العرب في بريطانيا | يوم الأرض.. قرابة نصف قرن - العرب في بريطانيا -...

1445 شوال 3 | 12 أبريل 2024

يوم الأرض.. قرابة نصف قرن

يوم الأرض.. قرابة نصف قرن
سعيد الشيخ March 30, 2024

في ذلك اليوم كنا لا نزال طلابًا ننهل العلم في كلية بيرزيت على مشارف رام الله، التي أصبحت لاحقًا قلعة وطنية تَتَربَّع بفخر على قمة ربوة بين بلدة بيرزيت ومدينة رام الله، التي تمثل العصب الاقتصادي والسياسي للفلسطينيين.

لم يكن في ذلك اليوم لا فضائيات ولا إنترنت ولا هواتف جوالة، ومع ذلك، فما إن بلغتنا أخبار استشهاد ستة من فلذات أكباد فلسطين في منطقة المثلث، شمال فلسطين المحتلة، حتى هب الشعب الفلسطيني هبة رجل واحد، مدافعًا عن حقوقه المشروعة بالعيش بسلام في دولة مستقلة، لا ترزح تحت نير احتلال لا يمكن مقارنته بما سبق من احتلالات، بل تجاوزها جميعًا في القمع والتنكيل بهذا الشعب المقاوم.

يومها كان الضابط المسؤول عن الأمن في رام الله وضواحيها يدعى الكابتن موريس؛ رجل أربعيني قصير مكتنز، يلبس بزة عسكرية، حاسر الرأس، ويضع البيريه على كتفه، ويحمل دائمًا بندقية من طراز (M16)، تكاد تلامس الأرض لطولها وقِصَره!

يوم الأرض.. قرابة نصف قرن

جاء الكابتن موريس يُرغِي ويُزبِد إلى كلية بيرزيت، في المبنى القديم لما أصبح يُعرَف لاحقًا بجامعة بيرزيت، قبل انتقالها إلى مقرها الجديد الحالي، على رأس قوة عسكرية، لا تقل عن ستِّ عربات مدرعة، والعديد من سيارات الجيب الصغيرة والسريعة.

طوقت تلك القوة الكلية، ووقف موريس على شرفة مرتفعة تطل على ساحة واسعة ضمن الحرم الجامعي، حيث يجتمع مئات الطلاب -لم يكن عدد الطلاب كثيرًا حينذاك!- وقال بعربية فصيحة تضاهي لغة الأصمعي: “شوفوا يا شباب! قولوا تعيش فلسطين، وتسقط إسرائيل حتى تُبحّ حناجركم، خربشوا نفس الشعارات على الجدران، بتوسخوا جدرانكم بأيديكم، واحد يحمل حجر ويرميه على سيارة عسكرية، بكسر إيده!”.
حينذاك تعلمنا جميعًا درسًا في غاية الأهمية، لا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا: إسرائيل لا يهمها الجعجعة ولا الشعارات الرنانة الفارغة، ما يهمها وتحسب له ألف حساب، هو الفعل المباشر، فهل تعقلون؟!

وبلا ريب لم يغادر موريس وزبانيته إلا بعد أن غُصت سياراتهم العسكرية بعشرات الطلبة، الذين باتوا ليلتهم في سجن المقاطعة، المقر الرسمي للرئيس الفلسطيني الحالي! يا سبحان الله…

يوم الأرض في العام الفلسطيني

يوم الأرض.. قرابة نصف قرن

يُعَد يوم الأرض مناسبة وطنية مهمة في تقويم الفلسطينيين، حيث يسارعون لإحياء ذكرى حدث تاريخي مهم، يُجسِّد معانيَ وطنيةً وثقافية عميقة. وتُعتبَر هذه الاحتفالات فرصة لتعزيز الهُوية الوطنية الفلسطينية، وللتعبير عن الصمود والوحدة في وجه الممارسات القمعية اليومية، التي تمارسها قوى الاحتلال الإسرائيلي صباحَ مساء، بمناسبة ودون مناسبة.

ويسلط الفلسطينيون الضوء كل عام في الثلاثين من آذار على يوم الأرض، ذلك اليوم الذي يأخذهم في رحلة تأمّلية وتاريخية، محفورة في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني. اليوم الذي توحّد فيه الدم الفلسطيني المُراق على أيدي طواغيت الاحتلال من قرى المثلت، إلى القدس، وبقية المدن والقرى الفلسطينية، التي ما بخلت يومًا بفلذات أكبادها على درب الحرية.

ويعود تاريخ هذا الاحتفال إلى أحداث العام 1976، عندما خرج الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه، في كل فلسطين التاريخية، في مظاهرات سلمية عارمة ضد سرقة الأرض الفلسطينية، وتدنيسها ببناء مستوطنات لليهود.

ولم تتورَّع قوات الاحتلال -كعادتها دائمًا- عن إطلاق النار على المتظاهرين، ما أدى إلى استشهاد ستة منهم، وجرْح عشرات آخرين، حيث تركزت المواجهات الدامية في منطقتي “الجليل” و”المثلث” شمالي فلسطين المحتلة، لا سيما قرى وبلدات عرابة، وسخنين، ودير حنا، في المثلت، وكذلك في صحراء النقب، جنوب فلسطين المحتلة.

تُبرِز الاحتفالات بيوم الأرض أيضًا تنوّع وغنى الثقافة الفلسطينية، وروح المقاومة التي تميز شعب الجبارين، من الدبكة التقليدية إلى الموسيقى الوطنية، مرورًا بأعمال التطريز والحفر على الخشب، وجميع الحِرف اليدوية التقليدية الأخرى، حيث تعمل هذه الرموز على تعزيز الهُوية الوطنية، وترسيخ الانتماء إلى الأرض والتاريخ والثقافة الفلسطينية.

إضافة الى ذلك، تشهد الأراضي الفلسطينية في يوم الأرض مجموعة واسعة من الفعاليات والأنشطة، التي تستهدف تكريم الشهداء، وتعزيز روح المقاومة والوحدة الوطنية.

وتشمل هذه الأنشطة مسيرات في الوطن والشتات، وكثيرًا من الندوات والمحاضرات والمعارض الفنية، والمناسبات الرياضية والثقافية التي تعكس تنوع وسائل التعبير والمشاركة في هذا اليوم التاريخي.

يوم الأرض.. قرابة نصف قرن

كما تعكس الاحتفالات بيوم الأرض، قيم المجتمع الفلسطيني ومبادئه، كالصمود والوفاء للشهداء، والتضحية من أجل الوطن. وتجمع هذه الاحتفالات شمل مختلف الأجيال، وتعزز الروابط الاجتماعية والوطنية.

وربما تشكل الظروف السياسية والاقتصادية للفلسطينيين مصاعب جمة، قد تحول دون تنظيم احتفالات تليق بيوم الأرض. وقد تتأثر مواعيد وأمكنة الاحتفالات، بل قد يكون صعبًا تأمين الموارد والأمكنة اللازمة لإقامتها بشكل لائق ومميز.

وإذا عُرِف السبب بَطَلَ العجب! حيث تسعى إسرائيل دائمًا الى إفراغ هذه المناسبة الوطنية من مضمونها بقمع المسيرات، وتخريب الاحتفالات واللقاءات، وإفساد ورشات العمل الفني؛ بغية حرمان الفلسطينيين من ممارسة أبسط حقوقهم في التعبير عن الذات، وإحياء ذكرى يوم عزيز في الذاكرة الشعبية الفلسطينية.

واليوم، ونحن نحتفل بهذه المناسبة العزيزة على كل فلسطيني يفتخر بانتسابه إلى أرض الأنبياء والقديسين، لا يزال الدم الفلسطيني يُسفك ليلَ نهار على أيدي قوات الاحتلال الغاشم، التي لا تأبه لقدسية شهر رمضان، ولا لخصوصية العبادة فيه، بل أكثر من ذلك؛ فهي تتعمد إهراق مزيد من الدماء البريئة في غزة هاشم، وفي الضفة الغربية المحتلة، فضلًا عن منعها الفلسطينيين من ممارسة حقهم الشرعي في إقامة شعائرهم الدينية والصلاة في المسجد الأقصى، الذي يناشد المسلمين في أصقاع الأرض، أن هبوا هبة رجل واحد للدفاع عن قِبلتكم الأولى، وعن مَسرى نبيكم صلى الله عليه وسلم. ولكن يبدو أن العرب والمسلمين، أو نسبة كبيرة منهم على الأقل، يعيشون في عالم آخر تمامًا، حافل بالمسلسلات الرمضانية!

 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.