عقول العراق في لندن ترسم خارطة طريق لإنقاذ “بلاد الرافدين” من شبح الجفاف والذكاء الاصطناعي يدخل خط المواجهة
في وقت يواجه فيه “مهد الحضارات” تحديات مناخية وبيئية غير مسبوقة، احتضنت العاصمة البريطانية لندن، وتحديداً قاعات جامعة (UCL) العريقة، تظاهرة علمية ودبلوماسية استثنائية.
إذ نظمت جمعية البيئة والصحة العراقية في المملكة المتحدة (IEHS-UK) مؤتمرها العلمي الدولي التاسع عشر، بالتعاون مع السفارة العراقية، وتحت شعار: “دور الابتكارات والتقنيات في الإدارة المستدامة للمياه ومعالجة التلوث البيئي في العراق”.
دبلوماسية العلم: حضور رسمي ودعم مؤسسي

افتتحت الفعالية الأستاذة الدكتورة جيهان بابان، رئيسة الجمعية، بكلمة أكدت فيها أن هذا اللقاء ليس مجرد استعراض للأبحاث، بل هو “غرفة عمليات” لمد جسور المعرفة بين الكفاءات العراقية المهاجرة وصناع القرار في بغداد.
وشهد المؤتمر حضوراً دبلوماسياً بارزاً، حيث شارك سعادة المستشار أمير عبد الحسين الفتلاوي، نيابةً عن سعادة سفير جمهورية العراق الدكتور صالح حسين التميمي. ونقل المستشار الفتلاوي دعم السفارة الكامل لهذه المنصة العلمية، مؤكداً أن الدولة العراقية تعول على عقول أبنائها في الخارج لرفد ملفات الأمن المائي والبيئي بابتكارات عالمية قادرة على إحداث فرق حقيقي على أرض الواقع.
الجلسات العلمية: تشخيص الداء ووصفة الدواء

على مدار يوم كامل، قُدمت أوراق بحثية اتسمت بالجرأة والعمق التقني، توزعت على ثلاث جلسات رئيسة:
-
الجلسة الأولى: السيادة المائية و”دبلوماسية التجفيف”
ترأست الجلسة السيدة نوار عبد الهادي، وشهدت عرضاً مهماً قدمه الدكتور جاسم عبد العزيز حمادي (وكيل وزير البيئة العراقي) بشأن تأثيرات التغير المناخي المتسارعة.
فيما أثار الدكتور تورخان المفتي (مستشار رئيس الوزراء) تفاعلاً كبيراً بطرحه مفهوم “دبلوماسية التجفيف”، محذراً من تحول شح المياه إلى أداة ضغط إقليمية.
ومن جانبه طرح البروفيسور نذير الأنصاري حلولاً هندسية لتخزين الطاقة في المياه الجوفية، في حين ركز البروفيسور سلمان الرواف (إمبيريال كوليدج) على الارتباط الوثيق بين تلوث المياه وانهيار منظومة الصحة العامة.
-
الجلسة الثانية: ثورة الذكاء الاصطناعي في خدمة البيئة
انتقلت الجلسة برئاسة الدكتورة جيهان بابان إلى “لغة المستقبل”، حيث استعرض البروفيسور كيران توتا-ماهاراج تقنيات استصلاح مياه الصرف الصحي، وقدم الدكتور دومينيك كلايد-سميث (UCL) رؤية رائدة بشأن استخدام “الذكاء الاصطناعي (Edge AI)” للمراقبة اللحظية لجودة المياه، وهو ما يمثل ثورة تقنية في الكشف عن التلوث قبل استفحاله.
كما قدم الخبير ستيف روان استراتيجيات دولية لمكافحة التدهور البيئي الشامل.
-
الجلسة الثالثة: النفط والإشعاع.. تحديات تحت المجهر
اختتمت الجلسات بنقاشات فنية، حيث ركز البروفيسور عادل شريف على تحلية المياه بالطاقة المتجددة، وناقش الأستاذ الدكتور حسين الحلبي كيفية إدارة المياه في القطاع النفطي لتقليل الهدر.
وفي ورقة بالغة الأهمية، حذر الأستاذ الدكتور حسين البهادلي من مخاطر التلوث الإشعاعي، مقترِحاً حلولاً قائمة على الذكاء الاصطناعي للإدارة المستدامة للموارد.
تصريح خاص: السفارة “بيت العلماء” ونقطة الانطلاق

وفي حديث خاص لمنصة “العرب في بريطانيا” أكدت البروفيسور جيهان بابان، رئيسة جمعية البيئة والصحة العراقية، القيمة النوعية لهذا المؤتمر، مشيرة إلى أنه يمثل انعطافة حقيقية في مسيرة الجمعية.
وقالت بابان: “إن النسخة التاسعة عشرة تختلف جوهرياً عن سابقاتها؛ فقد تجاوزنا مرحلة تشخيص الأزمات لنركز بكل ثقلنا على طرح الحلول العملية والتقنية القابلة للتطبيق؛ لمواجهة كابوس الجفاف وشح المياه الذي يهدد بلادنا”.
كما ثمنت البروفيسور بابان الدور المحوري للسفارة العراقية في لندن، واصفة إياها بـ “البيت الذي فتح أبوابه للعلم والعلماء”، مشيدةً بالدعم اللامحدود من سعادة السفير الذي جعل من الدبلوماسية مظلة حامية للمبادرات العلمية. واختتمت حديثها بتوجيه شكر عميق للعلماء والباحثين الذين تجشموا عناء الحضور، مؤكدة أن تكاتفهم هو الضمانة الوحيدة لتحويل الأبحاث إلى واقع ملموس يحمي بيئة العراق.
ختامًا: هل تنجح “دبلوماسية العقول” فيما عجزت عنه السياسة؟

بالنظر إلى مخرجات هذا المؤتمر، يمكن استخلاص أبعاد استراتيجية تتجاوز الإطار الأكاديمي:
- أولاً: التحول الرقمي بوصفه ضرورة سيادية:كشف المؤتمر أن الحل القادم للعراق لن يكون تقليدياً. إن تبني تقنيات “الذكاء الاصطناعي” و”الاستشعار عن بُعد” هو السلاح الوحيد لتعويض النقص في الموارد المائية وتحسين كفاءة الإدارة في ظل التحديات الإقليمية.
- ثانياً: مأسسة العلاقة مع المهاجرين:حضور المستشار الفتلاوي نيابة عن السفير يعكس إدراكاً رسمياً بأن الكفاءات العراقية في لندن تمثل “خزاناً استراتيجياً” للفكر والابتكار، وأن تحويل توصياتهم إلى تشريعات وبرامج عمل هو الممر الإلزامي للإنقاذ.
- ثالثاً: لغة “دبلوماسية المياه” الجديدة:طرح مصطلحات مثل “دبلوماسية التجفيف” في قلب لندن يبعث برسالة قوية للمجتمع الدولي؛ فالعراق اليوم يسلّح موقفه التفاوضي ببيانات علمية رصينة وحقائق تقنية، ما يقوي موقفه في المطالبة بحقوقه المائية التاريخية.
خرج مؤتمر “لندن التاسع عشر” بمانيفستو تقني واضح: العراق يمتلك العقول والحلول، لكنه يسابق الزمن.
لقد وضع العلماء الكرة في ملعب السلطة التنفيذية، مؤكدين أن الابتكار هو “طوق النجاة” الأخير لبلاد الرافدين. ويبقى السؤال المعلق في فضاء جامعة UCL: هل ستجد هذه “الخارطة العلمية” طريقها للتنفيذ في بغداد قبل أن يدرك العراق الجفاف التام؟
المزيد من الصور:

اقرأ أيضًا:
- إيفيت كوبر ترفض نصيحة توني بلير بشأن حرب إيران وتستشهد بـ “دروس العراق”
- الجابري رئيسا لجمعية ” الكندي ” للمهندسين العراقيين في بريطانيا
- حكم قضائي “تاريخي” حول تعامل بريطانيا مع ضحايا عملياتها العسكرية في سوريا والعراق
الرابط المختصر هنا ⬇