تحليل: تمرد في وزارة الدفاع البريطانية.. أم استغلال للحظة ضعف ستارمر؟
لم تكن أخطر عبارة في رسالة استقالة جون هيلي تلك التي اتهم فيها وزارة الخزانة بأنها “غير راغبة” في توفير الأموال التي يحتاجها الجيش البريطاني.
بل العبارة التي سبقتها، والموجهة إلى رئيس الوزراء:
“لقد كنت غير قادر على اتخاذ القرارات الضرورية”
بهذه الكلمات، لم يكتف وزير الدفاع البريطاني المستقيل بتسجيل خلاف مع رئيس الوزراء كير ستارمر حول أرقام الموازنة أو أولويات الإنفاق، بل وجه إليه اتهامًا أكثر خطورة: أنك تدرك حجم التهديد، لكنك غير قادر على اتخاذ ما يلزم لمواجهته.
وفي السياسة البريطانية، ربما لا توجد كلمة أكثر تدميرًا لرئيس وزراء من هذه. فهي لا تطعن في حكمه السياسي فحسب، بل في أهليته للقيادة نفسها.
ولهذا لا تبدو استقالة هيلي مجرد استقالة وزير دفاع بسبب خلاف على التمويل، بل لحظة مكاشفة نادرة داخل قلب الحكومة البريطانية. لحظة تحوّل فيها الجدل حول نسب الإنفاق إلى سؤال أكثر إرباكًا: هل ما تزال الحكومة قادرة على اتخاذ القرارات التي يتطلبها عالم أكثر خطورة؟
ليست أزمة دفاع فقط
من السهل قراءة ما جرى باعتباره فصلًا جديدًا في مسلسل ضعف كير ستارمر السياسي.
فالاستقالة جاءت بعد خسائر انتخابية محلية مؤلمة، وتصاعد الحديث عن منافسين محتملين داخل حزب العمال، وسلسلة من الاستقالات التي بدأت تطرح تساؤلات جدية حول قدرة رئيس الوزراء على الحفاظ على تماسك حكومته.
لكن اختزال ما حدث في كونه أزمة قيادة فقط قد يفوت القصة الأكبر.
فما كشفته رسالة هيلي هو أن بريطانيا لم تعد تناقش ما إذا كانت التهديدات الأمنية حقيقية أم لا، بل أصبحت تناقش شيئًا أكثر صعوبة: كيف يمكن الاستعداد لها؟
تكشف الرسالة أن هيلي وستارمر لم يكونا مختلفين على تشخيص العالم.
كلاهما يرى التهديدات نفسها: أوكرانيا، والتوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، والضغوط المتزايدة على قوات الجيش البريطاني، والمخاوف من تصاعد التهديد الروسي تجاه حلف الناتو خلال السنوات المقبلة.
لكن الاتفاق على تشخيص الخطر لا يعني الاتفاق على كيفية التعامل معه.
وهنا بدأ الخلاف الحقيقي.
إذا كنا نعرف حجم الخطر.. فمن سيدفع الثمن؟
كان ستارمر قد تعهد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
أما هيلي، فكان يرى أن الوصول إلى 3% بحلول عام 2030 ليس طموحًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية لا تحتمل التأجيل.
وبين التاريخين تكمن المعضلة كلها، فالخزانة لا تريد مزيدًا من الاقتراض، والضرائب بلغت مستويات مرتفعة بالفعل، والخدمات العامة تعاني ضغوطًا متزايدة، فيما لا يبدو الناخب البريطاني مستعدًا بسهولة للتخلي عن جزء من مكتسبات دولة الرفاه من أجل الاستعداد لتهديدات قد تبدو، بالنسبة لكثيرين، بعيدة أو مؤجلة.
وهكذا لم يعد السؤال: هل ينبغي زيادة الإنفاق الدفاعي؟
بل: من أين ستأتي الأموال؟
ولسنوات طويلة، استطاعت بريطانيا، مثل كثير من الدول الأوروبية، تجنب هذا السؤال.
ففي ظل عالم بدا أكثر استقرارًا، ومظلة أطلسية واسعة، أمكن الجمع بين مستويات مرتفعة نسبيًا من الحماية الاجتماعية، وإنفاق دفاعي أقل إلحاحًا سياسيًا.
لكن هذا التوازن يبدو اليوم أقل استقرارًا من أي وقت مضى.
أكثر من شيء يمكن أن يكون صحيحًا
قد يكون جون هيلي مدفوعًا بقناعة مبدئية حقيقية بأن بريطانيا لا تستعد بالقدر الكافي لعالم أكثر خطورة.
وقد يكون مقتنعًا أيضًا بأن كير ستارمر فقد القدرة على فرض أولوياته على وزارة الخزانة.
وربما أدرك، مثل كثيرين داخل حزب العمال، أن رئيس الوزراء يمر بمرحلة ضعف سياسي غير مسبوقة بعد سلسلة من الانتكاسات والاستقالات، وأن تسجيل موقف مبدئي ضد زعيم تتداعى سلطته يحمل كلفة أقل بكثير مما كان سيحمله قبل عام.
فما أسهل أن تسجل نقاطًا على شخص تتداعى قيادته.
لكن هذه التفسيرات لا تلغي بعضها بعضًا. بل قد تكون جميعها صحيحة في الوقت نفسه. وهو ما يجعل الاستقالة أكثر أهمية لا أقل.
فهي لم تكن خلافًا تقنيًا حول بضعة مليارات إضافية هنا أو هناك، بل تصويتًا سياسيًا قاسيًا على قدرة رئيس الوزراء على القيادة في لحظة تتطلب قرارات مؤلمة.
أزمة عصر بقدر ما هي أزمة رجل
وربما لهذا لا تبدو استقالة جون هيلي مجرد حلقة جديدة في أزمة كير ستارمر، ولا مجرد مواجهة تقليدية بين وزير إنفاق ووزارة خزانة متحفظة.
إنها لحظة اصطدمت فيها حقائق عالم أكثر خطورة بقيود اقتصاد أقل سخاء وسياسة أقل قدرة على اتخاذ الخيارات الصعبة.
ولسنوات طويلة، نجحت بريطانيا وأوروبا في تأجيل هذا السؤال.
أما اليوم، فقد أصبح مطروحًا داخل الحكومة نفسها: إذا كان الجميع متفقين على حجم التهديد، فمن يملك الشجاعة السياسية ليدفع ثمن التعامل معه؟
وربما كان أخطر ما في استقالة جون هيلي أنها لم تقل إن الحكومة لا تعرف ما الذي ينبغي فعله.
بل قالت إنها تعرفه جيدًا.
لكنها لم تعد قادرة على فعله.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇