بلفاست تتظاهر دعمًا لمضربي “بال أكشن” واستحضار ذكرى إضرابات عام 1981
في مدينة لا تزال جدرانها تحفظ ذاكرة الصراع والاحتجاج ضد التاج البريطاني، تحوّلت شوارع بلفاست إلى مسرح تضامن جديد مع ناشطين مؤيدين لفلسطين ينفّذون إضرابًا عن الطعام داخل السجون البريطانية. وبين جداريات الماضي وأسئلة الحاضر، عاد شبح إضرابات الجوع ليطلّ مجددًا، حاملًا معه مقارنات ثقيلة مع عام 1981.
تظاهرة بين جداريات الذاكرة

تجمّع المئات في بلفاست تضامنًا مع ناشطين من حركة «بال أكشن» (Palestine Action) المضربين عن الطعام في السجون البريطانية. وارتدّت هتافات المحتجين بين الجداريات التي لا تزيّن المدينة فحسب، بل تشهد على تاريخها المضطرب.
وعلى طول شارع فولز، تتجاور الجداريات الجمهورية الإيرلندية مع جداريات فلسطينية، فيما تحوّل «الجدار الدولي» -الذي كان لوحة متحركة لقضايا العالم- إلى ما بات يُعرف اليوم بـ«الجدار الفلسطيني». وعلى امتداده، كُتبت مقاطع شعرية للكاتب الفلسطيني الراحل رفعت العرعير، الذي استُشهد في غارة جوية إسرائيلية في كانون الأول/ديسمبر 2023، إلى جانب لوحات أرسلها فنانون فلسطينيون وأعاد رسمها فنانون محليون.
أسماء جديدة على الجدران

في الأسابيع الأخيرة، ظهرت عبارات جديدة على جدران بلفاست الشهيرة، من بينها: «طوبى للجياع إلى العدالة». وإلى جانب صور طالما ارتبطت بأسرى جمهوريين إيرلنديين، مثل بوبي ساندز، كُتبت أسماء أربعة ناشطين مؤيدين لفلسطين ينفّذون إضرابًا عن الطعام داخل السجون البريطانية، في وقت تتراجع فيه صحتهم يومًا بعد يوم.
وقالت باتريشيا ماكوين، الناشطة النقابية التي ألقت كلمة خلال التظاهرة:
«هذه مدينة لن تقبل أبدًا محاولات إسكات أصواتنا أو حرماننا من حق الاحتجاج أو الدفاع عن حقوق الإنسان».
وأضافت:
«هؤلاء الشباب محتجزون بطريقة جائرة وفي ظروف عبثية، وقد اتخذوا القرار الأصعب للتعبير عن مواقفهم، وخصوصًا حيال ما يجري في فلسطين. لماذا لا ندعمهم؟».
إضراب الجوع يصل إلى بلفاست

تأتي تظاهرة بلفاست ضمن حملة دولية متصاعدة تطالب الحكومة البريطانية بالتدخل، في ظل تدهور صحة أربعة معتقلين. وينتمي الأربعة إلى حركة «بال أكشن»، ويُحتجزون رهن المحاكمة بانتظار جلسات قد تتأخر لأكثر من عام، وفق ما يقول داعموهم. ومع استنفاد المسارات القانونية، يرى هؤلاء أن إضراب الجوع بات الملاذ الأخير.
ويُحتجز الناشطون على خلفية اتهامات تتعلق باقتحام مقر تابع لشركة «إلبيت سيستمز» (Elbit Systems) قرب بريستول، حيث تضررت معدات، إضافة إلى حادثة في قاعدة لسلاح الجو الملكي في أوكسفوردشير جرى خلالها رش طائرتين عسكريتين بالطلاء الأحمر. وينفي المعتقلون التهم الموجهة إليهم، والتي تشمل السطو والإخلال العنيف بالنظام العام.
مطالب المضربين
يطالب المضربون بالإفراج عنهم بكفالة، ووقف ما يصفونه بالتدخل في مراسلاتهم ومواد القراءة الخاصة بهم، وضمان محاكمة عادلة، إضافة إلى رفع الحظر عن حركة «بال أكشن». وكانت حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر قد حظرت الحركة في تموز/يوليو الماضي بموجب قانون مثير للجدل لمكافحة الإرهاب.
دخلت هبة مرايسي يومها الحادي والستين دون طعام، فيما دخلت تويتا هوكسا يومها الخامس والخمسين، وكامران أحمد يومه الرابع والخمسين، ولووي كيياراميلو يومه الحادي والأربعين. وقد نُقل كل من هوكسا وأحمد إلى المستشفى. ويصف ناشطون هذا الإضراب بأنه الأكبر في بريطانيا منذ عام 1981، ومُستلهم صراحة من إضرابات الجوع الإيرلندية.
ذاكرة 1981 تعود

في عام 1981، نفّذ سجناء من الجيش الجمهوري الإيرلندي وفصائل أخرى إضرابات عن الطعام في شمال إيرلندا؛ للمطالبة باستعادة صفتهم السياسية. وتوفي عشرة سجناء، بينهم زعيمهم بوبي ساندز، الذي انتُخب عضوًا في البرلمان البريطاني أثناء الإضراب. ورغم الموقف المتشدد العلني لرئيسة الوزراء آنذاك مارغريت تاتشر، سعت الحكومة لاحقًا إلى مخرج مع تغيّر الرأي العام.
وتتذكر سو بنتل، العضوة في «يهود من أجل فلسطين – إيرلندا»، تلك المرحلة جيدًا، وتقول إنها شاركت في المسيرات والاحتجاجات آنذاك، مضيفة أن كلمات بوبي ساندز -«انتقامنا سيكون ضحكة أطفالنا»- لا تزال حاضرة في وعي جيل جديد يقف اليوم متضامنًا مع فلسطين.
«إذا استمر الأمر، سيموت بعضهم»
تحت جدارية لبوبي ساندز، عبّر بات شيهان عن خشيته من تكرار التاريخ. فقد خاض شيهان إضرابًا عن الطعام دام 55 يومًا قبل إنهائه في تشرين الأول/أكتوبر 1981.
وقال:
«بعد 40 يومًا، تدخل منطقة الخطر. من الناحية الجسدية، لا بد أن يكون المضربون اليوم في حالة ضعف شديد، ومن الناحية الذهنية قد تزداد قدرتهم على الصمود إذا كانوا قد أعدّوا أنفسهم لذلك».
وأضاف:
«إذا استمر هذا الإضراب، فمن المحتم أن يموت بعض المضربين».
ويرى شيهان، الذي يمثل غرب بلفاست في الجمعية التشريعية عن حزب «شين فين»، أن مضربي «بال أكشن» سجناء سياسيون، مشيرًا إلى أن الإيرلنديين يفهمون القضية الفلسطينية على نحو لا تفهمه دول غربية كثيرة؛ بسبب تاريخهم مع الاستعمار والاعتقال.
سياسة إيرلندية متقدمة… لكنها غير كافية
تعكس هذه المشاعر مسارًا سياسيًّا متقدمًا نسبيًّا، إذ اعترفت إيرلندا رسميًّا بدولة فلسطين عام 2024، وانضمت إلى دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية في غزة، وهي تهمة تنفيها إسرائيل.
كما اتخذت الحكومة الإيرلندية خطوات لتقييد بيع السندات الإسرائيلية، وقاطعت مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل، ودعت إلى تعليق مشاركة منتخبها الوطني في المنافسات الدولية. لكن ناشطين يرون أن هذه الخطوات لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل تجميد مشروع قانون حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية منذ عام 2018، واستمرار مرور طائرات عسكرية أمريكية محمّلة بالسلاح عبر مطار شانون.
انقسام سياسي في الشمال

في شمال إيرلندا، الذي لا يزال جزءًا من بريطانيا، هيمنت الحرب في غزة على المشهد السياسي الداخلي. فقد دخلت الجمعية التشريعية في ستورمونت أزمة بعد زيارة وزير التعليم من الحزب الوحدوي الديمقراطي، بول غيفان، إلى القدس في رحلة موّلتها الحكومة الإسرائيلية، ما أثار تصويتًا بحجب الثقة.
كما أثار قرار مجلس مدينة بلفاست، الشهر الماضي، رفع العلم الفلسطيني جدلًا حادًّا، قبل إقراره رغم معارضة مستشارين وحدويين. وفي أحياء موالية للتاج البريطاني، رُفعت أعلام إسرائيل بوصفها تعبيرًا عن الولاء لبريطانيا، ما أعاد إسقاط الإبادة في غزة على خطوط الانقسام الطائفي القديمة.
تضامن يتجاوز الهوية
رغم ذلك، يؤكد محتجون في بلفاست أن تضامنهم ليس قائمًا على الهُوية الوطنية، بل على الإنسانية. يقول داميان كوين، أحد ناشطي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS):
«نحن هنا لدعم المضربين عن الطعام في بريطانيا، ولكن أيضًا من أجل الشعب الفلسطيني الذي يُذبح يوميًّا».
أما ريتا أبو رحمة، الفلسطينية البالغة 25 عامًا والتي وجدت بيتًا لها في بلفاست، فتقول إن إضراب الجوع يذكّرها بتجربة مألوفة:
«شعبي لا يملك ترف الكلام من داخل فلسطين. التضامن يصنع فرقًا».
وتضيف:
«صادم، وإن لم يكن مفاجئًا، أن يتأخر تحرك الحكومة، وهي نفسها تراقب الإبادة تتصاعد دون أن تفعل شيئًا. كل أشكال التضامن تصل إلى فلسطين».
تلاقي الذاكرة المحلية مع المأساة الفلسطينية
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن مشهد بلفاست يعكس تلاقي ذاكرة محلية مثقلة بتاريخ إضرابات الجوع مع مأساة فلسطينية مستمرة. ففي وقت تُقابل فيه الإبادة في غزة بقدر محدود من الفعل السياسي الغربي، يتحوّل جسد المضربين عن الطعام إلى مساحة احتجاج قصوى، تستحضر الماضي لتحاكم الحاضر، وتذكّر بأن الصمت، ليس خيارًا محايدًا.
المصدر: Aljazeera
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
