بولانسكي: الحقوق للبشر لا للدول.. والصهيونية أيديولوجيا عنصرية
زعيم حزب الخضر، زاك بولانسكي ويكيميديا-فليكر Bristol Green Party
قال زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر في إنجلترا وويلز، إن الحقوق تثبت للبشر لا للدول، ردًا على سؤاله عما إذا كان يقر بحق إسرائيل في الوجود، مجددًا وصفه الصهيونية بأنها أيديولوجيا عنصرية ارتبط تطبيقها بتهجير الفلسطينيين وقتلهم.
وجاءت تصريحات بولانسكي خلال برنامج «صنداي مع لورا كوينسبيرغ» على قناة بي بي سي، في أول مقابلة تلفزيونية واسعة له منذ اندلاع أزمة داخل حزب الخضر بسبب إقرار مؤتمره مذكرة بعنوان «الصهيونية عنصرية».
ورفض بولانسكي تقديم إجابة بنعم أو لا عن سؤال حق إسرائيل في الوجود، قائلًا: «لا أعتقد أن لأي دولة حقًا في الوجود… الناس لهم حق في الوجود». وسبق له أن طبق الموقف نفسه على بريطانيا، مؤكدًا أن الإسرائيليين والفلسطينيين يتمتعون بحقوق ينبغي حمايتها، لكن الدول لا تمتلك حقًا مجردًا يعلو على حقوق البشر.
«ما حدث للفلسطينيين استعمار وعنصرية»

دافع بولانسكي عن وصف الصهيونية بالعنصرية، وقال إن فهمها لا يمكن فصله عن مصير الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون على الأرض قبل قيام إسرائيل.
وأضاف أنه نشأ داخل أسرة صهيونية وتعلّم أن الصهيونية تعني إيجاد أرض لشعب لا يملك أرضًا، قبل أن يبدأ في التساؤل عما حدث للشعب الذي كان يعيش بالفعل على تلك الأرض.
وقال إن الفلسطينيين «هُجّروا وقُتلوا وتعرضوا للتطهير العرقي»، مضيفًا أن ما يتعرضون له على أيدي المستوطنين وقوات الاحتلال يمثل «استعمارًا وعنصرية» مستمرين.
وعندما سُئل عن قتل الفلسطينيين في غزة، قال بولانسكي إن أخذ حقيقة أنهم يُقتلون بسبب هويتهم الفلسطينية في الحسبان يجعل وصف الأيديولوجيا التي تقف وراء ذلك بالعنصرية واضحًا من وجهة نظره.
ورفض الفصل بين تاريخ الصهيونية ونتائجها الواقعة على الفلسطينيين، معتبرًا أن حصر النقاش في تعريف المصطلح يتجاهل التهجير والاستيطان والتطهير العرقي.
هل يؤيد بولانسكي مذكرة الحزب؟

لا يتطابق موقف بولانسكي بالكامل مع المذكرة التي أقرها مؤتمر حزب الخضر، رغم اتفاقه مع جوهر نقدها للصهيونية.
فقد قال إنه لم يكن سيصوت لمصلحة المذكرة بصيغتها النهائية لو حضر جلسة التصويت، بسبب اعتراضه على بنود تتعلق بشكل الحل السياسي وحقوق أعضاء الحزب المرتبطين بمؤسسات يهودية تصف نفسها بالصهيونية.
لكنه كتب لاحقًا في صحيفة «الغارديان» أن مضمون المذكرة ينسجم مع فهمه للصهيونية بوصفها الأيديولوجيا التي قامت عليها عملية تهجير الفلسطينيين والإبادة الجماعية بحقهم.
وقال إن الصهيونية ليست مصطلحًا سهل التعريف، وإنها ترتبط لدى كثير من اليهود بالهوية والأمان والانتماء، ولذلك لا ينبغي لحزب سياسي أن يحدد للأفراد ما يجب أن يؤمنوا به.
ويرفض بولانسكي تحديدًا أن يقرر حزب بريطاني مسبقًا ما إذا كان الحل يجب أن يقوم على دولة واحدة أو دولتين، قائلًا إن شكل المستقبل السياسي ينبغي ألا يُفرض على الفلسطينيين والإسرائيليين من الخارج.
وأوضح أنه لن يسعى إلى تغيير المذكرة قبل عام 2028، وهو الموعد الذي تسمح فيه إجراءات الحزب بإعادة النظر فيها، لكنه دعا إلى إصلاح آليات صنع السياسات داخل الخضر بعد النمو السريع في عضويته.
ماذا تقول مذكرة «الصهيونية عنصرية»؟
أقر أعضاء حزب الخضر المذكرة خلال مؤتمر الحزب في برايتون بأغلبية 1,022 صوتًا مقابل 813، لتصبح جزءًا من سياسته الرسمية.
وتعلن المذكرة حزب الخضر حزبًا مناهضًا للصهيونية، وتدعو إلى التعامل مع الصهيونية مثل غيرها من أشكال العنصرية، على أساس أنها تمنح جماعة عرقية امتيازات تقوم على إخضاع جماعة أخرى.
كما تؤيد إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة في كامل فلسطين التاريخية، يتمتع جميع سكانها بحقوق متساوية، بدل حل الدولتين الذي يتبناه الحزب الأخضر الأوروبي وعدد من نواب الخضر البريطانيين.
ورفض المؤتمر تعديلًا كان سيحذف الالتزام بحل الدولة الواحدة، كما رفض تعديلًا آخر ينص على عدم استخدام المذكرة لمعاقبة أعضاء بسبب ارتباطهم بكُنُس أو منظمات يهودية تعرف نفسها بأنها صهيونية.
وغاب بولانسكي عن التصويت لانشغاله بحملته في الانتخابات الفرعية بدائرة هولبورن وسانت بانكراس، وهو قرار اعترف لاحقًا بأنه جعل بعض زملائه وأعضاء الحزب يشعرون بأنه خذلهم.
انقسام بين نواب الخضر
عارض أربعة من نواب الحزب الخمسة المذكرة علنًا، بينهم زعيمة كتلته في مجلس العموم إيلي تشاونز، التي قالت إن القرار لا يمثل غالبية أعضاء الخضر.
وأشارت تشاونز إلى أن الذين صوتوا لمصلحة المذكرة يمثلون نحو 0.4 في المئة فقط من عضوية الحزب، التي تجاوزت 200 ألف عضو، معتبرة أن ذلك يكشف خللًا في آليات صنع السياسات.
لكنها رفضت وصف المذكرة نفسها بأنها معادية للسامية، ودعت بدلًا من ذلك إلى ضمان ألا يصبح الحزب عرضة لاستحواذ جماعات متطرفة أو عنصرية على عملية اتخاذ القرار.
وينتهج حزب الخضر نظامًا للديمقراطية المباشرة يمنح الأعضاء المشاركين في المؤتمر سلطة إقرار السياسات، ولا تملك القيادة صلاحية إلغاء القرارات التي يعتمدونها.
واقترح بولانسكي، في أعقاب الأزمة، توسيع مشاركة الأعضاء ومنح القيادة مسؤولية أكبر عن تحديد الاتجاه السياسي والاستراتيجي للحزب، من دون التخلي عن طابعه القاعدي.
بولانسكي يرفض الخلط بين الصهيونية واليهودية
قال بولانسكي، وهو يهودي ونشأ في أسرة صهيونية، إنه لن يقبل إقصاء أي شخص من الحزب بسبب ديانته أو خلفيته المجتمعية.
وأكد في بيان نشره حزب الخضر أن معاداة السامية وانتقاد دولة الاحتلال قضيتان منفصلتان، وأن الحزب ملزم بمواجهة الكراهية ضد اليهود بالتوازي مع الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
وأضاف أن الخلاف حول المذكرة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات انتقاد الاحتلال أو الإبادة الجماعية في غزة، كما لا ينبغي استخدام التضامن مع الفلسطينيين غطاءً لمعاداة اليهود.
وفي المقابل، قالت رئيسة مجموعة «الخضر اليهود» فيفيان ليختنشتاين إن بولانسكي أخطأ بعدم المشاركة في التصويت، ودعته إلى الاستقالة، إلا أن أعضاء آخرين في المجموعة قالوا إن موقفها لا يمثلهم وقدموا اقتراحًا بسحب الثقة منها.
ضغوط سياسية ورقابية على الحزب
أثار القرار ردود فعل من الحكومة الإسرائيلية ومؤسسات يهودية وأحزاب بريطانية، واتهم منتقدوه حزب الخضر بطمس الفارق بين القومية اليهودية والعرق أو الدين اليهودي.
وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر منع بولانسكي من دخول إسرائيل، واتهم القرار بالدعوة إلى إنهاء الدولة الإسرائيلية. ووصف الحاخام الأكبر في بريطانيا إفرايم ميرفيس المذكرة بأنها معادية للسامية، بينما قال مجلس نواب اليهود البريطانيين إن حزب الخضر يتجه نحو التطرف.
وأعلن الحزب الأخضر الأوروبي أنه ينأى بنفسه بصورة قاطعة عن القرار، مؤكدًا تمسكه بحل الدولتين وبحق الفلسطينيين والإسرائيليين في تقرير المصير.
وفي الوقت نفسه، شدد الحزب الأوروبي على إدانته الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين ودعمه فرض عقوبات أوروبية على الحكومة الإسرائيلية، مؤكدًا أن الاعتراض على مذكرة الخضر البريطانيين لا يعني تأييد سياسات الاحتلال.
أما لجنة المساواة وحقوق الإنسان، فقالت إنها تلقت شكاوى تزعم أن تطبيق المذكرة قد يؤدي إلى التمييز ضد يهود بسبب معتقداتهم.
وطلبت اللجنة معلومات إضافية من الحزب لتقييم الآثار العملية للقرار، لكنها أوضحت أنها لم تتخذ قرارًا بفتح تحقيق رسمي أو اتخاذ إجراء تنفيذي.
كما أقرت اللجنة بأن حرية التعبير حق أساسي يشمل القضايا المعقدة والمثيرة للجدل، مؤكدة أن حماية هذا الحق ومنع التمييز يجب أن يؤخذا في الاعتبار معًا.
استطلاع يرصد تراجع تقييم بولانسكي
تزامنت الأزمة مع خسارة بولانسكي الانتخابات الفرعية في هولبورن وسانت بانكراس، حيث حل ثانيًا بعد مرشحة حزب العمال سغال عبد الولي، وحصل على نحو ثلث الأصوات.
وأظهر استطلاع لمؤسسة إبسوس، أُجري بين التاسع والثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول وشمل 2,257 بالغًا، أن 52 في المئة ينظرون إلى بولانسكي نظرة سلبية، بزيادة ست نقاط عن سبتمبر/أيلول.
وقال 16 في المئة إنهم ينظرون إليه بإيجابية، ليصل صافي تقييمه إلى سالب 36، وهو أدنى تقييم بين زعماء الأحزاب الوطنية الذين شملهم الاستطلاع.
كما انخفض صافي تقييمه بين من تقل أعمارهم عن 35 عامًا من موجب 16 في أبريل/نيسان إلى موجب نقطتين، وبين ناخبي حزب العمال في انتخابات 2024 من موجب سبع نقاط إلى سالب 24.
لكن الاستطلاع أُجري بعد مؤتمر الحزب والانتخابات الفرعية معًا، ولا يفصل بين أثر الخلاف بشأن الصهيونية وتأثير الهزيمة الانتخابية أو عوامل سياسية أخرى في تراجع تقييمه.
وتظهر مقابلة بولانسكي أنه لا يتجه إلى التراجع عن موقفه المناهض للصهيونية، لكنه يحاول رسم حدود بين اتفاقه مع جوهر المذكرة واعتراضه على صياغتها وبعض نتائجها التنظيمية والسياسية. حيث يتمسك بوصف الأيديولوجيا التي قامت عليها عمليات تهجير الفلسطينيين وإخضاعهم بالعنصرية، ويرفض في الوقت نفسه أن تتحول المذكرة إلى أساس لإقصاء اليهود أو أن يقرر حزب بريطاني شكل الدولة التي ينبغي إقامتها في فلسطين.
الرابط المختصر هنا ⬇