لندن بلا صحافتها العربية
لم أُظهر وجعي أمامها. نحن أبناء هذه المهنة نتقن إخفاء الألم كما لو أنه جزء من قواعد العمل. لكنّها بلا شك قرأت الخيبة على وجهي وأنا أحيّيها ببرود أمام طاولتها الصغيرة المزدحمة بحليّ رخيصة لا تشبه شيئاً من تاريخها. كيف يمكن لامرأة كانت تُستدعى لتحليل قضايا العالم… أن تُختزل اليوم إلى بائعة إكسسوارات في سوق يفتح نهاية الأسبوع بضاحيتنا اللندنية الهادئة؟
هذه السيدة الإنجليزية كانت وما زالت صحافية بارعة في الغارديان، ضيفة دائمة على الشاشات، تكتب في السياسة بثقة من يعرف أن كلمته تُحرّك الرأي العام. أصدرت كتاباً سياسياً حصلت على نسخة منه، ووجدت مقالاتها طريقها إلى أرقى المجلات السياسية الأميركية، مثل Foreign Policy، كانت جزءاً من المشهد، لا ظلاً على حافته.
تعارفنا أكثر عندما سافرنا معاً قبل أكثر من عشر سنوات للمشاركة في ندوة صحافية في الإمارات. بقينا على تواصل، ولم يخطر ببالي لحظة أنها ستقف يوماً خلف طاولة في سوق شعبي صغير أتجول فيه مع زوجتي كل نهاية أسبوع. أيُّ مهنة هذه التي تُسقط أصحابها من دون أن ترفّ لها عين؟ وأيُّ زمن هذا الذي يجعل الصحافي يبحث عن قوت يومه بين بضائع رخيصة بعدما كان يبحث عن الحقيقة بين دهاليز السياسة؟
ما زالت (…) تكتب، لكن الكتابة لم تعد تكفي للعيش. فهل أصبحت اللغة نفسها عاجزة عن حماية أصحابها؟ هل وصلنا إلى مرحلة يضطر فيها الصحافي إلى عملٍ ثانٍ كي يواصل عمله الأول؟ وهل ما زالت الصحافة مهنة… أم تحوّلت إلى هواية مكلفة لا يقدر عليها إلا من يملك دخلاً آخر؟
وهي ليست النموذج الوحيد. هناك جيش كامل من الصحافيين البريطانيين الذين صاروا يشبهون أصحاب عربات الخيول بعد اختراع السيارة بداية القرن الماضي، يواصلون السير، لكن العالم تجاوزهم بلا اكتراث. فهل المشكلة في الصحافة… أم في العالم الذي لم يعد يريد أن يسمع؟ هل نحن الذين تغيّرنا… أم أن الحقيقة نفسها فقدت قيمتها في سوقٍ يشتري كل شيء إلا الصدق؟
عدتُ إلى غلاف مجلة نقابة الصحافيين البريطانيين NUJ الذي صدر مطلع هذا العام. غلاف موجع: رسّام يصوّر صحافياً يعمل نادلاً ليلاً، يحمل الصواني بيد، ويكتب بلغته وشغفه باليد الأخرى صباحاً. صورة تختصر سؤالاً لا يريد أحد أن يجيب عنه: كيف تحوّل الصحافي من صانع رأي إلى نادل في حانة أو مطعم؟ ومن شاهد على العالم إلى شاهد على سقوط مهنته؟ ومن صاحب صوت إلى صاحب عمل إضافي؟
وإذا كان هذا حال الصحافة في بريطانيا، فكيف يبدو المشهد في أماكن أخرى؟ وإذا كان الصحافي لا يستطيع العيش من مهنته، فمن سيبقى ليكتب؟ وإذا غاب الكاتب، فمن سيحرس الحقيقة؟ أم أننا ببساطة نعيش زمناً لم يعد فيه أحد يريد حارساً للحقيقة أصلاً؟
هنا لا تعود الحكاية مجرد مشهد إنساني في سوقٍ صغير، بل جزءاً من لوحة أوسع لأزمة مهنة بأسرها. فالأرقام التي تُنشر عن أوضاع الصحافيين في بريطانيا لا تترك مجالاً كبيراً للوهم أو التجميل؛ في عام واحد فقط، أُعلن عن آلاف حالات التسريح في غرف الأخبار في بريطانيا، مع ما لا يقل عن نحو ثمانية آلاف وظيفة صحافية فقدت في 2023، ثم ما يقرب من أربعة آلاف أخرى في 2024، وفق رصد صحافي متخصص في متابعة صناعة الإعلام. هذه الأرقام لا تشمل بالضرورة المؤسسات الصغيرة والمحلية التي تُغلق بصمت، من دون بيان ولا نعي، لكنها تكشف على الأقل اتجاه الريح، الصحافة نفسها تُقلّص جسدها، وتستغني عن أطرافها الحيّة، وتطلب من من بقي أن يعمل أكثر مقابل أمان أقل.
وفي خلفية هذه الأرقام، تظهر صورة أخرى لا تقل قسوة. تراجع العقود الدائمة، وتزايد عدد الصحافيين العاملين بنظام حرّ أو مؤقت، وتآكل الشعور بالاستقرار المهني، كما تشير دراسات حديثة عن واقع الصحافيين في بريطانيا في العقد الحالي. الصحافي الذي كان يظن أن بطاقة الاعتماد الصحافي هي نوع من الحماية الرمزية، يجد نفسه اليوم في سوق عمل هشّ، يتنافس فيه مع الخوارزميات، ومع منصات رقمية لا ترى في الخبر إلا «محتوى» يجب أن يُنتج بأقل تكلفة وأعلى سرعة.
النقابات المهنية -وعلى رأسها نقابة الصحافيين البريطانيين- لا تكفّ عن إصدار بيانات الغضب والتحذير مع كل موجة تسريح جديدة، سواء في المؤسسات الوطنية الكبرى أو في الصحافة المحلية التي كانت يوماً عصب الحياة الديمقراطية في المدن والبلدات. عشرات الصحافيين يُوضعون «تحت الخطر» في كل جولة إعادة هيكلة، ويُطلب منهم أن يعيدوا التقدّم لوظائف أقل عدداً وأقل أماناً، فيما تُغلق صفحات، وتُدمج غرف أخبار، وتُختزل التغطيات في فرق أصغر، أو تُسلَّم تدريجياً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. السؤال الذي يطفو هنا ليس فقط، من يفقد عمله؟ بل: أي نوع من الصحافة سيتبقى بعد كل هذه الجراح؟
إذا كان هذا هو المشهد في بلد مثل بريطانيا، حيث ما زالت الصحافة جزءاً من بنية الديمقراطية، وتحظى بنقابة قوية وصوتٍ مسموع في المجال العام، فكيف يبدو حال الصحافة العربية في لندن، تلك التي كانت تُقدَّم يوماً بوصفها «منفىً حراً» للكلمة العربية، ونافذة على العالم السياسي العربي من خارج الرقابة الرسمية؟
الصحافة العربية في لندن، التي كانت تصدر من قلب مدينة تحمل سمعة الحرية، أغلقت أبوابها واحدةً تلو الأخرى، أو تحوّلت إلى ظلال رقمية باهتة لا تصنع مشهداً ولا تُغيّر نقاشاً. صحف كانت تُقرأ في العواصم العربية بوصفها «صوت الخارج» فقدت تمويلها، أو استُبدلت بمنصات سريعة الاستهلاك، أو ذابت في زحام الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي. لم تعد هذه الصحافة قادرة على أن تكون لاعباً مؤثراً في صناعة المشهد السياسي العربي، رغم أنها تصدر من مدينة تتيح لها ما لا يتاح لصحف الداخل من هامش حرية ومسافة نقد.
كان لدينا -نحن المغتربين العرب- ما يعادل “فيليت ستريت” وامتدت مبان في شارع همرسميث لصحف عربية من صحيفة “العرب” الذي كانت أول صحيفة عربية تصدر في لندن عام 1977 ثم “الشرق الأوسط” وبعدها “الحياة” ثم “القدس العربي” و”الزمان” و”العربي الجديد”… لم يبق من هذه الصحف غير الذكرى ولم تصمد منها غير صحيفتين فقط! بينما أغلقت القنوات الفضائية التي وجدت من لندن موقعاً متميزاً لها وغادرت نحو عواصم آمنة مالياً!
فإذا كان الصحافي البريطاني اليوم يضطر إلى العمل نادلاً أو بائعاً في سوقٍ شعبي كي يواصل الكتابة، فإن الصحافي العربي في لندن يواجه نوعاً آخر من الخسارة. خسارة المنبر نفسه. المنصة التي كانت تمنحه القدرة على مخاطبة العالم العربي من خارج حدوده السياسية، تراجعت أو اختفت، تاركة فراغاً في الفضاء العام العربي لا تملؤه بالضرورة المنصات الجديدة، مهما بدت صاخبة أو واسعة الانتشار.
هنا تتكثّف الأسئلة المريرة: هل يمكن أن نتحدث عن «صحافة عربية في لندن» بالمعنى الذي عرفناه في الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية، أم أننا أمام أطلال تجربة لم تُستكمل؟
هل المشكلة في نماذج التمويل التي ربطت هذه الصحف بأمزجة حكومات أو رجال أعمال، أم في تحوّل الجمهور العربي نفسه إلى منصات أخرى لا يثق فيها بالضرورة، لكنه يجدها أقرب وأسرع؟
هل ضاق العالم بالصحافة الورقية والمطبوعة إلى هذا الحد، أم أن الصحافة العربية لم تنجح في أن تعيد اختراع نفسها في زمن الرقمنة، فخرجت من اللعبة قبل أن تنتهي المباراة؟
وإذا كانت الصحافة البريطانية، بكل تاريخها ومؤسساتها العريقة، تعيش أزمة وجودية تدفع صحافييها إلى أعمال إضافية، فكيف يمكن لصحافة عربية مهاجرة في لندن أن تصمد من دون بنية اقتصادية واضحة، ومن دون جمهور مستعد أن يدفع ثمن الكلمة، ومن دون مؤسسات ترى في الصحافة استثماراً في الوعي لا عبئاً مالياً يجب التخلص منه؟
في النهاية، تبدو قصة صديقتي الصحافية الإنجليزية التي تبيع الحلي في سوق نهاية الأسبوع، وقصة الصحافة العربية التي فقدت بيتها في لندن، وجهين لعملة واحدة. عملة زمنٍ يطالب الصحافي بأن يدفع ثمن شغفه من جيبه، وأن يواصل الكتابة حتى وهو يعمل نادلاً أو بائعاً أو موظفاً عابراً؛ لأن المهنة لم تعد قادرة على أن تعيله.
يبقى السؤال معلّقاً بلا إجابة مطمئنة: إذا كانت الصحافة لا تستطيع أن تحمي أبناءها في لندن، فكيف ستستطيع أن تحمي الحقيقة في العالم العربي الذي كان ينتظر منها أن تكون صوته الحرّ من هناك؟
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇