بعد سنوات من الركود.. هل ساهم الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجية بريطانيا؟
بعد سنوات طويلة أصبح فيها ضعف الإنتاجية واحدة من أكثر مشكلات الاقتصاد البريطاني استعصاءً، بدأت تظهر إشارات أولية إلى أن الوضع قد يتحسن، لكن السؤال الأصعب لا يزال قائمًا: هل بدأت بريطانيا فعلًا تصبح أكثر إنتاجية، أم أن الشركات ببساطة تنتج أكثر بعدد أقل من العاملين؟
وتشير تقديرات نقلتها Financial Times عن بنك Morgan Stanley إلى أن إنتاج العامل في القطاع الخاص ارتفع بنحو 1.8 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، مقابل نحو 1.2 في المئة في الفترة السابقة.
وفي الوقت نفسه، تظهر البيانات الرسمية تحسنًا في بعض مؤشرات الإنتاجية؛ إذ ارتفع الإنتاج لكل ساعة عمل بنحو 0.7 في المئة، والإنتاج لكل عامل بنحو 1.4 في المئة، بالتزامن مع سوق عمل أكثر ضعفًا وتراجع في الوظائف الشاغرة.
والأرقام ليست قوية بما يكفي بعد لإعلان نهاية أزمة الإنتاجية البريطانية، لكنها مهمة لأن المشكلة ظلت لسنوات في قلب ضعف النمو والأجور وقدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة.
لماذا تُعد الإنتاجية مشكلة كبيرة أصلًا؟

تقيس الإنتاجية ببساطة مقدار ما ينتجه العامل أو ما ينتجه الاقتصاد خلال ساعة عمل واحدة.
وكلما تمكن العامل من إنتاج قيمة أكبر في الوقت نفسه، تستطيع الشركات نظريًا دفع أجور أعلى وتحقيق أرباح أكبر، في حين تستطيع الحكومة تحصيل ضرائب أكثر من دون الحاجة إلى رفع معدلات الضرائب بالقدر نفسه.
ولهذا فإن نمو الإنتاجية على المدى الطويل يُعد أحد أهم مصادر تحسين مستوى المعيشة.
لكن بريطانيا عانت منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 من تباطؤ طويل في نمو الإنتاجية، وهي ظاهرة أصبحت تُعرف في النقاش الاقتصادي البريطاني باسم “لغز الإنتاجية” (productivity puzzle).
فبينما كان إنتاج العامل يرتفع بوتيرة أسرع خلال العقود السابقة، أصبح التحسن بعد الأزمة المالية أبطأ بكثير، ما انعكس على الأجور والنمو والمالية العامة.
هل الذكاء الاصطناعي وراء التحسن؟
أحد التفسيرات الأكثر إثارة للاهتمام يتعلق بانتشار الذكاء الاصطناعي داخل الشركات.
وتشير قراءة Morgan Stanley للبيانات إلى أن بعض القطاعات الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، مثل تكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية والعلمية وبعض خدمات الأعمال، تمكنت من زيادة إنتاجها من دون زيادة مماثلة في أعداد العاملين.
وهذه هي الصورة التي يتوقعها المتفائلون بالذكاء الاصطناعي: العامل نفسه يستطيع إنجاز عدد أكبر من المهمات، أو إنجازها بسرعة أكبر، باستخدام أدوات توليد النصوص وتحليل البيانات والبرمجة والأتمتة.
وتدعم بعض الدراسات الدولية هذا الاحتمال. فقد وجد Morgan Stanley في مسح عالمي للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي منذ عام على الأقل أن متوسط مكاسب الإنتاجية التي أبلغت عنها الشركات بلغ نحو 11.5 في المئة، وإن ترافق ذلك أيضًا مع انخفاض صافي الوظائف في بعض القطاعات.
كما ترى الحكومة البريطانية أن القطاعات الرقمية والمهنية من بين الأكثر قدرة على تحقيق مكاسب إنتاجية من الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي، بسبب ارتفاع نسبة المهمات المعرفية والتحليلية التي يمكن للتكنولوجيا دعمها أو أتمتتها.
لكن هناك تفسيرًا أقل تفاؤلًا
المشكلة أن تحسن الإنتاجية لم يظهر فقط في أكثر القطاعات استخدامًا للذكاء الاصطناعي.
فبعض أكبر التحسينات ظهرت أيضًا في قطاعات مثل التجزئة والضيافة والإقامة، وهي قطاعات أقل تعرضًا نسبيًا لأدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وهنا يظهر تفسير آخر: ربما أصبحت الشركات أكثر إنتاجية لأن ارتفاع تكاليف العمالة والطاقة دفعها إلى تقليل التوظيف وتشغيل عدد أقل من الأشخاص بصورة أكثر كثافة.
وتدعم بيانات سوق العمل هذا الاحتمال جزئيًا.
فقد خسر أصحاب العمل نحو 13 ألف وظيفة مسجلة على كشوف الرواتب في يونيو/حزيران، مع توقع تراجع مماثل في يوليو/تموز، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.9 في المئة، وانخفض عدد الوظائف الشاغرة إلى 707 آلاف وظيفة، وهو من أدنى المستويات المسجلة خلال السنوات الأخيرة خارج فترة الجائحة.
ومن ثَمّ فقد تكون المعادلة في بعض القطاعات بسيطة: إذا ظل حجم الإنتاج ثابتًا تقريبًا وانخفض عدد العاملين، فإن الإنتاج لكل عامل سيرتفع حتى من دون طفرة تكنولوجية حقيقية.
لماذا يصعب معرفة السبب الآن؟
المشكلة أن بيانات الإنتاجية البريطانية نفسها ظلت لسنوات عرضة للمراجعات والتقلبات.
ولهذا بدأت الجهات الإحصائية والاقتصاديون باستخدام مصادر بيانات جديدة، من بينها بيانات الضرائب PAYE، للحصول على صورة أكثر دقة لعدد العاملين وأجورهم مقارنة ببعض المسوح التقليدية.
وتقول Financial Times إن استخدام هذه البيانات الجديدة يعزز الاعتقاد بأن جزءًا من التحسن الحالي حقيقي، لكنه لا يزال حديثًا جدًا بحيث لا يمكن التأكد من استمراره.
كما يحذر اقتصاديون من أن ربعين أو ثلاثة أرباع من الأرقام الجيدة لا تكفي لتغيير التوقعات طويلة الأجل للاقتصاد.
لماذا يهم الأمر حكومة بيرنهام؟
إذا استمر تحسن الإنتاجية، فقد يمنح حكومة آندي بيرنهام شيئًا تحتاج إليه بشدة: نموًا اقتصاديًا أكبر من دون زيادة مماثلة في الإنفاق أو العمالة.
فحتى تحسن صغير ومستدام في معدل الإنتاجية يمكن، عبر سنوات، أن يرفع الناتج والأجور وإيرادات الضرائب ويخفف الضغط على المالية العامة.
وهذا مهم خصوصًا قبل موازنة أكتوبر/تشرين الأول، في وقت تحاول فيه الحكومة تمويل التزامات في الخدمات العامة وتكاليف المعيشة والاستثمار، في حين تظل مساحة الإنفاق محدودة.
لكن الاقتصاديين لا يرون في الأرقام الحالية سببًا كافيًا بعد لرفع توقعات النمو الطويلة الأجل أو افتراض ظهور “مكاسب مالية” كبيرة للحكومة.
هل اقتربت بريطانيا من الولايات المتحدة؟
تشير تقديرات Morgan Stanley إلى أن التحسن الأخير ساعد بريطانيا على تضييق جزء من فجوة نمو الإنتاجية مع الولايات المتحدة، وهي المقارنة التي ظلت محرجة للاقتصاد البريطاني طوال السنوات الماضية.
لكن الفجوة الهيكلية لم تختفِ.
فالولايات المتحدة تستثمر أكثر في التكنولوجيا ورأس المال، وتملك شركات أكبر وأكثر قدرة على التوسع، في حين تواجه بريطانيا مشكلات قديمة في الاستثمار والبنية التحتية والمهارات والإدارة وانتشار التكنولوجيا بين الشركات الصغيرة.
ويرى صندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح بريطانيا دفعة كبيرة تحديدًا بسبب وزن القطاعات المهنية والخدمية الكثيفة المعرفة في اقتصادها، لكنه يحذر من أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب استثمارات في البنية التحتية والمهارات والتمويل وبيئة تنظيمية تساعد الشركات على تبني التكنولوجيا.
إذن.. هل انكشف “لغز الإنتاجية”؟

الإجابة حتى الآن: من المبكر جدًا القول نعم، لكن للمرة الأولى منذ فترة توجد إشارات تستحق الانتباه.
فارتفاع الإنتاج لكل عامل في القطاع الخاص، وتحسن بعض المؤشرات الرسمية، وزيادة الإنتاج في قطاعات تعتمد بكثافة على الذكاء الاصطناعي كلها تقدم أسبابًا للتفاؤل.
لكن في الجهة الأخرى، يتزامن التحسن مع ضعف واضح في سوق العمل وتراجع التوظيف، كما أن بعض أكبر مكاسب الإنتاجية ظهرت في قطاعات لا ترتبط بقوة بالذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون رقم ربع سنة واحد، وإنما ما إذا استطاعت الشركات خلال الأعوام المقبلة زيادة الإنتاج من خلال التكنولوجيا والاستثمار والمهارات، لا فقط من خلال توظيف عدد أقل من الأشخاص.
إذا حدث ذلك، فقد يكون الاقتصاد البريطاني بدأ أخيرًا في حل واحدة من أقدم مشكلاته. أما إذا اختفى التحسن مع أول عودة قوية للتوظيف، فقد يتبين أن “معجزة الإنتاجية” لم تكن سوى أثر جانبي لسوق عمل أكثر برودة.
المصدر: فاينانشال تايمز، مكتب الإحصاء الوطني
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇