هل بدأت طفرة الذكاء الاصطناعي تحرك الاقتصاد البريطاني فعلًا؟
بدأت طفرة الذكاء الاصطناعي تظهر للمرة الأولى بصورة واضحة داخل أرقام الاقتصاد البريطاني، مع نمو سريع في قطاعات البرمجة والاستشارات وزيادة ملحوظة في الاستثمار في أجهزة الحاسوب والبنية التحتية الرقمية، لكن اقتصاديين وباحثين يحذرون من أن الأرقام الحالية لا تكفي بعد للقول إن الذكاء الاصطناعي أصبح محركًا رئيسًا للنمو على مستوى الاقتصاد كله.
وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني أن الاقتصاد نما 0.4 في المئة خلال الربع الثاني من 2026، في حين كان قطاع المعلومات والاتصالات من أكبر المساهمين في هذا النمو، بعدما توسع بنسبة 2.7 في المئة.
وفي داخل القطاع، قفز نشاط البرمجة الحاسوبية والاستشارات والأنشطة المرتبطة بها بنسبة 3.7 في المئة مقارنة بالربع السابق، بعد ارتفاع بلغ 3.8 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وهذه الفئة تشمل شركات تعمل في الذكاء الاصطناعي، وإن كانت أوسع من قطاع الذكاء الاصطناعي وحده.
وبحسب تحليل لوكالة رويترز، ساهم قطاع المعلومات والاتصالات وحده بما يقرب من نصف نمو الاقتصاد البريطاني خلال الربع الثاني، وهي من أوضح الإشارات حتى الآن إلى أن موجة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي بدأت تترك أثرًا قابلًا للقياس داخل بريطانيا.
الاستثمار في الحواسيب يقفز

الإشارة الثانية جاءت من الاستثمار.
فقد ارتفع تكوين رأس المال الثابت في بريطانيا بنسبة 1.2 في المئة خلال الربع الثاني، في حين زاد استثمار الشركات بنسبة 1.7 في المئة، وقال مكتب الإحصاء إن من أبرز أسباب الزيادة الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمعدات الأخرى، ولا سيما أجهزة الحاسوب.
كما ارتفع الإنفاق على المصانع والآلات في أنحاء الاقتصاد إلى نحو 22.1 مليار باوند، مقتربًا من أعلى مستوى مسجل، فيما أظهرت بيانات رأس المال لدى الشركات زيادة قوية في الاستثمار في أجهزة الحاسوب.
وقال أندرو ويشارت، كبير الاقتصاديين البريطانيين في بنك بيرنبرغ، إن الارتفاع الكبير في الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يشير إلى أن بناء القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي ساعد في تعزيز استثمارات الشركات.
ولم تقتصر المكاسب على قطاع الخدمات؛ إذ نما إنتاج الشركات البريطانية المصنعة لأجهزة الحاسوب والإلكترونيات والمنتجات البصرية بنسبة 10.7 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني، مسجلًا أفضل أداء بين قطاعات التصنيع الكبرى للمرة الأولى منذ أوائل 2017.
لماذا قد تستفيد بريطانيا أكثر من دول أخرى؟
ترتبط الآمال البريطانية بطبيعة الاقتصاد نفسه.
فبريطانيا تعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات الخدمات كثيفة المعرفة، مثل المال والقانون والاستشارات والتكنولوجيا، وهي قطاعات تعد من الأكثر قابلية لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أداء المهمات وتحسين الإنتاجية.
وتقدر دراسة حكومية منشورة في يناير/كانون الثاني أن القطاعات الخدمية كثيفة المعرفة والمعرضة بقوة للذكاء الاصطناعي تمثل نحو 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البريطاني.
وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي استندت إليها الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين 0.4 و1.2 نقطة مئوية سنويًا إلى نمو إنتاجية العمل في بريطانيا خلال العقد المقبل، وهو ثاني أكبر أثر محتمل بين دول مجموعة السبع بعد الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة؛ لأن ضعف الإنتاجية ظل أحد أكثر أمراض الاقتصاد البريطاني استعصاءً، فيما تقدر الحكومة أن إنتاجية العمل في المملكة المتحدة لا تزال أقل من الولايات المتحدة بنحو 20 في المئة.
لكن هل نستطيع تسمية ما يحدث «نموًا مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي»؟

هنا تبدأ التحفظات.
فالأرقام الرسمية لا تفصل شركات الذكاء الاصطناعي في قطاع مستقل، وإنما تضعها داخل فئات أوسع مثل البرمجة والاستشارات وتكنولوجيا المعلومات.
ومن ثَمّ، لا يمكن القول إن كامل نمو قطاع البرمجة البالغ 3.7 في المئة سببه الذكاء الاصطناعي، كما أن زيادة الإنفاق على أجهزة الحاسوب قد تشمل احتياجات رقمية لا ترتبط مباشرة بتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
والحكومة البريطانية نفسها تقر بأن الأدلة الحالية أقوى عند قياس أثر الذكاء الاصطناعي على مهمات ومهن محددة منها عند قياس أثره على الاقتصاد كله.
وتقول دراسة حكومية لسوق العمل إن الأبحاث تظهر مكاسب إنتاجية كبيرة في بعض الوظائف، لكن لا يزال غير واضح ما إذا كانت هذه المكاسب ستنتقل إلى مستوى الشركات والاقتصاد الوطني بالكامل.
تحذير من المبالغة في وعود الإنتاجية
ويذهب معهد آدا لوفلايس (Ada Lovelace Institute) إلى درجة أكبر من الحذر.
ففي مراجعة لادعاءات زيادة الإنتاجية باستخدام الذكاء الاصطناعي، قال المعهد إن كثيرًا من الدراسات تقيس توفير الوقت أو خفض التكلفة في مهمة معينة، ثم تقفز من ذلك إلى توقع مكاسب اقتصادية أوسع من دون إثبات واضح لكيفية حدوث هذا الانتقال.
كما أشار إلى أن تقديرات المكاسب لا تحتسب دائمًا تكلفة شراء الأنظمة وتشغيلها ودمجها داخل المؤسسات، أو التدريب والتنظيم والتغييرات الإدارية اللازمة للاستفادة منها. واعتبر أن الأدلة المتعلقة بالتطبيقات الواسعة النطاق لا تزال محدودة.
وهذه نقطة أساسية في تفسير الأرقام الحالية: شراء مزيد من الحواسيب يزيد الاستثمار اليوم، لكن السؤال الاقتصادي الأصعب هو ما إذا كانت هذه الأجهزة والبرمجيات ستجعل العامل البريطاني ينتج قيمة أكبر بصورة مستدامة غدًا.
طفرة حقيقية أم إشارة أولى؟
إذن، توفر أرقام الربع الثاني إشارات أقوى من السابق إلى أن ازدهار الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول من وعود واستثمارات معلنة إلى نشاط اقتصادي يظهر في بيانات البرمجة والحواسيب والاستثمار.
لكنها لا تثبت بعد أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا كبيرًا في الاقتصاد البريطاني.
فحتى مع الزيادة الأخيرة، تعاني بريطانيا أصلًا من ضعف مزمن في استثمارات الشركات مقارنة بمنافسين مثل الولايات المتحدة، كما أن تحقيق مكاسب الإنتاجية المتوقعة يتوقف على انتشار التكنولوجيا خارج عدد محدود من شركات التكنولوجيا والمال ووصولها إلى قطاعات الاقتصاد الأوسع.
لذلك، ربما يكون السؤال قد انتقل من «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الاقتصاد البريطاني؟» إلى سؤال أكثر واقعية: هل ما ظهر في أرقام 2026 بداية موجة إنتاجية طويلة، أم مجرد طفرة استثمارية مبكرة تسبق النتائج الحقيقية بسنوات؟
حتى الآن، تقدم البيانات أول دليل قوي على بداية الحركة، لكنها لا تمنح الإجابة النهائية بعد.
المصدر: رويترز
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇