمهور البريطاني لما تصفه السفارة بالتقاليد المشتركة في القانون العام بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
كما يسعى البرنامج إلى إحياء الذكرى السبعين العام المقبل لكشف رابطة المحامين الأميركيين عن النصب التذكاري لـ«الماغنا كارتا» في رونيميد.
وتحدد وثائق البرنامج مجموعة من المبادئ التي تحظى بالأولوية، من بينها حرية التعبير، والإجراءات القانونية الواجبة، والمحاكمة أمام هيئة محلفين، والحكومة المحدودة، وسيادة القانون، وحقوق الملكية، والضرائب بموافقة المواطنين، والحرية المنظمة.
وتشترط المنحة أن تحقق المشاريع المقترحة واحدًا أو أكثر من الأهداف المحددة، بينها إحداث تأثير قابل للقياس في الخطاب العام والتغطية الإعلامية والمشاركة المدنية المرتبطة بسيادة القانون والمعايير الديمقراطية.
منح أخرى لتعزيز السياسة الأميركية ودعم إسرائيل
ولا تقتصر برامج التمويل التي تعرضها السفارة الأميركية على التثقيف حول القيم القانونية والديمقراطية.
ففي إطار برنامج سنوي تابع لقسم الدبلوماسية العامة في السفارة، دُعيت الجهات الراغبة في الحصول على التمويل إلى تقديم مشاريع تعليمية وتوعوية تهدف، من بين أمور أخرى، إلى تعزيز الازدهار الأميركي والمرونة الاقتصادية البريطانية، وضمان دعم بريطانيا لسياسات الولايات المتحدة.
وأثارت هذه الصياغة استغراب مسؤولين سابقين في وزارة الخارجية الأميركية، إذ قال أحدهم إن اللغة المستخدمة تختلف عن الصياغات التقليدية التي كانت تركز على «زيادة فهم السياسة الأميركية».
وأضاف المسؤول السابق أن الصياغة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة إقناع الجمهور بالموافقة على السياسة الأميركية، معتبرًا أن السعي إلى زيادة الدعم لإسرائيل في دولة أخرى أمر غير معتاد.
اتهامات بالتدخل في الديمقراطية البريطانية

وأثارت برامج المنح مخاوف لدى مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، إلى جانب انتقادات من سياسيين بريطانيين.
وقالت ليزا سمارت، النائبة عن الحزب الديمقراطي الليبرالي والمتحدثة باسم الحزب لشؤون مكتب مجلس الوزراء، إن بريطانيا لديها تقليد راسخ في الحرية وحرية التعبير، مضيفة أن البلاد «لا تحتاج إلى أموال ماغا الخاصة بترامب للتدخل في ديمقراطيتها».
واستندت سمارت في انتقادها إلى مبدأ سيادة القانون المرتبط بالماغنا كارتا، معتبرة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أظهر مرارًا ازدراءً لهذا المبدأ.
وتنص وثائق البرنامج الأميركي على أن التمويل لا يهدف إلى دعم الأنشطة السياسية الحزبية أو ممارسة الضغط السياسي.
مخاوف داخل وزارة الخارجية الأميركية
أعرب مسؤولون سابقون في وزارة الخارجية الأميركية عن قلقهم من اللغة المستخدمة في برامج التمويل الجديدة.
وقال أحدهم إن دعم جهود الدبلوماسية العامة لتعزيز العلاقات الخاصة بين واشنطن ولندن ليس أمرًا غير معتاد، لكن تخصيص أموال لموضوعات مرتبطة بـ«رؤية ضيقة لأميركا أولًا» يمثل، بحسب وصفه، أمرًا «غير معتاد للغاية».
واتهم المسؤول الحكومة الأميركية بمحاولة إنشاء «روايات بريطانية المنشأ» يمكن استخدامها لدعم دعاية حركة «ماغا» (MAGA)، وهي التيار السياسي المؤيد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي تشكّل حول شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» وسياسات «أمريكا أولًا».
وتأتي هذه المخاوف في وقت اتخذت فيه إدارة ترامب مواقف حادة تجاه عدد من السياسات البريطانية، كما دخل مسؤولون أميركيون في مواجهات سياسية بشأن قضايا تتعلق بالإجهاض وتنظيم المحتوى الرقمي.
كما تحالفت شخصيات من الإدارة الأميركية مع حركات يمينية متطرفة في أوروبا في انتقادات لسياسات مكافحة خطاب الكراهية والهجرة.
السفارة الأميركية ترد

دافعت السفارة الأميركية في لندن عن برنامجها، وقال متحدث باسمها إن المبادرة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا، وتعميق فهم الجمهور للمبادئ الدستورية وسيادة القانون والمعايير الديمقراطية التي تقوم عليها الدولتان.
وردًا على اتهامات التدخل في الديمقراطية البريطانية، قالت السفارة إنها تدرك هذه المخاوف، لكنها أشارت إلى أنها أوقفت ما وصفته بإنفاق الدبلوماسية العامة في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على مشاريع أيديولوجية مثيرة للانقسام، مثل «العدالة المناخية»، ونشاطات مجتمع الميم، ومبادرات التوظيف القائمة على العِرق.
وأضاف المتحدث أن هذه البرامج، بحسب ما تتذكره السفارة، لم تثر شكاوى مماثلة من المسؤولين.
منح أميركية أخرى لمنظمات بريطانية
وتبدو هذه المنح منفصلة عن برنامج آخر بقيمة 12 مليون دولار تخطط وزارة الخارجية الأميركية لتقديمه إلى منظمات في بريطانيا أسسها شخصيتان بارزتان من حزب المحافظين، هما جاكوب ريس-موغ وتوبي يونغ.
وكشفت وثائق حكومية أميركية مسربة حصلت عليها صحيفة «الغارديان» أن هذه المنح جزء من حزمة دعم لمجموعات أوروبية تنظر إليها إدارة ترامب بإيجابية.
وفي الوقت نفسه، تخوض رابطة المحامين الأميركيين، التي لا تشارك في برنامج المنح الحالي، نزاعًا قضائيًا مع إدارة ترامب بشأن ما تصفه بممارسات ترهيب تستهدف المحامين وشركات المحاماة.
وأبدت جهات قانونية أوروبية، بينها جمعية القانون ونقابة المحامين في بريطانيا، دعمها لمحامين أميركيين، معتبرة أن هجمات الرئيس الأميركي على شركات المحاماة تحمل أوجه تشابه مع أحداث شهدتها ألمانيا النازية.
وتشير برامج المنح الجديدة، وفق الوثائق التي استند إليها التقرير، إلى توسع في استخدام الدبلوماسية العامة الأميركية لتمويل مبادرات داخل بريطانيا تتناول قضايا سياسية وقانونية واستراتيجية مرتبطة بأولويات واشنطن.
لكن السفارة الأميركية تؤكد أن هدفها يتمثل في تعزيز العلاقات بين البلدين وتعميق الفهم المشترك للمبادئ الدستورية وسيادة القانون والمعايير الديمقراطية.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇