ضريبة على اللاجئين وإلغاء محاكم الهجرة.. البرلمان البريطاني يمرر أخطر قانون للحد من اللجوء
في واحدة من أبرز الجلسات البرلمانية خلال العام، شهدت قاعة مجلس العموم البريطاني، في ساعة متأخرة من مساء يوم الإثنين الموافق الـ13 من يوليو 2026، لحظة تشريعية وتاريخية مفصلية، إذ صوّت البرلمان البريطاني بأغلبية مريحة لمصلحة تمرير “مشروع قانون الهجرة واللجوء لعام 2026” (Immigration and Asylum Bill 2026) في قراءته الثانية (Second Reading).
وجاءت نتيجة التصويت الحاسم الذي تم في الساعة 10:16 مساءً بتوقيت لندن لتؤكد تفوق الجناح المؤيد للمشروع داخل البرلمان، بتأييد 264 نائباً مقابل معارضة 90 نائباً فقط. وقد سبقه بدقائق معدودة تصويت آخر على “التعديل المسبب” (Reasoned Amendment) الذي قدمه حزب المحافظين المعارض بقيادة وزير الداخلية في حكومة الظل كريس فيلب، الذي حاول فيه إحباط القانون بدعوى أنه “غير صارم بما يكفي”، غير أن تعديله رُفض بأغلبية ساحقة بلغت 358 صوتاً مقابل 97 صوتاً.
وعلى الرغم من تمرير القانون بنجاح، فإن الجلسة كشفت عن تصدعات عميقة داخل حزب العمال الحاكم؛ إذ تمرد 14 نائباً من الجناح اليساري للحزب وصوتوا بالرفض إلى جانب نواب من أحزاب أخرى كالحزب القومي الاسكتلندي (SNP) والديمقراطيين الأحرار، معتبرين أن القانون يتبنى نهجاً مفرط القسوة بحق طالبي الحماية. وفي المقابل، حظي القانون بدعم كامل ومطلق من رئيس الوزراء المرتقب والنائب الحالي آندي بيرنام، الذي اعتبره خطوة لا غنى عنها لاستعادة ثقة الجمهور في فاعلية ومصداقية نظام اللجوء والحدود البريطانية.
تفاصيل مشروع القانون الجديد وأبرز التغييرات المقترحة

يحمل مشروع القانون بين مواده مجموعة واسعة من الإصلاحات التي تصفها الحكومة بأنها الأعمق منذ عقود، إذ صُمم كإطار قانوني متكامل يستهدف إنهاء ما تصفه بـ”الفوضى وسوء الاستغلال للمنظومة”. وفيما يلي أبرز المحاور والتغييرات الخمسة الكبرى التي يتضمنها المشروع:
1. إنشاء “سلطة استئناف مستقلة” (IIAA) وبديل نظام القضاء التقليدي
إلغاء المحكمة القضائية الحالية: يقضي القانون بإلغاء “المحكمة الابتدائية لغرفة الهجرة واللجوء” (First-tier Tribunal – FTT) بالكامل، وهي الهيئة القضائية التقليدية التي كانت تنظر في طعون قرارات اللجوء والترحيل.
إنشاء الـIIAA: يحل محل المحكمة الملغاة جهاز إداري جديد يسمى “سلطة استئناف الهجرة المستقلة” (Independent Immigration Appeals Authority).
تعيين محكمين غير قضاة: لن يكون الطاقم الذي ينظر في الطعون قضاة محترفين، بل “موفِّقين ومحكمين مستقلين” (Independent Adjudicators). وتؤكد الحكومة أنه لا يُشترط في هؤلاء أن يكون لديهم خبرة قانونية سابقة أو مؤهلات قضائية، بهدف التوظيف السريع لحل تراكم طلبات الاستئناف التي بلغت 150 ألف استئناف معلق، بمتوسط انتظار يبلغ 61 أسبوعاً لكل قضية.
صلاحيات لوزيرة الداخلية: يمنح القانون وزيرة الداخلية سلطة وضع قواعد إجرائية جديدة صارمة تشمل مواعيد نهائية لا تُمدد لتقديم الأدلة، وفرض رسوم وتكاليف لمنع اتخاذ الطعون وسيلة للمماطلة والبقاء غير القانوني.
2. فرض مساهمة مالية إجبارية لاسترداد تكاليف اللجوء (“ضريبة اللاجئين”)
ينص المشروع على مبدأ جديد وغير مسبوق يربط بين الحصول على الحماية والمساهمة لاحقاً في استرداد جزء من تكاليف الدعم التي تحملتها الدولة خلال فترة اللجوء.
مبدأ المساهمة (The Contribution Principle): يُدخل القانون سابقة قانونية وتاريخية تلزم طالبي اللجوء البالغين الذين تمت الموافقة على طلباتهم بدفع مبالغ شهرية محددة كمساهمة لاسترداد التكاليف التي أنفقتها الدولة البريطانية على دعمهم المالي والسكني أثناء مكوثهم في النظام.
المبلغ المستهدف: تشير وثائق القانون وتقييم الأثر المالي والمنظمات الإنسانية (مثل مجلس اللاجئين) إلى أن القيمة التراكمية المستهدفة للتحصيل من اللاجئ الواحد تبلغ نحو 10,000 باوند.
التحصيل كدين مدني: يخول القانون وزارة الداخلية بالتعاون مع مصلحة الضرائب والجمارك البريطانية (HMRC) لملاحقة الأفراد وتحصيل الديون مباشرة باقتطاعها من الرواتب بمجرد حصولهم على عمل وتجاوزهم حداً أدنى للدخل.
الحرمان من العودة: أي مستفيد يغادر المملكة المتحدة دون سداد هذا الدين سيُسجل في حقه مانع دخول، ويُمنع من العودة مستقبلاً تحت أي تأشيرة ما لم يسدد الدين بالكامل.
3. تغيير نظام حماية اللاجئين السابق واعتماد “نموذج الحماية الأساسية الموحد” (Core Protection Model)
يسعى المشروع أيضاً إلى إعادة هيكلة منظومة الحماية القانونية من خلال تبسيط المسارات وتقليص تعدد الأوضاع القانونية.
دمج المسارات: إلغاء الفروقات البيروقراطية الطويلة بين وضع “اللاجئ” (Refugee Status) والمسارات الفرعية مثل “الحماية الإنسانية” (Humanitarian Protection)، ودمجهما في نموذج موحد يسمى “نموذج الحماية الأساسية”.
تقييد الطعون المكررة: ستُقيَّم كل حالة لمرة واحدة وبمخرج واحد. ويُمنع الحاصلون على حماية فرعية من تقديم استئنافات مكررة للحصول على أوضاع قانونية أخرى أكثر تميزاً، حيث يقتصر الاستئناف على من رُفض طلب حمايتهم بالكامل.
مراجعة دورية كل 30 شهراً: تُلزم التعديلات السلطات بمراجعة دورية صارمة للأوضاع الأمنية في البلدان الأصلية كل 30 شهراً، وفي حال استقرار الظروف هناك، تسقط الحماية ويُرحّل الشخص فوراً.
4. تحجيم ادعاءات المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (Article 8 ECHR)
يتناول المشروع كذلك واحدة من أكثر النقاط القانونية إثارة للجدل، والمتعلقة باستخدام المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في الطعون ضد قرارات الترحيل.
الحد من الطعون الإنسانية: لطالما استند المهاجرون والمدانون بجرائم في طعونهم ضد قرارات الترحيل إلى المادة الثامنة التي تحمي “الحق في الحياة الخاصة والعائلية”.
تعريف تشريعي ضيق للأسرة: يضع القانون تعريفاً قانونياً ثابتاً يضيق “الحياة العائلية” لتقتصر حصرياً على “الأسرة الأساسية المتعايشة معاً” (Core Cohabiting Family)، أي الزوجين والأطفال القصّر فحسب.
المصلحة العامة فوق الجميع: يلزم القانون المحاكم ومسؤولي الهجرة باعتبار ترحيل المخالفين والمجرمين الأجانب قيمة عليا ومصلحة عامة تفوق حماية الحياة الفردية الخاصة في الغالبية العظمى من القضايا.
5. إصلاحات “الرق الحديث” (Modern Slavery) وتعديل قانون 2015
ومن بين أبرز البنود المثيرة للاهتمام أيضاً، التعديلات الواسعة التي تستهدف قانون الرق الحديث وآليات الاستفادة من الحماية التي يوفرها.
التصدي لإساءة استغلال الثغرات: أدخل القانون تعديلات جذرية على “قانون الرق الحديث”؛ لتفادي استغلاله لتأخير الترحيل.
تقييد المصداقية للتبليغ المتأخر: يقر القانون بأن أي تأخير غير مبرر من المهاجر في الإفصاح عن كونه ضحية للرق الحديث أو الاتجار بالبشر سيُعَد مؤشرًا رئيسًا يطعن في مصداقية ادعائه.
تسهيل الاستبعاد وحجب الحماية: حرمان أي مواطن أجنبي صدر بحقه حكم بالحبس أو يمثل تهديداً للأمن من نيل فترات التعافي والدعم المخصصة للضحايا، وإتاحة ترحيله فوراً.
خطاب وزيرة الداخلية شابانا محمود بشأن مشروع القانون

استحوذ خطاب وزيرة الداخلية شابانا محمود على جانب كبير من الجلسة، إذ استند إلى الإحصائيات والأرقام الميدانية للدفاع عن الإصلاحات الصارمة، في محاولة لإقناع اليسار واليمين بجدوى الخطة الحكومية. وفيما يلي أبرز ما ذكرته في الخطاب:
1. ضرب شبكات التهريب وتحقيق أرقام قياسية
أكدت محمود أن التشدد في القوانين يتكامل مع نجاح أمني غير مسبوق في مكافحة المهربين:
“لقد بدأنا خلال العامين الماضيين العمل الشاق لاستعادة النظام والسيطرة على حدودنا. وبدأ ذلك بنقل المعركة مباشرة إلى عصابات تهريب البشر الإجرامية. وفي العام الماضي وحده، ارتفعت اعتقالات مهربي البشر بنسبة 55%. ومنذ تولينا مناصبنا، نجحنا في إحباط عمليات الهجرة غير الشرعية المنظمة في 3,700 مناسبة مختلفة، بزيادة قدرها 46% مقارنة بالفترات السابقة”.
2. الأرقام في مواجهة التكاليف الباهظة
أشارت شابانا محمود بوضوح إلى الأرقام الكبيرة لقرارات اللجوء ونسب الترحيل والتكاليف الحالية:
“لقد أعدنا بناء نظام لجوء معطل كلياً. وقد توقفت عمليات اتخاذ القرار في عهد الحكومة السابقة؛ أما اليوم، فإن وتيرة اتخاذ القرارات وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ 24 عاماً. ونتيجة لذلك، بلغت عمليات الترحيل أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقد من الزمان، بزيادة بلغت 41%. ولكن رغم هذه الخطوات الكبيرة، يتعين علينا القيام بالمزيد؛ حيث لا يزال نحو 94,000 شخص يقيمون في أماكن إيواء مخصصة للاجئين بتكلفة إجمالية تبلغ 3.7 مليار باوند سنوياً على كاهل دافعي الضرائب”.
3. حماية النظام وتآكل الرضا الشعبي
وجهت شابانا محمود رسالة صارمة بشأن ضرورة الحفاظ على موافقة المجتمع البريطاني لضمان استقرار البلاد:
“لقد وفرت هذه البلاد دائماً الملاذ الآمن للفارين من الحروب والاضطهاد، وأنا فخورة جداً بهذه الحقيقة التاريخية. ولكن يجب أن نقبل بصدق ودون مواربة أن الرضا الشعبي العام تجاه نظام اللجوء لدينا يتآكل وينهار. وإذا لم نستعد السيطرة الكاملة، فسنفقد دعم وثقة الجمهور البريطاني بأسره. ليس هناك أي عدالة أو إنسانية في نظام يقوم على مسارات غير خاضعة للرقابة، وغير آمنة، وغير قانونية للدخول إلى بلادنا. المستفيد الوحيد من هذا الوضع هم مهربو البشر”.
4. إعلان المسارات الآمنة كبديل حضاري
كما دافعت محمود عن الرؤية الإنسانية التي تقول الحكومة إنها تسعى إلى ترسيخها، عبر استحداث مسارات مقننة ومحددة ومكفولة برعاية المجتمع.
“إن هذا القانون يؤسس لنظام عادل للاجئين الحقيقيين وعادل أيضاً للمواطنين البريطانيين. وسنباشر بإطلاق مسارات آمنة وقانونية ومقننة ومحمية لإنقاذ الفارين بحلول خريف عام 2026 ليستقبل المجتمع البريطاني والجامعات والشركات أولى قوافل اللاجئين بصفة قانونية ورسمية وممولة بالكامل من رعاتهم في خريف عام 2027، ما ينهي الاعتماد على دافعي الضرائب وفوضى الممرات البحرية الخطرة”.
أبرز مستجدات وتعديلات اللحظة الأخيرة

وقبيل التصويت النهائي، شهدت الجلسة تطوراً لافتاً تمثل في إدخال تعديل استثنائي وحاسم من قبل وزيرة الداخلية شابانا محمود، في الساعات الأخيرة التي سبقت التصويت.
إلغاء حماية مواطني الكومنولث: يسعى هذا التعديل الصادم إلى نزع الحصانة القانونية التاريخية التي كانت تحمي المهاجرين الذين ينحدرون من دول الكومنولث والمقيمين لمدد طويلة في بريطانيا من الترحيل بعد ارتكابهم لجرائم جنائية خطيرة.
الدافع وراء التعديل: جاء هذا الإجراء لإغلاق الثغرة القانونية لتمكين وزارة الداخلية من ترحيل مجرمين بارزين مثل “زعيم عصابة روتشديل للاستغلال الجنسي للأطفال” (Rochdale grooming gang leader)، ومواطني دول كومنولث آخرين أدينوا بجنايات جسيمة وتفادوا الإبعاد القانوني سابقاً بفعل الإقامة الطويلة جداً في البلاد.
الجدول الزمني والخطوات التشريعية المقبلة
وبعد اجتياز القراءة الثانية، لا يزال مشروع القانون أمام عدد من المراحل التشريعية قبل أن يصبح نافذاً، إذ يتضمن المسار المقبل الخطوات التالية:
مرحلة اللجنة الفنية (Public Bill Committee Stage): بعد إقرار البرلمان للبرنامج الزمني، ينتقل القانون فوراً إلى اللجنة المخصصة لمراجعته وفحصه مادة مادة، وتقديم صياغات التعديلات بدقة متناهية.
الموعد النهائي للجنة: يتعين على اللجنة إنهاء كل مراجعاتها وبنودها وصياغتها النهائية في موعد أقصاه الـ3 من نوفمبر 2026.
القراءة الثالثة والذهاب للوردات: يُعاد التصويت على النسخة النهائية داخل مجلس العموم، ومن ثم تُحال إلى “مجلس اللوردات”، حيث من المتوقع أن يواجه القانون مقاومة شرسة من المعارضة القانونية والقضائية ضد إلغاء المحاكم القضائية وتمرير قانون استرداد الرسوم (الضريبة).
التطبيق التشغيلي الفعلي: يستهدف المشروع تفعيل “سلطة استئناف الهجرة المستقلة (IIAA)” الجديدة للعمل في أواخر عام 2027، على أن يسير العمل بالتوازي مع النظام القديم لفترة وجيزة؛ تجنباً لحدوث ثغرات تشغيلية في البداية.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
يمكنك ترك تعليق هادئ ودقيق مثل هذا:
> شكرًا على التغطية، لكن لدي ملاحظة مهمة: المقال يقول إن البرلمان «مرر» مشروع القانون، بينما ما حدث هو اجتياز القراءة الثانية فقط، وما زال المشروع أمام مراحل الفحص والتعديلات ثم مجلس اللوردات قبل أن يصبح قانونًا. كذلك وصف استرداد تكاليف دعم اللجوء بأنه «ضريبة على اللاجئين» يحتاج إلى توضيح؛ لأن Clause 23(6)(b) في نص المشروع الحالي يستثني صراحةً من بدأ تلقي دعم اللجوء قبل دخول المادة حيز التنفيذ الكامل، كما أن مبلغ 10 آلاف جنيه غير مذكور في نص القانون نفسه. أتمنى توضيح هذه النقاط للقراء لأنها تغيّر كثيرًا في فهم من يشمله المشروع فعليًا.
ممتازه جدا