من إدوارد سعيد إلى فلسطين اليوم: كيف صار الاستشراقُ أداةً في التغطية الإعلامية؟
لم ينتهِ الاستشراق مع الاستعمار القديم. الفكرة بقيت لكن اللغة تغيّرت: كلمات أكثر “مهنية”، وصور أنيقة، لكن النتيجة واحدة غالبًا: شرقٌ يُروى من خارج صوته، وفلسطين في قلب هذا المشهد.
أين المشكلة؟

في كثير من التغطيات الغربية، يظهر الشرق الأوسط -وخصوصًا فلسطين- ضمن قوالب جاهزة: “عقلاني مقابل عاطفي”، و“تحضّر مقابل فوضى”، و“دفاع عن النفس مقابل ردّ غاضب”. تُستعمل مفردات قانونية وحيادية ظاهريًّا، لكنها تخفي عدمَ التكافؤ على الأرض. وهكذا يتحوّل الظلم إلى “اشتباك”، والمُعتدي إلى “طرف”.
فلسطين… الاختبار الأوضح

فلسطين تكشف القالب سريعًا. تُساوى الضحية بالجلّاد بذريعة “التوازن”، وتُعاد صياغة الوقائع بطريقة تُبعد الفاعل عن الجملة عندما لا تُناسب الرواية. تُرفع شعارات “الموضوعية”، لكن النتيجة كثيرًا ما تكون تمييعًا للسياق وتجاهلًا لميزان القوة.
الأثر داخل بريطانيا
هذا لا يبقى في الأخبار الخارجية فقط. عربي بريطانيا يدفع ثمن الصورة المسبقة في الجامعة والعمل والإعلام؛ يُسأل عن “رأي العرب” كأنه يمثل أمة بأسرها، أو يُستدعى فقط لقضايا الشرق الأوسط. ومع فلسطين، يزداد الحذر والرقابة الذاتية؛ خوفًا من سوء التأويل. هذه ليست رفاهية لغوية؛ إنها أسئلة مواطنة ومشاركة متكافئة في الفضاء العام.
ماذا نفعل؟ خمس قواعد عملية
1) سمّوا الأشياء بأسمائها: لا تُخفوا الفاعل ولا تستبدلوا الوقائع بألفاظ مطّاطة. الدقة ليست ضدّ التوازن.
2) نوّعوا المصادر بجدّ: الوجوه العربية الرمزية لا تكفي. نحتاج شهودًا من الميدان، وخبراء بوجهات نظر مختلفة.
3) أعيدوا الإنسان إلى الخبر: القانون مهم، لكن تجريده من الناس يقتل المعنى. الأسماء والقصص جزء من الحقيقة.
4) انتبهوا لإرث المصطلحات: تعابير مثل “معتدل/متشدّد” أو “ثقافة العنف” تحمل أحكامًا مسبقة. افحصوا اللغة قبل نشرها.
5) صحّحوا علنًا: الاعتراف بالأخطاء وبنشر التصحيح يبني ثقة الجمهور ويُحسّن الجودة التحريرية.
سياسةُ الحقيقة من سعيد إلى اليوم

علّمنا إدوارد سعيد أن المشكلة ليست في “ما نعرف عن الشرق”، بل كيف نعرفه ولأي غاية. اليوم تُدار “سياسةُ الحقيقة” عبر اختيار الإطار، وتحديد الفاعل، وترويض الكلمات. ومواجهتها لا تكون بشعارٍ أعلى صوتًا، بل بحرفةٍ أصدق: مصدرٌ أوسع، ولغةٌ دقيقة، ومساحةٌ عادلة لما حُذِف طويلًا.
ليست معركتنا ضد الغرب، بل ضد أيّ نظام يستبدل الإنسان بالنموذج، والحقيقة بالصياغة. والسؤال الذي يجب أن يُقلق كلَّ غرفة أخبار: كم حربًا يصنعها قاموسٌ واحد؟ وكيف نكتب، أخيرًا، لغةً لا تُوظَّف للهيمنة بل تُحرّر المعنى؟
إقرأ أيضا
- خبير بريطاني يحذّر: الهوية الرقمية للأطفال قد تهدد أمنهم الإلكتروني
- 10 ملايين باوند لحماية مساجد بريطانيا بعد سلسلة من هجمات الكراهية
- أبرز عناوين الصحف البريطانية ليوم الجمعة 17 أكتوبر 2025
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



