العرب في بريطانيا | حين يُصبح «المسلم» الشماعة.. عن العنصرية التائه...

حين يُصبح «المسلم» الشماعة.. عن العنصرية التائهة وعقدة النقص

WhatsApp Image 2026-08-09 at 3.58.44 PM
عدنان حميدان أغسطس 9, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم تكن تصريحات المتحدث باسم حزب «ريستور» استعادة بريطانيا اليميني المتطرف، تشارلي داونز، والتي جزم فيها بصلف صريح بأن «المسلم بالتأكيد أقل بريطانية»، مجرد زلة لسان عابرة، ولا جملة خرجت من فم سياسي ثم تنتهي بانتهاء المقابلة.

إنها، في حقيقتها، تعبير فاضح عن عقلية ترى المواطنة درجات، وتتعامل مع الانتماء إلى الوطن باعتباره امتيازًا يمكن منحه وسحبه وفق العرق والدين والأصل.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة هذه التصريحات؛ لأنها لا تستهدف المسلم وحده، وإنما تضرب في الصميم فكرة المواطنة نفسها، وتعيد إنتاج سؤال ظن كثيرون أن المجتمعات الغربية قد تجاوزته: من هو المواطن «الحقيقي»؟ ومن يملك حق تحديد ذلك؟

وأمام هذا الخطاب المتشنج، لا بد من تفكيك المشهد من أكثر من زاوية.

أولًا: وباء الدونية.. حين يصفق الضحية لجلاده

من المفارقات المؤلمة في زمن التيه السياسي أن تجد بعض أبناء العرب والمسلمين في الغرب يركضون خلف خطاب اليمين المتطرف، أو يسارعون إلى تبرير أطروحاته، وكأن التقرب من الذين يضعون المسلمين في خانة «الأقل بريطانية» يمكن أن يمنحهم استثناءً خاصًا من خطابهم العنصري.

وهنا لا أتحدث عن مجرد اختلاف سياسي مشروع، ولا عن حق أي مسلم في أن يكون محافظًا أو يمينيًا أو أن يختلف مع اليسار أو مع سياسات الهجرة أو مع أي تيار سياسي آخر؛ فهذه كلها حقوق سياسية أصيلة لا يملك أحد مصادرتها.

لكن الحديث يصبح مختلفًا تمامًا عندما يتحول الأمر إلى تبرير خطاب يرى المسلم، بسبب كونه مسلمًا، أقل انتماءً وأدنى مواطنة.

فمن يصفق لهذا الخطاب، أو يبرر له، أو يتوهم أن إظهار الولاء المفرط له سيجعله «مقبولًا» لدى أصحابه، إنما يقع في وهم خطير؛ لأن العنصرية لا تمنح حصانة دائمة لأحد.

العقلية التي تختزل المسلم في دينه، وتراه أقل بريطانية بسبب هويته، لن تتحول فجأة إلى عقلية تؤمن بالمساواة لمجرد أن مسلمًا صفق لها أو دافع عنها.

وقد ينجح بعضهم في الحصول على ابتسامة سياسية أو استثناء مؤقت، لكن ذلك لا يغير جوهر الفكرة العنصرية التي تجعل الأصل والدين معيارًا للحكم على الإنسان.

وهنا تظهر عقدة النقص في أوضح صورها: أن يسعى الإنسان إلى إثبات أنه «أفضل من غيره» فقط لأنه يحاول إقناع من يحتقر هويته بأنه مختلف عن بقية أبناء هويته.

ثانيًا: حين تصبح الأزمة شماعة

تقتات بعض الأصوات اليمينية المتطرفة على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتبحث دائمًا عن طرف أضعف لتضعه في قفص الاتهام.

وعندما ترتفع الأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتفاقم أزمات السكن والخدمات، وتتعقد مشكلات سوق العمل، يصبح المهاجر أو المسلم هدفًا سهلًا لخطاب سياسي لا يريد أن يسأل الأسئلة الأصعب: أين ذهبت الموارد؟ ولماذا ارتفعت كلفة المعيشة؟ ومن اتخذ القرارات الاقتصادية التي أوصلت الناس إلى هذه الحال؟

وهكذا يُقال للمواطن البسيط، بصورة مباشرة أو مواربة: المشكلة ليست في السياسات، ولا في سوء الإدارة، ولا في خيارات الحكومات، وإنما في ذلك المهاجر أو المسلم الذي «يشاركك» في خدماتك وفرصك.

إنها الوصفة القديمة نفسها: اصنع خصمًا، ثم حمّله مسؤولية كل شيء.

وليس غريبًا أن يكون المسلم حاضرًا بقوة في هذه المعادلة؛ فهو، في نظر بعض تيارات اليمين المتطرف، ليس مجرد منافس اقتصادي، فهو هدف أيديولوجي جاهز.

ثالثًا: من يصنع الهجرة؟

يتعامل بعض الخطاب السياسي مع الهجرة وكأن ملايين البشر قرروا ذات صباح أن يتركوا أوطانهم، ويحملوا حقائبهم، ويعبروا الحدود بحثًا عن حياة أكثر رفاهية.

وهذه صورة مريحة لمن يريد تجاهل جذور المشكلة.

الهجرة ليست في معظم حالات اللجوء نزهة، واللاجئ لا يترك بيته وأرضه وأهله بحثًا عن حياة أسهل؛ فهو يفر غالبًا من حرب أو استبداد أو انهيار اقتصادي أو غياب للأمن أو مستقبل مسدود.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يصنع اللاجئين؟

لا يمكن النظر إلى موجات الهجرة من أفريقيا والشرق الأوسط بمعزل عن عقود من الحروب والتدخلات الخارجية، ودعم أنظمة استبدادية، والصراعات على الموارد، والسياسات الدولية التي أسهمت في زعزعة دول بأكملها.

وفي قلب أفريقيا، تكفي نظرة واحدة إلى ثروات بعض الدول الطبيعية الهائلة، مقابل واقع الفقر والتهميش الذي يعيشه جزء كبير من سكانها، لإدراك أن قصة الهجرة أكثر تعقيدًا بكثير من رواية «المهاجر الذي جاء ليأخذ ما عندنا».

نعم، هناك فساد محلي، وهناك أنظمة مستبدة، وهناك مسؤولية تقع على حكومات ونخب محلية؛ لكن اختزال المأساة كلها في هؤلاء، أو اختزالها كلها في الخارج، تبسيط لا يخدم الحقيقة.

الحقيقة أن العالم الحديث صنع شبكة معقدة من المصالح والصراعات والاستغلال، وكان للسياسات الدولية والاقتصادية الكبرى نصيب لا يمكن تجاهله من صناعة البيئات التي تدفع الناس إلى الرحيل.

والمفارقة الأكثر قسوة أن الإنسان الذي اضطر إلى الفرار من الفقر أو الحرب أو انعدام الأمان قد يجد نفسه، عند وصوله إلى المكان الذي ظن أنه سيجد فيه الحماية، متهمًا بأنه هو سبب الأزمات التي لم يصنعها.

المواطنة ليست هبة من اليمين المتطرف

إن «البريطانية» — أو أي مواطنة في عالم اليوم — ليست جينات عرقية، ولا صكًا يمنحه تشارلي داونز وأمثاله لمن يشاؤون وينزعونه عمن يشاؤون.

المواطنة وضع قانوني، وحقوق وواجبات، وانتماء إلى دولة تحكمها القوانين، وليست مسابقة في لون البشرة، أو اسم العائلة، أو مكان ولادة الأجداد.

والبريطاني المسلم الذي وُلد في بريطانيا أو حصل على جنسيتها وفق القانون، ويدرس فيها، ويعمل فيها، ويدفع ضرائبها، ويشارك في مجتمعها، ليس «أقل بريطانية» من أي بريطاني آخر لأنه مسلم.

وكذلك الطبيب والممرض والمهندس والعامل المسلم الذي خدم بريطانيا في أزماتها، وفي مقدمتها جائحة كورونا، لم يكن بحاجة إلى شهادة في «البريطانية» من سياسي يميني متطرف حتى يثبت انتماءه إلى وطنه.

لقد كان هؤلاء في المستشفيات، والمصانع، ووسائل النقل، ومواقع العمل، وفي كل مكان احتاجت فيه البلاد إلى سواعد أبنائها.

أما من يكتفي بالجلوس في الاستوديوهات، وإطلاق الأحكام على الناس، وتقسيمهم إلى «أكثر بريطانية» و«أقل بريطانية»، فالأجدر به أن يسأل نفسه: هل يخدم المجتمع بتقسيمه أم بإصلاح ما يعانيه؟

ولأهلي من العرب والمسلمين في الغرب أقول:

لا تبحثوا عن صكوك القبول لدى من يرى هويتكم مشكلة.

ولا تجعلوا خوفكم من أن تُتهموا بأنكم «مختلفون» يدفعكم إلى الدفاع عن خطاب يعتبر اختلافكم ذاته سببًا للانتقاص من مواطنتكم.

من حقكم أن تختلفوا سياسيًا، ومن حقكم أن تكونوا يمينًا أو يسارًا، محافظين أو ليبراليين، وأن تنتقدوا هذا الحزب أو ذاك، وأن تختلفوا حتى مع أبناء جلدتكم في كل القضايا.

لكن لا تجعلوا الانتماء السياسي ثمنًا للتنازل عن كرامتكم، ولا تجعلوا التقرب من العنصرية وسيلة لإثبات أنكم «أفضل» من بقية أبناء هويتكم؛ فالذي يقيس الإنسان بدينه وأصله ولونه، لن تمنحه كثرة التصفيق ضمانة دائمة.

المواطنة حق، وليست منحة من سياسي..
والكرامة ليست امتيازًا يمنحه اليمين المتطرف لمن يرضى عنه، ولا يسحبها ممن يختلف معه.

ومن يعتقد أن المسلم يمكن أن يصبح «أكثر بريطانية» بمجرد أن يتبرأ من المسلمين، أو يصفق لمن ينتقص منهم، فهو لا ينتصر لنفسه؛ وإنّما يساعد، من حيث يدري أو لا يدري، في تثبيت المعيار العنصري الذي سيُستخدم غدًا ضده أو ضد غيره.

لهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع شخص قال جملة مستفزة فحسب، وإنما مع الفكرة التي تقف خلفها: أن هناك مواطنًا كاملًا ومواطنًا ناقصًا، وأن الدين يمكن أن يصبح مقياسًا للوطنية.

وهذه الفكرة، مهما ارتفع صوت أصحابها، لا ينبغي أن تصبح قاعدة في بريطانيا ولا في أي مجتمع يدّعي أنه يؤمن بالمساواة أمام القانون.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 9 أغسطس 2026
#شاهد جمال التناسق والدقة.. تأسرنا إدنبرة دائمًا بتفاصيلها التاريخية، إلا أن خروج الراقصين والراقصات بعد استعراض (Edinburgh Tattoo) ينقلنا إلى عصر آخر من الأناقة والتناسق؛ بخطوات موزونة وأزياء كلاسيكية لفتت الأنظار، وذلك عقب المهرجان الاستعراضي العسكري والموسيقي السنوي الذي يُقام…
𝕏 @alarabinuk · 9 أغسطس 2026
📌 20 كيلومترًا سيرًا على الأقدام وسط المخاطر.. رحلةٌ ملهمة لطالبٍ غزيّ وصل إلى أسكتلندا لمواصلة أبحاثه بدأت من خيمةٍ في خان يونس صرح طالبٌ فلسطيني يدرس الدكتوراه في جامعة غلاسكو بأن إتاحة فرص التعليم أمام مزيدٍ من الطلاب القادمين…
𝕏 @alarabinuk · 9 أغسطس 2026
"لا أريد أن أكون ثريًّا حتى لا أصبح كسولًا".. طفل بريطاني يشرح لمذيع BBC في مقابلة عفوية عام 1979 سبب رفضه القاطع للغنى الفاحش؛ إذ كان يعتقد أن مبلغ 100 باوند يُعدّ ثروة هائلة.😅 مع أزمة الغلاء في بريطانيا.. هل…
𝕏 @alarabinuk · 9 أغسطس 2026
وسط ترقبٍ لقراراتٍ حاسمة بشأن السجون والهجرة.. تقرير سكاي نيوز يحلل توقعات الشارع من جولة آندي بيرنهام الوطنية الشاملة خلال هذا الشهر وخططه لمواجهة غضب الشارع من غلاء المعيشة.. ماذا ينتظر البريطانيون من هذه الجولة؟ ما أهم قضية ترغبون أن…
عرض المزيد على X ←