جون هيلي يقود الخزانة البريطانية في مرحلة حاسمة.. وهذه أبرز التحديات
يبدأ جون هيلي مرحلة جديدة في مسيرته السياسية بعد اختياره وزيرًا للخزانة في حكومة رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام، في قرار يُعد من أبرز التعيينات التي شهدها اليوم الأول للحكومة الجديدة.
ويأتي هذا الاختيار في وقت تواجه فيه بريطانيا عقبات اقتصادية ومالية معقدة، إذ سيكون على هيلي إيجاد التمويل اللازم لتنفيذ وعود الحكومة، مع الالتزام بعدم رفع الضرائب الرئيسة والحفاظ على قواعد الاقتراض المعتمدة.
ومع أن كثيرين يرون في هيلي شخصية توافقية قادرة على توحيد حزب العمال وطمأنة الأسواق، فإن مقربين منه يؤكدون أنه صاحب قناعات سياسية واضحة، وقد يكون أكثر استقلالية في إدارة الملف الاقتصادي مما توحي به صورته الهادئة.
اختيار يستند إلى الثقة والانسجام السياسي

عُرف جون هيلي خلال توليه وزارة الدفاع بانضباطه الشديد وحرصه على استثمار كل دقيقة في العمل، حتى خلال رحلاته الخارجية، إذ كان يطلب من طاقم الطائرة العسكرية تثبيت مكتب داخل المقصورة ليتمكن من متابعة الملفات وقراءة الوثائق أثناء الرحلة.
ويرى مقربون منه أن هذا النهج العملي كان أحد الأسباب التي دفعت آندي بيرنهام إلى اختياره لقيادة وزارة الخزانة، إلى جانب توافقهما في عدد من الملفات، أبرزها إعادة التصنيع وتعزيز اللامركزية.
وجاء تعيينه أيضًا بعد منافسة داخلية شهدت تبادلًا حادًا للانتقادات بين داعمي مرشحين آخرين، فيما ينظر كثيرون إلى هيلي باعتباره شخصية قادرة على رأب الصدع داخل حزب العمال، دون إثارة مخاوف الأسواق المالية.
شخصية توافقية… لكنها ليست بلا مواقف

ورغم الصورة التي يقدمها هيلي باعتباره سياسيًا هادئًا وبراغماتيًا، فإن شخصيات عملت معه ترى أنه يتمسك بقناعاته السياسية أكثر مما يبدو.
وقال أحد مسؤولي حزب العمال: إن تعيينه يُقارن بقرار رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون تعيين أليستر دارلينغ وزيرًا للخزانة، عندما اعتقد كثيرون أنه سيكون مجرد منفذ لتوجهات مقر رئاسة الوزراء.
وأضاف: “لكن اتضح لاحقًا أن دارلينغ كانت لديه رؤيته الخاصة، ولم تكن مواقفه دائمًا منسجمة مع براون، وعلى آندي أن يتجنب تكرار الخطأ نفسه“.
عقبات مالية تنتظر وزير الخزانة الجديد

يُنظر إلى تعيين هيلي باعتباره أحد أهم القرارات التي اتخذها آندي بيرنهام في مستهل ولايته، إذ سيتولى مسؤولية توفير التمويل اللازم لتنفيذ مجموعة من التعهدات الحكومية، تشمل زيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة شركات المرافق إلى الملكية العامة، وإيجاد آليات للحد من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي المقابل، تعهد رئيس الوزراء بعدم رفع ضريبة الدخل أو ضريبة القيمة المضافة أو اشتراكات التأمين الوطني، إلى جانب الالتزام بقواعد الاقتراض التي اعتمدتها الحكومة السابقة، وهو ما يضع وزير الخزانة الجديد أمام القيود المالية نفسها التي واجهتها سلفه رايتشل ريفز.
رصيد سياسي يمتد عبر مختلف أجنحة الحزب

يحظى هيلي بمكانة خاصة داخل حزب العمال ، إذ استطاع على مدار سنوات طويلة الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف التيارات.
فمنذ دخوله البرلمان عام 1997، تجنب الاصطفاف إلى جانب أي جناح حزبي. ورغم عمله في وزارة الخزانة 5 سنوات خلال تولي غوردون براون هذا المنصب، ظل يحظى باحترام الجناح المؤيد لتوني بلير.
وخلال السنوات الأخيرة، كان له دور في تضييق الفجوة بين المقربين من رئيس الوزراء السابق كير ستارمر وأعضاء الجناح اليساري المعتدل الذين كانوا يطالبون بتنحيه.
ولا تقتصر هذه المكانة على مواقفه السياسية، بل ترتبط أيضًا بأسلوبه في العمل، إذ يحرص على إشراك الموظفين الصغار في السن في مناقشة السياسات والملفات السياسية، كما يتميز، مثل آندي بيرنهام، بقدرته على تذكر أسماء الأشخاص وتفاصيل حياتهم.
حضور محلي عزز مكانته السياسية

كان أسقف مانشستر ديفيد ووكر من بين أعضاء حزب العمال الذين صوتوا لهيلي ليكون مرشح الحزب عن دائرة وينتورث عام 1997، متقدمًا على شخصيات صاعدة آنذاك، من بينها إيفيت كوبر، التي تشغل حاليًا منصب وزيرة الصحة.
وقال ووكر: إن أكثر ما لفت انتباه أعضاء الحزب آنذاك هو حرص هيلي على الإقامة داخل الدائرة الانتخابية وبناء علاقة وثيقة مع المجتمع المحلي.
وأضاف: “كان يحرص دائمًا على حضور الفعاليات المجتمعية وأن يكون بين السكان، حتى عندما كانت مسؤولياته على المستوى الوطني تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين“.
بدوره وصف زميله السابق في وزارة الدفاع لوك بولارد هيلي بأنه “أفضل وأكثر الأشخاص نزاهة ممن عملت معهم منذ انتخابي“.
خلاف مع وزارة الخزانة بشأن الإنفاق الدفاعي

أولى هيلي، خلال توليه وزارة الدفاع، اهتمامًا كبيرًا بإصلاح المساكن العسكرية المتدهورة، وهو ما عزز صورته باعتباره من أبرز الداعمين للقوات المسلحة.
إلا أن هذه العلاقة الوثيقة بالمؤسسة العسكرية أثارت تحفظات لدى بعض المسؤولين في الحكومة.
فعندما طلب من وزارة الخزانة تخصيص 28 مليار باوند إضافية لتمويل خطة الاستثمار الدفاعي، بعد أشهر قليلة من الاتفاق على ميزانية متعددة السنوات، أثار ذلك غضب رايتشل ريفز.
وقال مقربون منها: إن هيلي تعرض لتضليل من جانب قادة القوات المسلحة بعدما اعتقد أن مراجعة الدفاع الاستراتيجية التي أُنجزت العام الماضي كانت ممولة بالكامل، قبل أن يطلب لاحقًا مخصصات إضافية عند الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
في المقابل، أكد مقربون من هيلي أن الحاجة إلى التمويل الإضافي جاءت نتيجة الالتزامات الجيوسياسية الجديدة التي أعلنها كير ستارمر بعد الانتهاء من مراجعة الدفاع، ويشمل ذلك أدوارًا لحفظ السلام في أوكرانيا ومنطقة الخليج.
هل يميل إلى التشدد المالي؟

قال مسؤول حكومي سابق: إن هذا الخلاف يعكس أن هيلي، خلافًا لما يروجه بعض الناس، لا ينتمي إلى تيار التشدد المالي، بل يفضل زيادة الإنفاق عندما يرى أن متطلبات السياسة تفرض ذلك.
وأضاف: “هو بالتأكيد ليس من المتشددين ماليًا، ولا يمثل النهج الصارم في ضبط الإنفاق كما يصوره بعض الناس، بل يميل إلى الإنفاق الكبير“.
وفي نهاية المطاف، استقال هيلي احتجاجًا قبل أيام قليلة من إطلاق خطة الاستثمار الدفاعي، وهي خطوة يرى بعض المقربين من كير ستارمر أنها جاءت ضمن تفاهم مع آندي بيرنهام لتوليه لاحقًا وزارة الخزانة.
اختبار صعب في بداية المهمة

أشار ويس ستريتينغ، الذي خلف هيلي في وزارة الدفاع، إلى أن توفير تمويل إضافي قد يتطلب إجراء تخفيضات في موازنات وزارات أخرى.
وقال خلال مؤتمر صحفي في أول أيامه بالمنصب: “ندرك أن ذلك يتطلب تضحيات من بقية الوزارات الحكومية“.
وسيكون على هيلي، بصفته وزيرًا للخزانة، الفصل بين المطالب المتزايدة للوزارات المختلفة، وهو ما قد يجعله، للمرة الأولى، في مواجهة انتقادات من قطاعات داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال.
ويبقى التساؤل المطروح: عندما يواجه وزيرًا يحتاج إلى تمويل إضافي بصورة عاجلة، كما حدث معه عندما كان وزيرًا للدفاع، هل سيتجه إلى توسيع الإنفاق، أم سيلتزم بالانضباط المالي الذي اتبعته سلفه رايتشل ريفز؟
المصدر: الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇