ألف يوم للحرب وثلاثة أيام للطوارئ.. كيف قرأ الإعلام البريطاني تحذيرات ستريتينغ؟
في أسبوع واحد، وجد البريطانيون أنفسهم أمام رسالتين حكوميتين متتاليتين. الأولى في 22 أكتوبر 2026، حين أطلق مكتب مجلس الوزراء حملة «كن مستعدًا» (Be Ready)، التي تطلب من كل أسرة تجهيز ما يكفيها 72 ساعة دون كهرباء أو ماء أو متاجر أو دفع إلكتروني. والثانية بعد يومين، حين كتب وزير الدفاع ويس ستريتينغ في صحيفة التلغراف أن أمام بريطانيا ما يزيد قليلًا على ألف يوم لتكون جاهزة «للقتال والانتصار» إلى جانب حلفائها.
قال ستريتينغ إن استعداد البلاد للحرب بات «أولويته الحاسمة»، وإن قدرات خصوم بريطانيا العسكرية واقتصادهم الحربي قد تضعهم في موقع يسمح لهم بالهجوم بحلول عام 2030، وفق ما نقلته إذاعة LBC عن مقاله. وأضاف أن منع الأسوأ يتطلب الاستعداد له، أولًا بتوسيع القدرات لردع الخصوم، فإن فشل الردع فيجب أن تكون بريطانيا جاهزة للحرب.
تزامن الرسالتين صنع عناوين الصحف طوال الأسبوع. ويرصد هذا التقرير كيف تناولت وسائل الإعلام البريطانية التحذيرين، وكيف تبدو مدة الأيام الثلاثة مقارنة بما تطلبه دول أوروبية أخرى من مواطنيها.
ألف يوم وثلاثة أيام: ماذا تقول الرسالتان بالضبط؟

حملة «كن مستعدًا» هي المرحلة الأولى من برنامج يمتد ثلاث سنوات يقوده مكتب مجلس الوزراء (Cabinet Office). نُشرت إرشاداتها في 22 أكتوبر 2026 على موقع جديد هو beready.campaign.gov.uk، وحلّ محل موقع «استعد» (Prepare) السابق. ووقّعت أكثر من 500 منظمة، بين جمعيات خيرية وشركات، على نشر مواد الحملة، التي تستهدف في إعلاناتها المقبلة الأسر التي لديها أطفال صغار وكبار السن.
تطلب الإرشادات من كل أسرة أن تكون قادرة على تدبير أمورها 72 ساعة إذا انقطعت الكهرباء أو المياه أو تعطلت المتاجر والخدمات المصرفية. وتشمل القائمة الرسمية، كما نشرتها سكاي نيوز:
- ماء الشرب: ثلاثة لترات للشخص يوميًا، أي تسعة لترات لكل فرد خلال ثلاثة أيام، إضافة إلى ماء للطبخ والغسيل.
- طعام طويل الصلاحية لا يحتاج إلى تبريد أو طبخ، مثل المعلبات والفواكه المجففة والمكسرات.
- مصباح يدوي وبطاريات، وراديو FM يعمل بالبطارية أو بالتدوير اليدوي، وشاحن محمول مشحون.
- مبلغ نقدي من الفئات الصغيرة، تحسبًا لتعطل البطاقات وأجهزة الصراف.
- نسخ من وثائق الهوية والأوراق المهمة، وأرقام الطوارئ، وقائمة بالأدوية وجرعاتها.
- حقيبة إسعافات أولية، والأدوية الأساسية، مع طلب الوصفات المتكررة قبل خمسة أيام عمل.
- مستلزمات النظافة والبطانيات، وحليب الأطفال الجاهز والحفاضات، وطعام الحيوانات الأليفة.
وتنصح الحكومة ببناء هذا المخزون تدريجيًا مع التسوق المعتاد لتوزيع التكلفة، ومراجعة تواريخ الصلاحية كل ستة أشهر. وأكدت أن الحملة ليست تحذيرًا من تهديد وشيك، واستشهدت بعواصف الشتاء الماضي وحرائق الصيف. وتُظهر أبحاث حكومية أن 13% فقط من البريطانيين يرون أنفسهم مستعدين لانقطاع خطير في الخدمات الأساسية.
أما رسالة وزير الدفاع فجاءت في مقال بصحيفة التلغراف نُشر يوم السبت 24 أكتوبر. وربط فيه بين التهديد الروسي وقدرة خصوم بريطانيا على الهجوم بحلول 2030، وانتقد المحافظين لأنهم تركوا لبريطانيا «أصغر جيش منذ حروب نابليون» على حد قوله. وتعهد بأن تبلغ الحكومة هدف الإنفاق الدفاعي الذي حدده حلف الناتو.
وكان ستريتينغ قد مهّد لهذه الرسالة قبل أيام، حين قال إنه يريد أن يكون الناس «متيقظين لا مذعورين»، ردًا على اتهامات للحملة بإثارة الخوف. وتساءل: كيف سنتصرف إذا تعطلت أنظمة الدفع في السوبرماركت المحلي؟
كيف غطّى الإعلام البريطاني القصة؟

انقسمت التغطية إلى ثلاث زوايا رئيسية: زاوية أمنية تربط الحملة بالتهديد الروسي ومهلة الألف يوم، وزاوية استهلاكية تتابع رفوف المتاجر، وزاوية تحليلية تسأل إن كانت الحملة تطمئن الناس أم تخيفهم.
| الوسيلة | الزاوية الغالبة | أبرز ما ركّزت عليه |
|---|---|---|
| التلغراف | أمنية واستهلاكية | منصة مقال الوزير، وتحقيق عن سفن صيد روسية تتجسس على الكابلات البحرية، ونفاد المياه والفاصوليا من المتاجر |
| الغارديان | تحليلية مطمئنة | لا دليل على شراء هلعي واسع، ومقارنة بحملة «احمِ ونجُ» عام 1980، وآراء خبراء نفس |
| سكاي نيوز | خدمية | شرح القائمة الرسمية بندًا بندًا، وتصريح الوزير «متيقظين لا مذعورين» |
| بي بي سي (Question Time وNewsnight) | مساءلة عامة | سؤال من الجمهور عن إثارة الذعر، ودفاع الوزير عن الحملة |
| إذاعة LBC | سياسية ومالية | مهلة الألف يوم، والجدل حول نسب الإنفاق الدفاعي وتحذيرات قائد الجيش السابق |
| لاد بايبل | إثارية | عناوين تصف التحذير بأنه «مرعب» وموضوعات عن «حقيبة النجاة» |
التلغراف: من منصة الوزير إلى رفوف المتاجر
كانت التلغراف الوسيلة الأقرب إلى القصة. نشرت مقال ستريتينغ، وسبقته بتحقيق قالت فيه إن روسيا نشرت سفن صيد للتجسس على شبكة الكابلات البحرية التي تربط بريطانيا بالعالم. ثم انتقلت إلى الزاوية الاستهلاكية في 26 أكتوبر، بتقرير يرصد نفاد المياه المعبأة والفاصوليا والبطاريات من بعض المتاجر.
ونقل التقرير عن متجر Ocado الإلكتروني أن الطلب ارتفع خلال عطلة نهاية الأسبوع، وعن سلسلة Iceland أن مبيعات المعلبات زادت 40%. كما ذكر أن عمليات البحث عن «حقيبة النجاة» على غوغل قفزت بأكثر من 5000% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. لكنه أورد أيضًا ملاحظة سلسلة Booths بأن جزءًا من الزيادة قد يعود إلى العاصفتين أوستن وبويلو.
الغارديان: الحملة لم تُحدث ذعرًا
اختارت الغارديان قراءة أهدأ. فتحت مراسلة الشؤون الاجتماعية جيسيكا موراي تقريرها في 23 أكتوبر بحملة «احمِ ونجُ» (Protect and Survive) عام 1980، التي واجهت سخرية سياسية وفنية. وخلصت إلى أنه لا دليل على أن الحملة الجديدة أطلقت موجة شراء هلعي، رغم إقبال واضح على المستلزمات.
ونقلت الصحيفة عن الدكتورة ساريتا روبنسون من جامعة لانكشاير أن الأبحاث لا تثبت أن حملات التوعية تسبب الذعر. وقالت إن المشكلة تبدأ حين تُخفى المعلومات، ووصفت الحملة بأنها واقعية ومنخفضة السقف. ونقلت عن أحد أصحاب متاجر مستلزمات الطوارئ أن مدة الأيام الثلاثة «نقطة توازن» معقولة، وأن مطالبة الناس بمؤونة شهر كانت ستدفع أكثرهم إلى عدم فعل شيء.
بي بي سي: سؤال الجمهور
في برنامج Question Time مساء إطلاق الحملة، سألت إحدى الحاضرات الوزير مباشرة إن لم تكن الحملة إثارة للذعر، محذرة من أن الناس سيُفرغون المتاجر وترتفع الأسعار. واستحضر حاضرون آخرون أزمة ورق الحمام في بداية جائحة كورونا. ورد ستريتينغ بأن الحملة تتعلق بمخاطر يومية مثل الحرائق والفيضانات وتجمد الأنابيب. وقال لاحقًا لبرنامج Newsnight إنه من المشجع أن الناس يتخذون خطوات عملية.
الإعلام الشعبي: من الخبر إلى الإثارة
ذهبت منصات شعبية مثل لاد بايبل إلى لغة أكثر حدة، فوصفت التحذير بأنه «مرعب»، وربطت بين القائمة الحكومية واحتمال الحرب في عنوان واحد. هذا الدمج بين نصيحة مدنية عامة وتحذير عسكري هو ما حذّرت منه الحكومة نفسها، حين أكدت أن الحملة ليست ردًا على تهديد محدد.
ثلاثة أيام في بريطانيا.. وأسبوع أو عشرة أيام عند الجيران

تقف بريطانيا عند الحد الأدنى الأوروبي. فالحكومة نفسها قالت إن معيار 72 ساعة يضعها في صف فرنسا وإيرلندا وهولندا، وهو أيضًا ما توصي به المفوضية الأوروبية لمواطني الاتحاد منذ مارس 2025. لكن دولًا أقرب إلى روسيا جغرافيًا، أو أكثر تشددًا في الدفاع المدني، تطلب مددًا أطول بكثير.
| الدولة أو الجهة | المدة الموصى بها | الجهة المصدرة |
|---|---|---|
| بريطانيا | 3 أيام | مكتب مجلس الوزراء، حملة Be Ready |
| الاتحاد الأوروبي | 3 أيام على الأقل | المفوضية الأوروبية |
| فرنسا وإيرلندا وهولندا | 3 أيام | وفق الحكومة البريطانية |
| الدنمارك | 3 أيام | هيئة إدارة الطوارئ الدنماركية |
| النرويج | أسبوع | مديرية الحماية المدنية DSB |
| السويد | أسبوع على الأقل | وكالة الطوارئ المدنية MSB |
| ألمانيا | 10 أيام إن أمكن، و3 أيام على الأقل | المكتب الاتحادي للحماية المدنية BBK |
المقارنة الأوضح هي النرويج، التي رفعت توصيتها من ثلاثة أيام إلى أسبوع. وتشرح مديرية الحماية المدنية النرويجية سبب ذلك بثلاث حجج: انقطاع البنية التحتية الحيوية نادرًا ما يتجاوز أسبوعًا، والأسبوع يمنح السلطات وقتًا للتخطيط في الأزمات الطويلة، وهو هدف واقعي لأغلب السكان. وتطلب أن يكون الناس قادرين على تدبير أمورهم دون كهرباء أو ماء أو إنترنت أو أنظمة دفع، وتوصي بعشرين لترًا من الماء للشخص.
وتذهب السويد أبعد، إذ تقول نشرتها الموزعة على كل الأسر «إذا جاءت الأزمة أو الحرب» إن على كل قادر أن يعتمد على نفسه أسبوعًا على الأقل. أما ألمانيا فتوصي بعشرة أيام إن أمكن، مع التأكيد أن ثلاثة أيام «مساعدة كبيرة» بحد ذاتها. وخارج أوروبا، تستعد اليابان لدعوة وطنية الأسبوع المقبل تطلب من الأسر مؤونة أسبوع كامل، وفق موقع Trending Topics الأوروبي.
في المواد البريطانية التي راجعناها، لم يحظَ هذا الفارق بمساحة كبيرة. فقد انشغلت التغطية المحلية بسؤال الذعر ورفوف المتاجر، بينما جاءت المقارنات الأوروبية أساسًا من مواقع تحليلية ودولية. وفي المقابل، قدّم أحد أصحاب متاجر مستلزمات الطوارئ للغارديان الحجة المضادة: مطالبة الناس بمؤونة شهر كانت ستجعل أغلبهم لا يفعلون شيئًا.
ردود الفعل: انقسام داخل المعارضة ودفاع حكومي بالمقارنة الأوروبية
استخدمت الحكومة المقارنة الأوروبية نفسها للدفاع عن الحملة. فقد قال ستريتينغ في برنامج Question Time، وفق ما نقلته صحيفة إيفنينغ ستاندرد، إن الحكومة نظرت إلى ما يفعله «أصدقاؤنا في القارة»، وأضاف: «إنهم متقدمون علينا كثيرًا في بعض هذه الأمور». وأوضح أنه لا يوجد «أمر محدد» في ذهن الحكومة، وأن النصيحة تتعلق بالمرونة الوطنية اليومية.
أما حزب المحافظين فظهر منقسمًا. وصف وزير الخارجية في حكومة الظل توم توغندهات طلب المؤونة لعدة أيام بأنه «أمر معقول تمامًا». في حين اتهمت وزيرة الأمن القومي في حكومة الظل أليشيا كيرنز الحكومة بـ«إلقاء المحاضرات على الناس»، وقالت إن على الحكومة ترتيب بيتها أولًا، لأن العائلات ليست من يفشل في تمويل الدفاع وتأمين الطاقة.
ومن خارج السياسة، رحّب البروفيسور هاري بيتس من مركز الفهم العام للدفاع والأمن بجامعة إكستر بإبراز التهديدات. لكنه قال إن «الحوار الوطني» حول الدفاع، الذي أوصت به مراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025، ما زال يحتاج إلى أن يُقاد «من داونينغ ستريت نزولًا».
وتناولت صحافة التابلويد الجانب الشخصي للقصة. فقد نشرت ديلي إكسبريس أن رئيس الوزراء آندي بيرنهام علّق على مزحة وزيرة الإسكان أنجيلا راينر بأن زجاجة نبيذ ستكون في حقيبتها، فقال إن الأولوية للمعلبات والمياه وإن المرء يحتاج إلى «رأس صافٍ» في الأزمات.
من مقال الوزير إلى الموازنة

لم تبقَ مهلة الألف يوم في إطار التحذير. ففي مقاله، انتقد ستريتينغ ما سماه «الهوس بالنسب والتواريخ» في الجدل حول الإنفاق الدفاعي، وتعهد ببلوغ هدف الناتو. وبعد أربعة أيام، في 28 أكتوبر، أعلن وزير الخزانة جون هيلي في موازنة الخريف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% من الناتج المحلي بحلول 2030، في إطار هدف الناتو البالغ 3.5% بحلول 2035، وفق بلومبرغ.
وهيلي نفسه كان وزيرًا للدفاع قبل أن يستقيل في يونيو الماضي احتجاجًا على ما رآه تمويلًا غير كافٍ للقوات المسلحة. وقال إنه سيعلن تفاصيل مسار الإنفاق في مراجعة الإنفاق العام المقبل، ما يعني أن الأرقام السنوية الدقيقة لم تُحسم بعد.
ويتقاطع تحذير ستريتينغ مع تقديرات سابقة. فقد حذّر قائد الجيش السابق الجنرال السير باتريك ساندرز العام الماضي من أن أمام بريطانيا أقل من خمس سنوات للاستعداد لصراع محتمل مع روسيا، وقال إن قلقه الأكبر يتعلق بقدرة المجتمع المدني على التعافي من الضربات.
ماذا يعني ذلك للعرب في بريطانيا؟
الحملة موجهة إلى كل الأسر المقيمة في بريطانيا، والرسالة الحكومية الأساسية واضحة: الاستعداد هادئ وتدريجي، ولا يستدعي الشراء بكميات كبيرة. وتؤكد الحكومة أن النصيحة لا ترتبط بتهديد وشيك، وأن من يستطيع اتباعها فليتبعها، دون أن تكون إلزامية.
وتلفت الإرشادات الرسمية إلى خطوات عملية تهم الأسر الكبيرة وكبار السن تحديدًا:
- ابدأ بما في بيتك فعلًا، ثم أكمل الناقص تدريجيًا مع التسوق المعتاد لتوزيع التكلفة.
- احسب الماء على أساس ثلاثة لترات للشخص يوميًا للشرب وحده، أي 9 لترات لكل فرد لثلاثة أيام.
- اطلب الوصفات الطبية المتكررة قبل خمسة أيام عمل على الأقل من نفادها.
- احتفظ بمبلغ نقدي من الفئات الصغيرة بالباوند، تحسبًا لتعطل البطاقات وأجهزة الصراف.
- اطبع نسخًا من جوازات السفر والوثائق المهمة وأرقام الطوارئ وقائمة الأدوية وجرعاتها.
سجّل كبار السن وأصحاب الاحتياجات الصحية في سجل الخدمات ذات الأولوية (Priority Services Register)، وهو مجاني ويساعد شركات الكهرباء والمياه على الوصول إليهم أولًا عند الانقطاع.
تحدث مع جيرانك عن الدعم الذي يمكن تبادله أثناء أي انقطاع.
وتتوفر القائمة الكاملة على الموقع الرسمي للحملة beready.campaign.gov.uk. ولاسكتلندا وإيرلندا الشمالية نسختاهما الخاصتان من الإرشادات.
يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت الحكومة ستنشر مواد الحملة بلغات غير الإنجليزية، كما تفعل النرويج التي تنشر إرشاداتها بـ32 لغة. فالوصول إلى المعلومة الصحيحة بلغة يفهمها الجميع جزء أساسي من أي استعداد فعلي.
المصدر: – LBC: Britain must be ready for war within 1,000 days, Defence Secretary warns
الرابط المختصر هنا ⬇
