مائة عام على “الغزالي”
ذكرت فيما سبق أن الشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد قطب -عندي- هما قطبا الرحى للمسلم العربي الحر المنطلق من قيَمه ومبادئه، المنفتح على ما عند الآخرين من غير جحودٍ ولا ذوبان، المواجه لأسئلة المشككين من غير تهرّب ولا سطحية.
من سوء حظي العاثر أني ظفرت بمعرفة القامتين مؤخراً، وها أنا ذا أحاول تتبع نتاجهم وفكرهم. ولأني أميل تلقائياً لمن يعرّف التاريخ بأنه ما يحتاج الناس إلى تذكره، وجدت من الواجب عليّ تذكير القرّاء بشخصه الكريم؛ لما له من أثر كبير على تراث الفكر الإسلامي المعاصر.
قلت: لو أنّ مصادفة الجغرافيا -إذا صح التعبير- أوجدت الشيخ بين ظهراني بلاد بني الأصفر؛ لتغنَّوا به أبد الدهر، ولشُيّدت المراثي، ونُصبت التماثيل تذكيراً وفخراً به.
فمن باب (نحن أولى بموسى منهم) رأيت أنه لمن دواعي الفخر أن يتسنى لقلمي الكتابة عن مثل هذا الجهبذ العلَم، حيث إنه يصدُقُ عليه رثاء الخنساء لأخيها:
وإنّ صخراً لتأتم الهُداةُ به
كأنّه علمٌ في رأسه نارُ
أما مسألة المائة عام الموضّحة أعلى المقال، فهي التِقاطة من المؤرخ الألمعي محمد إلهامي فقد كتب يرثي الشيخ في صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد ولد الشيخ يوم الـ22 من شهر سبتمبر من عام 1917 للميلاد، أي ما بين مولده ويوم الناس هذا مائة عام أو يزيد قليلًا.
ولعلّ مما ساعد على نضوج فكر الشيخ هو مولده فترة المخاض التي مرَّت بها المنطقة، فقد تزامنت بدايته مع أفول الإمبراطورية البريطانية وجارتها فرنسا، وحلول روسيا ستالين وأمريكا فرانكلين روزفلت مكانهما. بزوغ هاتين القوتين صاحَبَه -ولا ريب- أفكار انتشرت كالداء العضال في جسد العالم الإسلامي المنهك كالشيوعية والرأسمالية والاشتراكية وغيرها.
هيمنة الاستعمار على المنطقة أفرزت أزمات ما زالت تعاني منها الأمة إلى الآن، بدءاً من ولادة ربيبة الغرب -إسرائيل- واحتلال فلسطين، مروراً بمحنة الإخوان المسلمين وبداية عصر العسكر في مصر، وما صاحبها من أحداث كـ”نكسة 1967 وحرب أكتوبر 1973″، وانتهاءً بالثورة الإيرانية، وحادثة جهيمان والتعدي على الحرم وغيرها من النوازل.
ومما لا يفوت ذكره أنّ الشيخ عاصر في حياته قامات فكريّة كانت لها صولات وجولات وقتئذ، كأمثال علي عزت بيجوفيتش، ومحمد إقبال، وأبي الأعلى المودودي، ومصطفى السباعي، والبشير الإبراهيمي، وسيد قطب وأخيه وآخرين.
كما شهد الشيخ ذروة النهضة الأدبية والفكرية في مصر والعالم الإسلامي، يوم أن كانت (مجلة الرسالة) ميداناً للعمالقة كأمثال أحمد حسن الزيّات، وطه حسين، والرافعي، ونجيب محفوظ، والعقاد، وزكي مبارك… إلخ.
والحق أقول إنه ليس بالإمكان تقديم مادة وافية عن إسهامات الشيخ في هذه المساحة، لكنها مجرد إشارة، والإشارة خير عند العجز عن الإحاطة كما يقول العقاد: أفضل من عجز المحيط، طاقة المُشير.
مما ينبغي ذكره أنّ قلم الشيخ قد انبرى في تفنيد الشبهات المثارة على تعاليم الشارع؛ فكتب على سبيل المثال: “جدِّد حياتك” و”خلق المسلم” وغيرهما لبني جلدته، و”ظلام من الغرب” و”حقوق الإنسان” وغيرها يخاطب فيها الآخرين.
رحل عن دنيانا الشيخ يوم السبت الـ20 من شوال من عام 1416 للهجرة، الموافق الـ9 من مارس 1996 للميلاد عن عمر ناهز 78 عاماً، إثر ذبحة صدرية لازمته إبّان مشاركته في مؤتمر الإسلام وتحديات العصر، بمدينة الرياض.
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ
ولا شاةٌ تموتُ ولا بعيرُ
ولكنّ الرزية فقد حر
يموت بموته خلق كثيرُ
الرابط المختصر هنا ⬇


