عندما تجعل ابنك يخسر أخاه ليكسب رضاك
عندما تجعل ابنك يخسر أخاه ليكسب رضاك
من أكثر الجمل التي تمرّ على مسامع الآباء والأمهات خفيفةً، بينما تهبط على قلوب الأبناء ثقيلةً:
«انظر إلى أخيك… لماذا لا تكون مثله؟»
تُقال أحيانًا على سبيل النصيحة، وأحيانًا في لحظة غضب، وأحيانًا لأن الوالد يظن أن المقارنة قد تشعل في ابنه نار المنافسة، فتدفعه إلى أن يكون أفضل. لكن الإنسان لا يعرف دائمًا إلى أين تذهب كلماته بعد أن يغادر صوتُه فمَه؛ فقد تنتهي الجملة عند الوالد، لكنها تبدأ في رأس الطفل.
حين يصبح الأخ مقياسًا
ومن هنا تبدأ الحكاية: يبدأ الطفل بالنظر إلى أخيه بوصفه مقياسًا دائمًا لنفسه. هذا ينجح، وأنا أتأخر. هذا يُمدح، وأنا أُلام. هذا يُقال عنه إنه ذكي، وأنا يُقال عني إنني مهمل. حتى يصبح الأخ، من حيث لا يدري، شاهدًا دائمًا على ما ينقصه.
وما أقسى أن يكبر الإنسان وهو يشعر أن عليه أن ينتصر على أقرب الناس إليه كي يستحق الحب!
فالطفل لا يفهم المقارنة كما يفهمها الكبير. الكبير قد يقول: «أريدك أن تتعلم من أخيك». أما الطفل فقد يسمع في أعماقه: «أخوك أفضل منك، ولذلك عليك أن تصبح شخصًا آخر حتى نرضى عنك».
وهنا لا تعود المسألة متعلقةً بالدراسة، أو بالنظافة، أو بالطاعة، أو بالنجاح. إنها تصبح متعلقةً بالسؤال الأشد قسوة في طفولة الإنسان:
«هل أنا محبوب كما أنا؟»
حين تنبت الغيرة مكان الأخوّة
ولعل أخطر ما تفعله المقارنة أنها لا تكتفي بجرح علاقة الطفل بنفسه، فقد تمتد فتفسد علاقته بأخيه.
فكيف تطلب من طفل أن يحب أخاه، وأنت تقدّم أخاه له كل يوم بوصفه النموذج الذي فشل في الوصول إليه؟
كيف تريد منه أن يفرح بتفوقه، إذا كان كل تفوق لأخيه يُستعمل دليلًا جديدًا على تقصيره؟
كيف تريد منه أن يصفق لنجاحه، إذا كان يسمع بعد كل نجاح: «لماذا لا تكون مثله؟»
وهكذا قد تنبت الغيرة في المكان الذي كان ينبغي أن تنبت فيه الأخوّة.
وقد لا يظهر ذلك في صورة عداوة صريحة؛ فقد يظل الطفل لطيفًا أمام أهله، ويبتسم لأخيه، ويجلس إلى جواره، لكنه يحمل في داخله شعورًا لا يعرف كيف يسميه: لماذا يملك أخي شيئًا يجعلني أقل في أعين أبي وأمي؟
وهذه هي المأساة التي لا نراها.
نحن نرى طفلين يتشاجران على لعبة، ولا نرى أحيانًا السنوات الطويلة التي صنعت خلف ذلك الشجار شعورًا بالمقارنة.
نرى الغيرة، ولا نرى الكلمات التي غذّتها.
نرى العناد، ولا نرى طفلًا قضى سنوات وهو يحاول أن يثبت أنه ليس أقل من أخيه.
نرى حساسية الابن الزائدة، ولا نرى كم مرة قيل له فيها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: «غيرك أفضل منك».
العدل لا يعني التشابه
وليس معنى هذا أن نتوقف عن توجيه أبنائنا، أو أن نساوي بينهم في كل شيء، أو أن نتعامى عن أخطائهم.
فالعدل بين الأبناء لا يعني أن نعطيهم الشيء نفسه دائمًا، ولكن أن نعطي كل واحد منهم حقه في أن يكون نفسه.
فقد يحتاج أحدهم إلى التشجيع، بينما يحتاج الآخر إلى الحزم. وقد يحتاج أحدهم إلى مساحة أكبر، بينما يحتاج الآخر إلى متابعة أكثر. وقد يكون أحدهم متفوقًا في الرياضيات، والآخر في الرسم، والثالث في التعامل مع الناس، والرابع لا يزال يبحث عن موهبته.
الأبناء ليسوا نسخًا من قالب واحد
الأبناء ليسوا نسخًا خرجت من القالب نفسه.
إنهم أرواح مختلفة؛ لكل روح إيقاعها، وموعدها، وطريقها، وأبوابها التي لا تُفتح بالطريقة نفسها.
وليس من الحكمة أن نأخذ شجرةً ونعاتبها لأنها لا تشبه شجرةً أخرى.
هذه أطول، وتلك أكثر ثمرًا، وثالثة لا تزال صغيرة، ورابعة تميل أغصانها نحو جهة لا تميل إليها أخواتها.
لكننا لا نقف أمام شجرة الزيتون ونقول لها: «لماذا لستِ مثل النخلة؟»
فلماذا نفعل ذلك بأبنائنا؟
لماذا نريد من الهادئ أن يصبح اجتماعيًا كأخيه؟ ومن البطيء أن يركض بالسرعة نفسها؟ ومن الحساس أن يتوقف عن الشعور؟ ومن المختلف أن يتخلى عن اختلافه حتى يرضينا؟
ربما لأننا، من دون أن نشعر، نريد أبناءنا أن يشبهوا الصورة التي رسمناها لهم في أذهاننا، لا أن نكتشف الصورة التي خُلقوا هم ليكونوا عليها.
وهنا يحتاج الأب والأم إلى وقفة صادقة مع نفسيهما:
هل أنا أربي ابني ليكون أفضل نسخة من نفسه، أم أربيه ليكون نسخةً أفضل من أخيه؟
فالأولى تربية، والثانية منافسة.
الأولى تفتح أمامه الطريق، والثانية تضع أخاه في منتصف الطريق.
والطفل الذي ينشأ وهو يعرف أن قيمته لا تتوقف على تفوقه على أحد، يكبر بقلب أكثر سلامًا؛ يستطيع أن يرى نجاح الآخرين من دون أن يشعر أن نجاحهم ينتقص منه، وأن يحب أخاه من دون أن يخشى أن يأخذ أخوه مكانه.
المقارنة التي تغادر البيت
أما الطفل الذي تربى على المقارنة، فقد يحملها معه إلى خارج البيت.
سيقارن نفسه بزملائه، ثم بأصدقائه، ثم بزملائه في العمل، وربما يقضي سنوات عمره كلها وهو ينظر إلى حياة الآخرين ليسأل: «لماذا لست مثلهم؟»
وهكذا لا تنتهي المقارنة عندما يكبر الطفل؛ فقد تتحول إلى طريقة كاملة في النظر إلى الحياة.
لا تجعلوا نجاح أحدهم سوطًا على الآخر
لهذا، أيها الأب، وأيتها الأم، لا تجعلوا من بيوتكم أول مدرسة يتعلم فيها أبناؤكم أنهم غير كافين.
لا تقولوا لأحدهم: «كن مثل أخيك».
قولوا له: «كن أفضل من نفسك التي كنت عليها بالأمس».
لا تجعلوا أخًا ميزانًا لأخيه؛ اجعلوا كل واحد منهم ميزانًا لنفسه.
وإذا نجح أحد أبنائكم، فلا تجعلوا نجاحه سوطًا على ظهر الآخر؛ اجعلوه فرحةً للجميع.
علّموا أبناءكم أن أخاهم ليس خصمًا، وأن نجاحه لا يسلبهم شيئًا، وأن لكل واحد منهم نافذته الخاصة التي يطل منها على الحياة.
فما أجمل أن يكبر الأبناء وهم يقولون:
«كان أبي يرى اختلافنا، لكنه لم يجعل اختلافنا سببًا في أن يحب أحدنا أكثر من الآخر».
وما أجمل أن يكون البيت المكان الذي لا يحتاج فيه الطفل إلى أن ينتصر على أخيه كي يشعر أنه محبوب.
فالطفل لا يحتاج إلى أب يقول له دائمًا: «كن مثل فلان».
إنه يحتاج إلى أب ينظر إليه طويلًا، ويرى ما لا يراه الآخرون، ثم يقول له:
«أنا لا أريدك أن تكون مثل أحد… أريدك أن تعرف من أنت، وأن تصبح أجمل ما تستطيع أن تكونه».
فالأبناء ليسوا درجاتٍ على سلّم واحد، ولا سباقًا يفوز فيه واحد ويخسر الباقون.
إنهم حدائق مختلفة، وكل زهرة فيها تستحق أن تُروى بالطريقة التي تناسبها.
الرابط المختصر هنا ⬇


