الامتنان السياسي: عن بيرنهام ومانشستر سيتي
ليست الرشوة دائمًا ما يفسد السياسي؛ أحيانًا تكون ما يفسده النجاح، وهذه حقيقة نادرًا ما تحظى بالانتباه الذي تستحقه، لأن الخيال الشعبي اعتاد على أن يبحث عن الفساد في الحقائب الممتلئة بالنقود، وفي العقود المشبوهة، وفي الصفقات السرية. لكن هناك نوعًا آخر من الانحياز أكثر خفاءً وأشد خطرًا، أن يقع السياسي في حب المشروع الذي ساهم في صنعه.
كان هذا هو المعنى الحقيقي المختبئ خلف الجدل الذي أحاط بتصريحات آندي بيرنهام عن نادي مانشستر سيتي عندما طالب بأن يحظى بمعاملة عادلة، قبل أن يتراجع سريعًا ويؤكد أن النادي ليس فوق القواعد. لم يكن الرجل يدافع عن نادي كرة قدم فحسب، ولم يكن يدافع عن مستثمرين إماراتيين كما قد يبدو للوهلة الأولى. كان يدافع، دون أن يشعر ربما، عن جزء من قصته الشخصية. لقد ساهمت استثمارات مانشستر سيتي في إعادة تشكيل أجزاء من المدينة التي بنى عليها بيرنهام مكانته السياسية، حتى أصبح من الصعب التمييز بين نجاح مانشستر ونجاح الرجل نفسه.
هذه ليست مشكلة أخلاقية بقدر ما هي مشكلة إنسانية؛ فالبشر جميعًا يميلون إلى الدفاع عن الأشياء التي منحتهم معنى. والسياسي ليس استثناءً. بل لعل السياسي أكثر عرضة لهذا النوع من الانحياز لأن حياته كلها تدور حول فكرة الإرث. إنه لا يسعى فقط إلى ممارسة السلطة، بل إلى ترك أثر بعد مغادرته المنصب. وحين يصبح هذا الأثر موضع مساءلة أو نقد، يشعر وكأن النقد موجّه إلى شخصه لا إلى المشروع.
لقد شهدت بريطانيا هذا النمط أكثر من مرة. توني بلير ظل سنوات طويلة أسير فكرة “بريطانيا الجديدة”.
كان المشروع ناجحًا في بداياته إلى درجة أن صاحبه لم يعد قادرًا على رؤية عيوبه. وهكذا وجد نفسه يدافع عن قرارات كارثية، أبرزها المشاركة في احتلال العراق، ليس فقط لأنها كانت جزءًا من سياسته، بل لأنها أصبحت جزءًا من صورته عن نفسه. ولعل مأساة بلير السياسية أنه ظل يدافع عن حرب العراق حتى بعد أن تهاوت معظم المبررات التي قُدمت لتسويقها. لم يعد الأمر متعلقًا بالوقائع بقدر ما أصبح متعلقًا بالدفاع عن إرث شخصي. فالتراجع لم يكن يعني مراجعة قرار سياسي فحسب، بل الاعتراف بأن أحد أكبر مشاريع حياته العامة قام على تقدير خاطئ.
والأمر نفسه يمكن رؤيته بصورة مختلفة عند بوريس جونسون؛ فالرجل لم يعد يدافع عن البريكست بعد خروجه من السلطة لأنه مقتنع بكل نتائجه، بل لأنه لا يستطيع سياسيًا ونفسيًا التخلي عن المشروع الذي منحه المجد. لقد أصبح البريكست بالنسبة إلى جونسون أكثر من سياسة؛ أصبح جزءًا من هويته.
وهذه الظاهرة لا تخص الأفراد وحدهم. الحكومات أيضًا تقع في حب إنجازاتها، المدن تقع في حب مشاريعها، الدول تقع في حب السرديات التي صنعتها عن نفسها، ولعل أخطر ما في الأمر أن النجاح نفسه يتحول إلى حجاب.
فالفشل يفرض على صاحبه المراجعة، أما النجاح فيمنحه شعورًا زائفًا بالعصمة.
في مرحلة ما، يتوقف المشروع عن كونه مشروعًا، ويتحول إلى عقيدة.
وهنا تبدأ المشكلة. لأن وظيفة رجل الدولة ليست أن يحب مشاريعه، بل أن يشك فيها. ليست أن يدافع عنها، بل أن يكون أول من يختبر نقاط ضعفها. فالمهندس الجيد ليس من يعشق البناء الذي شيده، بل من يعرف أين يمكن أن ينهار.
لكن السياسة الحديثة تكافئ العكس تمامًا. إنها تكافئ السياسي الذي يحول إنجازه إلى قصة بطولية، ومع مرور الزمن تصبح القصة أهم من الواقع، ويصبح الدفاع عن الإرث أهم من مراجعة الأخطاء.
من هنا فإن أخطر أشكال الفساد السياسي ليس دائمًا الفساد المالي، بل ما يمكن تسميته بـ “فساد الامتنان”، وهو أن يشعر السياسي أنه مدين لمشروع أو لرجل أعمال أو لفكرة أو حتى لجمهور كامل صنع نجوميته.
وعندما تنشأ هذه العلاقة يفقد شيئًا فشيئًا القدرة على الحكم المحايد.
إن الحاكم الذي يتلقى رشوة يمكن كشفه بسهولة، أما الحاكم الذي أصبح سجينًا لنجاحه الشخصي فهو أكثر تعقيدًا. لأنه غالبًا لا يدرك أنه منحاز. بل يعتقد، بصدق كامل، أنه يحمي المصلحة العامة، بينما هو في الواقع يحمي الجزء الذي يحبّه من سيرته الذاتية.
ولا يقتصر الأمر على السياسيين وحدهم، فكم من ثائرٍ تحوّل مع الوقت إلى حارس للرواية التي صنعته، وكم من كاتب أصبح أسير أشهر كتبه، وكم من قائد ظل يدافع عن قرار أثبت الزمن فشله لأنه لم يعد قادرًا على الفصل بين الحقيقة وصورته عن نفسه. الإنسان بطبيعته يميل إلى حماية ما منحه الاعتراف والنجاح، لا إلى مساءلته.
وربما لهذا السبب كانت قصة بيرنهام أكثر إثارة من قصة مانشستر سيتي نفسها. فالسؤال الحقيقي ليس إن كان المستثمرون الإماراتيون جيدين أم سيئين، ولا إن كان النادي مذنبًا أم بريئًا. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما يصبح السياسي غير قادر على التمييز بين مصلحة المدينة ومصلحة القصة التي يرويها عن نفسه؟
هناك تبدأ المأساة الهادئة للسياسة. وهناك أيضًا يبدأ أكثر أنواع الانحياز استعصاءً على الاكتشاف؛ لأنه لا يأتي من الجيب، بل من القلب.
الرابط المختصر هنا ⬇


