رُبَّ صُدفةٍ من القدر خيرٌ من أَلف ميعاد
نقضي أعمارنا نرسم المواعيد، ونُحكم إغلاق الساعات، ونظنّ أنّ الحياة لا تسير إلّا وفق ما خططنا له. نؤجل الأحلام إلى يوم، ونربط اللقاءات بتاريخ، ونحسب أن المستقبل دفترٌ نملأ صفحاته كما نشاء. لكن الحياة، في كل مرة، تبتسم ابتسامتها الغامضة، ثم تقلب الصفحة دون أن تستأذن أحداً، لتخبرنا أن أعظم ما فيها لم يكن يوماً ابنَ التخطيط، كان ابنَ القدر.
رُبَّ صدفةٍ واحدة، جاءت من حيث لا ننتظر، بدّلت حياةً كاملة، بينما عجز ألف موعدٍ مُرتَّب عن أن يغيّر فيها شيئاً.
والحق أن ما نسميه “صدفة” ليس دائماً صدفة. إنه الاسم الذي نمنحه لما نعجز عن رؤية خيوطه. أما القدر، فهو يرى الصورة كاملة، بينما لا نرى نحن إلا زاويةً صغيرة منها. نحن نعيش اللحظة، أما القدر فينسج الزمن كله في نسيجٍ واحد، فيأتي بما نظنه مفاجأة، وهو عند الله تدبيرٌ محكم، لا يضل ولا ينسى.
كم من إنسان خرج من بيته يريد مكاناً، فانتهى به الطريق إلى حياةٍ أخرى. وكم من لقاءٍ لم يكن في الحسبان، أصبح أعظم علاقة عرفها القلب. وكم من كلمةٍ قيلت على عجل، صنعت أثراً بقي سنين طويلة، بينما خطاباتٌ طويلة، كُتبت بعناية، عبرت دون أن تترك في الروح أثراً.
ليست قيمة الأشياء في مقدار الإعداد لها، ولكن في البركة التي يضعها الله فيها.
نحن نحب السيطرة؛ لأنها تمنحنا وهم الأمان. نحب أن نعرف ماذا سيحدث غداً، ومع من سنلتقي، وكيف ستسير الأيام. لكن الحياة لا تكشف أسرارها لمن يريد إخضاعها، بل لمن يتعلم أن يسير فيها بقلبٍ مطمئن، يعلم أن الخير قد يأتي من بابٍ لم يخطر له على بال.
ولذلك، فإن الإنسان كلما تقدم في العمر، أدرك أن أكثر المحطات تأثيراً في حياته لم تكن تلك التي خطط لها طويلاً، وإنما تلك التي جاءت فجأة، دون موعد، ودون إنذار، وكأن القدر كان يقول له: لو أخبرتك بها مسبقاً، لما صدقتها.
من هنا، يصبح الإيمان بالقدر طمأنينة. فالاستسلام أن يترك الإنسان السعي، أما الإيمان، فهو أن يسعى بكل ما أوتي من قوة، ثم يرضى بما يختاره الله له، لأنه يعلم أن الحكمة لا تُقاس بما يراه الآن، يُقاس بما ستكشفه الأيام لاحقاً.
وكم من بابٍ أُغلق فبكينا عنده، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان رحمةً في صورة حرمان. وكم من طريقٍ تمنيناه، فلم يُكتب لنا، ثم رأينا بأعيننا كيف كان سيقودنا إلى ما لا نحب. عندها فقط، نفهم أن القدر لم يكن يمنعنا، كان يحمينا، ولم يكن يؤخرنا، كان يعدّ لنا وقتاً أنسب، ومكاناً أجمل، ونصيباً أكرم.
إن الإنسان يقيس الأحداث بحجم اللحظة، أما القدر فيقيسها بعمرٍ كامل. لذلك، قد يبدو التأخير خسارة، ويبدو المنع قسوة، وتبدو الصدفة عبثاً، بينما هي في حقيقتها حلقاتٌ في سلسلةٍ محكمة، لو اختلّت منها حلقة واحدة، لتغيّرت القصة كلها.
ولهذا، لا ينبغي أن نحزن إذا فاتنا موعد، أو تأخر لقاء، أو تبددت خطة. فربما كانت الحياة تسوق إلينا موعداً آخر، لم نطلبه، لكنه خيرٌ مما تمنينا. وربما كان الطريق الذي ضللناه، هو الطريق الذي سيقودنا إلى أنفسنا.
ما أكثر الذين التقوا بأشخاصٍ غيّروا حياتهم لأنهم أخطؤوا في عنوان، أو تأخروا عن قطار، أو جلسوا في المقعد الخطأ، أو قالوا كلمةً عابرة. تلك التفاصيل الصغيرة التي لا نعيرها اهتماماً، قد تكون عند القدر مفاتيح لأبوابٍ عظيمة.
ولعل أجمل ما في القدر أنه لا يخبرنا بما يخبئه لنا. فلو عرف الإنسان كل الخير القادم، لفقدت المفاجآت معناها، ولما عرف قيمة الدهشة، ولا لذة الانتظار، ولا جمال أن يكتشف في نهاية الطريق أن الله كان يدبر له ما هو أجمل مما كان يدبره لنفسه.
لهذا، لا تُفرط في التعلق بما خططت له، ولا تظن أن الخير محصور فيما رسمته يدك. فكم من حلمٍ لم يتحقق، فكان سبباً في أن يتحقق ما هو أعظم. وكم من موعدٍ لم يأتِ، لأن القدر كان يدخر لك لقاءً لا يشبه سواه.
إن الحياة لا تُقاس بعدد المواعيد التي أوفيناها، ولكن بعدد اللحظات التي غيّرتنا، وأكثر تلك اللحظات لم تطرق الباب قبل أن تدخل.
ولعل الحكمة التي يهمس بها العمر في أذن الإنسان بعد سنواتٍ طويلة هي أن ما كتبه الله لك سيأتيك، ولو ضل الطريق إلى الجميع، وأن ما لم يُكتب لك لن تناله، ولو اجتمع العالم على إيصاله إليك. وبين هذا وذاك، يبقى القلب المؤمن مطمئناً، يسعى، ويأمل، ويبتسم لكل مفاجأة، لأنه يعلم أن رُبَّ صدفةٍ من القدر، خيرٌ حقاً من ألف ميعاد.
الرابط المختصر هنا ⬇