العرب في بريطانيا | حين تُحاصر الشمسُ الخيام… صيفٌ آخر من الوجع في غزة

حين تُحاصر الشمسُ الخيام… صيفٌ آخر من الوجع في غزة

غزة
أميرة عليان تبلو يوليو 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس كلُّ ما يقتل في الحروب قذيفة، ولا كلُّ وجعٍ يترك أثره تصنعه الشظايا. فهناك آلامٌ لا يسمع العالم لها دويّاً، لكنها تنحت أجساد أصحابها وأرواحهم بصمتٍ لا يقل قسوة عن أصوات الانفجارات.

وفي غزة، حيث ضاقت الأرض بأهلها، لا يواجه الناس الحرب وحدها، بل يواجهون الفصول أيضاً. فإذا جاء الشتاء، أغرقت الأمطار خيامهم، وإذا حلّ الصيف، هبطت الشمس عليهم كأنها جبهة قتالٍ جديدة، لا تترك لهم ظلّاً يستريحون إليه، ولا نسمةً تخفف عنهم وطأة النهار.

لذلك، إذا رفعت يديك بالدعاء لغزة، فلا تكتفِ بأن تقول: اللهم انصرهم. بل قل أيضاً: اللهم الطف بأهل الخيام، وبرِّد عليهم لهيب هذا الصيف. فالدعاء الصادق لا يلامس العناوين الكبرى فحسب، وإنّما يعرف طريقه إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعاناة كل يوم.

هناك، لا تفصل الإنسان عن الشمس سوى قطعة قماشٍ أنهكها الحر، ولا يحميه من القيظ سقفٌ من إسمنت، ولا جدارٌ من حجر. تتحول الخيمة، التي أُقيمت أصلاً لتكون ملاذاً مؤقتاً، إلى صندوقٍ يحتبس فيه الهواء الساخن، فتغدو ساعات النهار امتحاناً جديداً للصبر، ويصبح مجرد التنفس جهداً إضافياً في حياةٍ أثقلتها المآسي.

والماء… ذلك الذي جعله الله سرَّ الحياة، يتحول إلى أمنية. يبحث عنه الأطفال كما يبحثون عن الأمان، وتنتظره الأمهات كما ينتظرن خبراً يطمئن القلوب. أما الظل، فقد صار رفاهيةً لا يملكها كثيرون، حتى باتت غيمةٌ عابرة حدثاً يستحق الامتنان.

الخيمة ليست بيتاً مهما حاولت الكلمات أن تلطّف الحقيقة. إنها شاهدٌ على بيتٍ غاب، وعلى مدينةٍ هُدمت، وعلى حياةٍ انقسمت إلى ما قبل النزوح وما بعده. هي عنوانُ انتظارٍ طويل، لا يعرف أصحابه متى ينتهي، ولا إلى أين يقودهم.

لكن أكثر ما يؤلم ليس حرارة الصيف وحدها، ولكن برودة الاعتياد. لقد اعتاد العالم هذه المشاهد حتى كادت تفقد قدرتها على إيقاظ الضمير. صار الطفل الذي ينام فوق الرمل صورةً عابرة، والأم التي تلوّح بقطعة كرتون لتصنع لطفلها نسمةً خفيفة مشهداً مألوفاً، والرجل الذي يقف ساعاتٍ بحثاً عن جرعة ماء رقماً جديداً في نشرات الأخبار.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية؛ حين يصبح التكرار سبباً في خفوت التعاطف. فما يراه الناس كل يوم قد يفقد عنصر المفاجأة، لكنه لا يفقد ألمه. وحدهم الذين يعيشون تحت تلك الخيام يعرفون أن النجاة ليست لحظةً عابرة، فهي معركةٌ تتكرر مع كل شروق شمس، ومع كل نهارٍ يهبط عليهم بثقله.

إن الدعاء ليس كلماتٍ تُقال على عجل، فهو مشاركةٌ وجدانية تعترف بإنسانية من يتألم. وحين تقول: اللهم برّد عليهم لهيب هذا الصيف، فأنت لا تصف حالةً مناخية، بل تستحضر إنساناً يقف تحت سماءٍ مفتوحة، لا يملك من أسباب الاحتمال إلا ما يبثه الله في قلبه من صبر.

وفي هذا الدعاء إيمانٌ بأن اللطف الإلهي قد يأتي في صورة غيمة، أو نسمة، أو شربة ماء، أو قلبٍ لم ينسهم رغم ضجيج العالم. فالرحمة هي أيضاً لطفٌ خفيٌّ يخفف قسوة الطريق حتى يحين الفرج.

قد لا نملك أن نغيّر الواقع بأيدينا، لكننا نملك ألا نسمح له بأن يتحول إلى خبرٍ عابر أو رقمٍ جديد في سجل المآسي. نستطيع أن نحفظ للإنسان وجهه واسمه وحكايته، وأن نتذكر أن خلف كل خيمة بيتاً كان عامراً، وحلماً كان يكبر، وحياةً كانت تشبه حياة كل الناس قبل أن تسرقها الحرب.

ولعل أجمل ما يفعله الدعاء أنه يحفظ القلب حيّاً. فمن يحمل الناس في دعائه، لا يستطيع أن يمر على آلامهم مروراً بارداً. يبقى في داخله متسعٌ للرحمة، وإيمانٌ بأن الله يسمع أنيناً قد لا يسمعه أحد، ويرى دمعةً قد تغيب عن عيون العالم كله.

فإذا رفعت يديك، فلا تجعل الدعاء عامّاً حتى يذوب في عموم الكلمات. اذكر تفاصيل وجعهم، وقل: اللهم الطف بأهل غزة، اللهم الطف بأهل الخيام، وبرّد عليهم لهيب هذا الصيف، واسقهم من رحمتك قبل الماء، وأظلهم بلطفك قبل الغمام، واجعل لهم من كلّ ضيقٍ مخرجاً، ومن كل كربٍ فرجاً، ومن كل انتظارٍ نهايةً تليق بصبرهم.

فلعل دعوةً خرجت من قلبٍ صادق، لا يعرف أصحابها، تكون عند الله أعظم أثراً من آلاف الكلمات التي وصفت المأساة، لكنها لم تحمل لها رحمة.

إذا حرّك هذا المقال شيئاً في قلبك، فلا تدع التعاطف يتوقف عند حدود الكلمات؛ فأهل غزة لا يحتاجون إلى الدعاء وحده، فهم يحتاجون أيضاً إلى من يترجم هذا الشعور إلى فعلٍ يخفف عنهم شيئاً من قسوة الأيام.

إن التبرع، مهما بدا بسيطاً، قد يكون وجبةً لعائلة، أو جرعة ماء، أو دواءً لمريض، أو خيمةً تقي طفلاً حرَّ الصيف ولهيب الشمس. وما تقدمه اليوم قد يصنع فرقاً حقيقياً في حياة إنسان ينتظر بصيص أمل.

وتوصي منصة العرب في بريطانيا بدعم المؤسسات الإنسانية الموثوقة التي تعمل على إيصال المساعدات إلى المدنيين في غزة. ويمكنكم التبرع عبر رابط المؤسسة الموصى بها أدناه، والمساهمة في إيصال الإغاثة لمن هم بأمسّ الحاجة إليها.

الدعاء يحيي الأمل… والتبرع يمنحه أثراً على الأرض.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
R to @AlARABINUK: لقراءة المقال كاملًا: https://alarabinuk.com/?p=235873
𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
هل يتعارض تشجيع المنتخب الإنجليزي مع الانتماء لفلسطين؟ عدنان حميدان @AdnanHmida41996 يطرح رؤية مختلفة حول العلاقة بين الانتماء، والامتنان، والهوية، ويجيب عن سؤال يتكرر مع كل بطولة كروية. هل تتفقون مع هذا الطرح أم لكم وجهة نظر مختلفة؟ شاركونا آراءكم…
𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
حظي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بتصفيق حار من نواب حزب العمال والديمقراطيين الأحرار، بعد إلقائه آخر رد له خلال جلسة مساءلة رئيس الوزراء قبل مغادرته منصبه. واختتم ستارمر كلمته برسالة شخصية قال فيها: "إلى كل من يكافح كي يُسمع…
𝕏 @alarabinuk · 15 يوليو 2026
أصداء دمشق تنبض في قلب لندن.. 🇸🇾 في أمسية استثنائية نظمها "ديوان الشذر الثقافي"، التقى الحنين بالشعر والموسيقى مع الشاعر السوري هاني نديم وعزف الفنان ثائر الجوهري، ليرسموا معًا لوحة وطن لا يغيب. #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية الشعرية ⤵️…
عرض المزيد على X ←