أورويل في المغرب وعبد الولي في البرلمان البريطاني
ماذا لو أتيحت لجورج أورويل فرصة العودة إلى العالم العربي بعد نحو تسعين عامًا من زيارته للمغرب عام 1938؟ ماذا عساه أن يرى، وماذا سيكتب في دفاتره هذه المرة؟ قد يبدو السؤال عبثيًا، فالرجل رحل منذ أكثر من سبعة عقود، لكن الأدب يمنحنا امتيازًا لا توفره الحياة، أن نستدعي الأموات لنختبر بهم الأحياء.
ولأن الإجابة لا يمكن أن تأتي إلا من أورويل نفسه، يجدر بنا العودة إلى مذكراته عن المغرب، حيث سجل ملاحظات تبدو اليوم أكثر إثارة مما كانت عليه في زمانها. وليس المقصود بالطبع التعامل مع تلك الملاحظات بوصفها دراسة اجتماعية نهائية أو حكمًا تاريخيًا شاملًا على مجتمع كامل، لكنها تظل شهادة لافتة لأنها صادرة عن زائر جاء محملًا بتوقعات معينة ثم وجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيدًا مما تخيله.
فقد كتب أن النساء المغربيات، على الرغم من التزامهن بالحجاب، كن يتحركن بحرية في الأسواق والأماكن العامة، وأن الحجاب لم يكن حاجزًا بينهن وبين المجتمع. ولاحظ أيضًا أن العلاقات اليومية بين الرجال والنساء لم تكن محكومة بذلك القدر من التوتر أو الحساسية الذي يتخيله الأوروبي عن المجتمعات الإسلامية. حتى المصافحة والاختلاط العابر لم يكونا يثيران ذلك القدر من القلق الأخلاقي الذي صار مألوفًا في بعض النقاشات المعاصرة.
وبينما أستعيد هذه السطور من يوميات أورويل، كان مشهدٌ موازٍ يتشكل على الضفة الأخرى من المتوسط بدخول سغال عبد الولي كنائبة عن حزب العمال في البرلمان البريطاني مرتدية حجابًا تقليديًا ورداءً صوماليًا، من دون أن تشعر بحاجة إلى الاعتذار عن جذورها أو التخلي عن علاماتها الثقافية. في تلك اللحظة بدا وكأن خيطًا غير مرئي يصل بين المغرب الذي رآه أورويل قبل قرابة قرن وبين بريطانيا المعاصرة.
لكن الرابط بين المشهدين لا يكمن في الحجاب ذاته، بل في هشاشة التصورات المسبقة التي تحيط به. فما رآه أورويل في المغرب كان مختلفًا عن الصورة التي حملها معه، وما تمثله سغال عبد الولي اليوم يتحدى بدوره تصورات جاهزة لا تزال حاضرة في بعض النقاشات الغربية حول معنى الاندماج وحدود الانتماء. في الحالتين تبدو المشكلة أقل ارتباطًا بالواقع وأكثر ارتباطًا بالأفكار المسبقة التي نحملها عنه.
فالنائبة العمالية سغال عبدالولي لم تدخل مجلس العموم باعتبارها نسخة مخففة من هويتها الأصلية، بل باعتبارها مواطنة بريطانية كاملة تحمل في الوقت نفسه ذاكرتها الصومالية وثقافتها الخاصة. لقد جسدت فكرة بسيطة كثيرًا ما تضيع وسط ضجيج السياسة: الاندماج لا يعني الذوبان، والمواطنة لا تقتضي محو الجذور.
ولعل دلالة وصولها إلى البرلمان لا تكمن في حجابها بقدر ما تكمن في الرسالة التي يحملها حضورها ذاته.
للوهلة الأولى قد تبدو ملاحظات أورويل مجرد انطباعات عابرة دونها كاتب بريطاني فضولي. لكن قيمتها الحقيقية أنها صادرة عن عين أوروبية جاءت محملة بأحكام مسبقة عن “الشرق المسلم”، ثم اضطرت إلى مراجعتها أمام واقع أكثر تعقيدًا مما توقعت. ولذلك لا تبدو كلماته دفاعًا عن العرب بقدر ما تبدو محاولة نادرة لوصف ما رآه كما هو.
لكن قراءة هذه المذكرات اليوم تثير سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا حدث للطرفين معًا، الشرق والغرب؟
فإذا كان جزء من العالم العربي قد انزلق منذ سبعينيات القرن الماضي نحو تشدد أكبر في قضايا الاختلاط والملبس والعلاقات الاجتماعية، فإن أجزاء من الغرب سلكت مسارًا موازيًا ولكن من اتجاه مختلف. ففي عدد من الدول الأوروبية لم يعد الحجاب يُنظر إليه دائمًا بوصفه خيارًا شخصيًا أو تعبيرًا عن حرية المعتقد، بل بات يُعامل أحيانًا باعتباره رمزًا مثيرًا للريبة أو دليلًا على عدم الاندماج. وهكذا تجد مجتمعات أمضت عقودًا في تعليم العالم دروس الحرية الفردية تدخل هي الأخرى في سجالات حول ما يحق للمرأة ارتداؤه وما لا يحق لها ارتداؤه.
والمفارقة هنا شديدة الدلالة. فالنقاش لم يعد يدور حول حق المرأة في اختيار الحجاب أو رفضه، بل حول من يمتلك حق الاختيار نيابة عنها. فبعض المتشددين في الشرق يريدون فرضه باسم الفضيلة، وبعض المتشددين في الغرب يريدون تقييده باسم التحرر. وبين الطرفين تضيع الحرية ذاتها التي يُفترض أن تكون جوهر القضية.
ولو عاد أورويل اليوم، ربما لا يلفت نظره الحجاب نفسه، بل الهوس المحيط به. ففي المغرب الذي زاره عام 1938 رأى نساء محجبات يتحركن بحرية وسط المجتمع ولم يرَ في ذلك تناقضًا يحتاج إلى تفسير. أما اليوم فقد تحول القماش ذاته إلى ساحة معركة أيديولوجية، يراه البعض معيارًا للأخلاق الدينية، فيما يراه آخرون دليلًا على رفض الاندماج. وبين هذين التفسيرين المتناقضين يضيع الإنسان الحقيقي، صاحب الحق في أن يختار بنفسه كيف يعيش وكيف يعبّر عن معتقده.
ولا يعني ذلك بالطبع أن الماضي كان فردوسًا للتسامح. فأورويل لم يرَ المغرب كله، بل رأى جانبًا منه. وكان يزور بلدًا خاضعًا للحماية الفرنسية، ويتأثر بظروف اجتماعية وثقافية خاصة لا يمكن تعميمها على العالم العربي بأسره. لكن قيمة شهادته لا تكمن في شموليتها، بل في قدرتها على إرباك المسلمات الراسخة وكشف هشاشة الصور النمطية التي يحب الناس تصديقها عن أنفسهم وعن الآخرين.
ولهذا تبدو قصة سغال عبد الولي ذات دلالة تتجاوز السياسة البريطانية ذاتها. فهي تذكّر بأن المجتمعات الواثقة لا تخاف من الاختلاف، ولا تحتاج إلى صهر مواطنيها في قالب واحد كي تحافظ على وحدتها. إن قوة الديمقراطيات لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها عن الحرية، بل بقدرتها على استيعاب التنوع عندما يصل إلى قلب مؤسساتها العليا. وما الذي يمكن أن يكون أكثر دلالة من أن تدخل امرأة جاءت جذورها من القرن الأفريقي إلى أحد أعرق البرلمانات في العالم وهي متمسكة بعلاماتها الثقافية ومطمئنة إلى انتمائها الوطني في آن واحد؟
ربما لو عاد أورويل اليوم وتجول بين الدار البيضاء ولندن، لاكتشف أن المعركة لم تعد بين الشرق والغرب كما تصورها جيله، بل بين من يؤمن بحرية الإنسان في اختيار هويته ومن يريد مصادرة هذا الاختيار باسم أي هوية كانت. عندها سيدرك أن التسامح ليس ملكًا لحضارة واحدة، وأن التعصب ليس حكرًا على ثقافة بعينها، وأن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح اللباس أهم من الإنسان، والرمز أهم من الحرية، والهوية أهم من المواطنة.
ذلك هو الدرس الذي يجمع بين المغرب الذي رآه أورويل والبرلمان الذي دخلته سغال عبد الولي. فالتسامح ليس أن نجعل الناس متشابهين، بل أن نمنحهم الحق في أن يكونوا مختلفين. والتقدم لا يُقاس بعدد القوانين أو الأبراج أو التقنيات، بل بقدرة المجتمع على التعايش مع من لا يشبهه. فالأزمنة تتغير، والسلطات تتبدل، لكن الرغبة في إخبار الآخرين كيف يجب أن يعيشوا تبدو أكثر خلودًا من كثير من الأفكار والإمبراطوريات التي ظنت يومًا أنها ستبقى إلى الأبد.
الرابط المختصر هنا ⬇


