العرب في بريطانيا | حين يحاكم الانتباه الخبر.. محاكمة راسل براند وا...

حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا

حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا

حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا

كرم نعمة أكتوبر 16, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في صباح واحد، الخميس الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول، اتفقت صحف بريطانية لا تتفق عادةً على شيء تقريبًا.

وفق هذا الإجماع، احتلت محاكمة الممثل الكوميدي راسل براند مساحات بارزة من الصفحات الأولى، من «ميترو» إلى «ديلي ميل»، ومن «ذي صن» إلى «ديلي تلغراف»، وحتى «آي بيبر».

وتكررت صورة الممثل ومقدم البرامج بأحجام متقاربة، وكذلك الكلمات: «المفترس»، و«الاعتداءات»، و«الضحايا»، و«المحكمة». بدا الأمر وكأن البلاد استيقظت على حدث مصيري سيغيّر وجهها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان من حق الصحافة تغطية المحاكمة؛ فهذا حق مشروع وواجب مهني. السؤال هو: كيف تصبح قضية تخص شخصًا واحدًا، مهما بلغت شهرته أو خطورة الاتهامات الموجهة إليه، الخبر الأكثر حضورًا في بلد يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة تمس حياة الملايين كل يوم؟

ما تكشفه هذه الصفحات ليس محاكمة راسل براند بقدر ما يكشف التحول الذي أصاب الصحافة البريطانية نفسها.

من تأثير الخبر إلى قدرته على جذب الانتباه

أبرز عناوين الصحف البريطانية ليوم الخميس الموافق 15 أكتوبر 2026
الصفحات الأولى لعدد من الصحف البريطانية يوم الخميس 15 أكتوبر 2026

في الماضي، كانت الصحف تحدد أولوياتها وفق معيار بسيط نسبيًا: ما الذي يؤثر في حياة الناس؟ أما اليوم فقد أصبح معيار آخر ينافسه، وربما يتغلب عليه أحيانًا: ما الذي يجذب انتباه الناس؟ وبين التأثير والانتباه مسافة شاسعة.

أزمة الإسكان تؤثر في ملايين البريطانيين، لكنها لا توفر صورة درامية جذابة. وقوائم الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية قضية تمس المجتمع كله، لكنها تفتقد عنصر الإثارة. أما الضرائب والتضخم وتراجع الإنتاجية وشيخوخة السكان ومستقبل العلاقة مع أوروبا، فكلها ملفات تشكّل الشريان الحقيقي للحياة البريطانية، لكنها لا تمنح المحرر صورة لرجل مشهور يدخل المحكمة وسط عدسات المصورين.

هنا تكمن المعضلة. فالصحافة، مثل كثير من المؤسسات الإعلامية الغربية، انتقلت تدريجيًا من اقتصاد الخبر إلى اقتصاد الانتباه. ولم تعد المنافسة على نشر المعلومة أولًا فحسب، بل على جذب العين أولًا.

وفي هذه المنافسة، تمتلك محاكمات المشاهير أفضلية هائلة؛ فهي تقدم شخصيات معروفة، وصراعًا أخلاقيًا، واتهامات صادمة، وشهادات متجددة، أي إنها تتحول إلى مسلسل يومي يمكن تسويقه بسهولة أكبر من أي نقاش حول الإنفاق العام أو إصلاح التعليم.

اجذب القارئ بالفضيحة

المفارقة أن الصحف الجادة لم تعد بمنأى عن هذا المنطق. صحيح أن «ديلي تلغراف» أبقت ملفات الدولة والاقتصاد في متن الصفحة، وصحيح أن «آي بيبر» خصصت مساحات لقضايا أخرى أكثر صلة بالشأن العام، لكن العين تقع أولًا على صورة راسل براند، لا على أرقام الاقتصاد.

وكأن المعادلة الجديدة أصبحت: اجذب القارئ بالفضيحة، ثم قدم له الأخبار التي يحتاج إليها.

لكن التجربة تقول إن كثيرين يتوقفون عند الفضيحة ولا يصلون إلى ما بعدها.

فالصحافة لا تحتاج إلى الكذب كي تشوّه أولويات الرأي العام؛ يكفيها أن تعيد ترتيبها.

لا تقول الصحيفة إن محاكمة ممثل أهم من أزمة الرعاية الصحية أو أزمة السكن، لكنها تمنح الأولى العنوان والصورة والمساحة والضجيج، فيما تضع الثانية في زوايا أصغر. وهكذا تتشكل لدى القارئ، من دون أن يشعر، خريطة ذهنية جديدة لما هو مهم وما هو ثانوي.

هذه هي قوة ترتيب الأخبار، لا مضمونها فقط.

حين تصبح الوجوه أكبر من القضايا

ما رأيناه في هذه الصفحات الأولى يشير إلى ظاهرة أوسع من قضية راسل براند نفسها؛ فالوجوه أصبحت أكبر من القضايا، والشخصيات أكثر حضورًا من الأفكار، والفضائح أقوى تأثيرًا من السياسات.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا المشهد يأتي من قلب البلد الذي أنجب واحدًا من أكثر تعريفات الخبر بلاغةً واستمرارًا في تاريخ الصحافة. فقد نُسب إلى اللورد نورثكليف، مؤسس «ديلي ميل»، قوله: «الخبر هو ما يريد شخص ما منعه من النشر، وما عدا ذلك فهو إعلان».

وبعد أكثر من قرن على هذا التعريف، تبدو بعض غرف الأخبار وكأنها تعيد ترتيب المعادلة: لم يعد المهم ما يسعى أصحاب النفوذ إلى حجبه عن الجمهور، بل ما يكفي لجذب الجمهور إلى الصفحة.

لم يكن المقصود بالطبع تمجيد الأسرار أو الفضائح، بل الإشارة إلى أن القيمة الصحافية الحقيقية تكمن في كشف ما يؤثر في حياة الناس، وتسعى السلطات أو المؤسسات أو أصحاب المصالح إلى إبعاده عن الضوء.

وبالمقارنة مع هذا المعيار، يصعب عدّ محاكمة شخصية مشهورة، مهما بلغت جماهيريتها، الحدث الأجدر باحتلال معظم الواجهات الإخبارية في بلد تتنازع حكومته أزمات الاقتصاد والخدمات العامة والإسكان والهجرة ومستقبل النمو.

وليس المقصود هنا التقليل من أهمية القضية نفسها أو من خطورة الاتهامات المرتبطة بها؛ فالعنف الجنسي ضد النساء قضية عامة وجدية تستحق المتابعة والتغطية. لكن السؤال يتعلق بحجم الهيمنة التي مارستها هذه المحاكمة على الصفحات الأولى، مقارنة بملفات أخرى لا تقل عنها أهمية في تشكيل حياة البريطانيين اليومية.

المحاكمة الأخرى في غرف التحرير

المشكلة إذن ليست في المحاكمة نفسها؛ فهي قضية جنائية مشروعة وتستحق التغطية. المشكلة في تحويلها إلى العنوان الجامع لصحف مختلفة المشارب، بما يكشف تبدلًا في الفلسفة الإعلامية ذاتها.

فالصحافة التي كانت تبحث عما يتصل بالمصلحة العامة أصبحت، تحت ضغط السوق واقتصاد النقرات والمنافسة على الانتباه، تبحث عما يضمن أعلى درجات الاستهلاك الجماهيري.

وهكذا يُستبدل سؤال: «ما القضية التي يحتاج المجتمع إلى فهمها اليوم؟» بسؤال آخر أكثر إثارة: «ما القصة التي ستجعل القارئ يتوقف لثوانٍ إضافية؟». وبين السؤالين تقع المسافة كلها بين صحافة تصنع وعيًا عامًا، وصحافة تلاحق مؤشرات السوق.

سيخرج راسل براند يومًا من الصفحة الأولى، سواء بالإدانة أو البراءة. أما السؤال الذي سيبقى مطروحًا فهو: ماذا خسر المجال العام البريطاني في الطريق؟

في اليوم الذي توحدت فيه الصحف حول محاكمة رجل واحد، كانت بريطانيا الحقيقية، بكل أزماتها وأسئلتها ومخاوفها، تنتظر دورها بصبر في الصفحات الداخلية. وربما كانت تلك هي المحاكمة الأهم، وإن لم تُعقد في محكمة ساوثوارك، بل في غرف التحرير نفسها.

هناك، تحديدًا، يمكن العثور على السؤال الأكثر إلحاحًا: متى توقفت الصحافة عن البحث عما يجب أن يعرفه الناس، وبدأت تنشغل بما يكفي فقط لجذب انتباههم؟

اترك تعليقا

↑