وفي غزة، لا تُعد الكارثة البيئية حدثًا محدودًا أو عارضًا؛ بل هي دمار واسع النطاق، يجري بشكل مقصود ومنهجي.
إبادة، تدمير البيئة، محو الهوية: غزة على شفير الموت
عزمت علي
November 17, 2025
قليلٌ من المصطلحات في القانون الدولي تحمل وطأة كلمة الإبادة الجماعية. وأحد المفاهيم القليلة التي تقف إلى جانبها هو الإبادة البيئية (Ecocide). تشير الأولى إلى تدمير شعبٍ ما؛ وتشير الثانية إلى تدمير المقوّمات التي تُبقي الحياة ممكنة. واليوم، تقف غزّة عند تقاطع المفهومين معًا. فهذان المصطلحان يصفان أزمتين مترابطتين: إحداهما تهدّد بقاء الإنسان، والأخرى تهدّد بقاء البيئة. وكلتاهما تعمّق الأخرى.
تعرف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية الإبادة من خلال خمسة أفعال:

- قتل أفراد من مجموعة مستهدفة؛
- إلحاق أذى بدني أو نفسي جسيم بهم؛
- فرض ظروف معيشية يُقصد بها التسبب بفنائهم الجسدي؛
- منع الولادات داخل المجموعة؛
- النقل القسري للأطفال.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، حين شنّت حركة المقاومة الإسلامية حماس هجومًا على إسرائيل وردّت إسرائيل بقصف جوي مكثف على قطاع غزة، خلصت عدة مؤسسات موثوقة إلى أن أفعال إسرائيل تندرج ضمن تعريف “الإبادة الجماعية”.
فقد صرّحت كل من:

- بتسيلم (B’Tselem – The Israeli Information Center for Human Rights in the Occupied Territories)
- أطباء من أجل حقوق الإنسان – الاحتلال الإسرائيلي (Physicians for Human Rights – Israel)
- منظمة العفو الدولية (Amnesty International)
بأن إسرائيل ترتكب جريمة الإبادة. وخلصت لجنة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق (United Nations Independent International Commission of Inquiry) إلى النتيجة ذاتها. كما تؤكد الرابطة الدولية لدارسي الإبادة الجماعية (International Association of Genocide Scholars) أن هناك عملية إبادة جارية. وهذه مؤسسات موثوقة، ذات سجلات طويلة في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي.
لكن كارثة غزّة تتجاوز الإبادة. فهي تشمل أيضًا تدمير الطبيعة، وأنظمة الغذاء، والبنية التحتية للمياه، والزراعة. وهنا يصبح مفهوم الإبادة البيئية ضروريًا.

يعرف المعهد الأوروبي للقانون الإبادة البيئية بأنها: “تدمير وتهشيم البيئة بأي ثمن”. ويتضمن نظام روما الأساسي أحكامًا لحماية البيئة أثناء الحرب.
وقد أكد تقرير مشترك بين منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات)، نُشر في 28 يوليو 2025، هذه الحقيقة.
فقد وجد التقرير أن 8.6% فقط من الأراضي المزروعة في غزة ما تزال قابلة للوصول إليها، و1.5% فقط منها قابلة للوصول وغير متضررة. أكثر من 86% من الأراضي الزراعية تعرضت للضرر، بينما 12.4% منها غير متضررة لكنها غير قابلة للوصول بسبب استمرار العدوان والقصف الإسرائيلي.
وتشير هذه الأرقام إلى انهيار شبه تام في إنتاج الغذاء وتُظهر مدى صعوبة عملية التعافي.

لقد كان تدمير البيئة في غزة منهجيًا. فقد دُمّرت الحقول والبساتين والحدائق الزراعية التي كانت تعيل العائلات تحت الدبابات والقصف والجرافات.
وتحطّمت البيوت البلاستيكية. وانقلبت التربة إلى ركام. ويبدو أن القضاء على الأراضي الزراعية لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تكتيكًا. فهو يقوّض فرص البقاء على المدى الطويل ويعرقل التعافي.
وتعكس بنية المياه النمط ذاته. فمياه غزة الآن ملوثة. وشبكات الصرف الصحي منهارة. وأحواض المياه العادمة طافت.
وقد نقلت الجزيرة عن ماهر سالم، مسؤول بلدي في غزة، قوله: “لا شك أن هناك آثارًا خطيرة على جميع المواطنين: روائح كريهة، وحشرات، وبعوض. كما أن منسوب المياه الملوثة تجاوز 6 أمتار دون أي حماية؛ السور مدمر بالكامل، وهناك احتمال كبير لسقوط أي طفل أو امرأة أو رجل مسن، أو حتى سيارة في هذا الحوض.”
وقال مراسل آخر، هاني محمود: “العائلات تعرف أن المياه التي تحصل عليها من الآبار أو الصهاريج أو شاحنات توزيع المياه ملوّثة ومُسمّمة… لكنها لا تملك أي خيار آخر.”
وتتوافق هذه الشهادات مع نتائج برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي أشار إلى أن “إمدادات المياه العذبة في غزة محدودة بشدة، وأن كثيرًا مما تبقى منها ملوث”. وحذّر من أن انهيار شبكات الصرف الصحي وتدمير خطوط الأنابيب والاستخدام الواسع للحفر الامتصاصية قد فاقم على الأرجح من تلوث الخزان الجوفي، وهو المصدر الرئيسي لمياه الشرب في غزة. وستستمر آثاره لسنوات طويلة.

في مؤتمر COP30 في البرازيل، وضع السفير الفلسطيني إبراهيم الزبن الانهيار البيئي في غزة ضمن سياق الدمار الشامل. وقال لرؤساء العالم: “ليس سرًا أن غزة تعاني بسبب الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل شنّها، وهي حرب خلّفت ما يقرب من ربع مليون شهيد وأنتجت أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض، بعضها ملوث بمواد خطرة.”
وأوضح أن تدمير شبكات المياه والصرف الصحي لوّث المياه الجوفية والساحلية، مسببًا مخاطر صحية جسيمة. كما قال إن الأراضي الزراعية دُمّرت، وإن هذا التدمير أوجد مجاعة: “الغذاء يُستخدم كسلاح.” وقد انسجمت تصريحاته مع تقارير وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة والباحثين البيئيين.
تسعى حركة الاعتراف بالإبادة البيئية إلى إيجاد أداة قانونية تتناسب مع حجم الدمار البيئي في غزة. ويجادل محامون بيئيون ومنظمات حقوقية ومناطق متضررة بأن الإبادة البيئية يجب أن تكون جريمة مستقلة، لا مجرد عنصر تابع لجرائم أخرى.

ولفهم الانهيار البيئي في غزة، يجب مقارنة المشهد قبل العدوان واليوم. فقد كان في غزة آلاف الدفيئات الزراعية التي تنتج الخضار والفواكه والدخل. كانت فيها بساتين الحمضيات، وأشجار الزيتون، وحقول منتجة. واليوم، اختفى معظم ذلك. تقلصت الأراضي القابلة للزراعة. تعرّضت التربة للضغط الشديد تحت الآليات الثقيلة. دمرت الآبار وأنظمة الري. وتلوثت مصادر المياه بالركام والصرف الصحي والمواد الكيميائية. كما تعرضت الأنظمة البيئية نفسها للاضطراب: خصوبة التربة، وجودة المياه الجوفية، ،أعداد الملقّحات، والحياة البحرية على السواحل، كلها تضررت.
يجادل بعض النقاد بأن مصطلح “الإبادة البيئية” ذو طابع سياسي. لكن تدمير البيئة سياسي أصلًا. يصبح سياسيًا عندما تُقطع أو تُحرق أشجار الزيتون المعمّرة، وهي رموز ثقافية وجذور للهوية. يصبح سياسيًا عندما تُمحى البساتين والحقول. فالمناظر الطبيعية ليست محايدة؛ إنها تحمل ذاكرة وثقافة وانتماء. وتدميرها يقطع أكثر من مصدر غذاء. إنه يقطع الروابط مع المكان، وقد يعمل كوسيلة للمحو، جسديًا وثقافيًا. ولا يحتاج الأمر إلى إعلان نية الإبادة ليكون له هذا الأثر.
وجه جديد للتطهير العرقي: من الحصار إلى الهندسة الديموغرافية

من الناحية الأخلاقية، الوضع معقد لكنه غير غامض. الاعتراف بخطأ طرف لا يعفي طرفًا آخر. يجب تحميل جميع أطراف العدوان مسؤولية تعريض المدنيين للخطر. لكن الوضوح الأخلاقي يتطلب تسمية الأذى بوضوح. فالدمار البيئي ضرر مستقل. يستمر إلى ما بعد وقف إطلاق النار. ويشكّل المستقبل. ويجب التعامل معه مباشرة.
ويتطلّب التعامل العادل مع العدوان على غزة أن يبدأ بتوثيق دقيق وشامل. كما ينبغي أن تتضمن الاستجابة تدخلات إنسانية عاجلة، مثل توفير مياه نظيفة، ومعالجة التلوث، وإدارة النفايات بطريقة آمنة، وتنفيذ إصلاحات طارئة لشبكات الصرف الصحي. ويجب أن ترافق هذه التدخلات مسارات قانونية للمحاسبة والتعويض، تعترف بما سبّبه الدمار البيئي من أذى لصحة السكان وسبل عيشهم وثقافتهم.
ويمثّل وضوح الرؤية تحديًا إضافيًا. فغالبًا ما تتركز جهود إعادة الإعمار على المباني والطرق، بينما يحتاج التعافي البيئي إلى وقت أطول. فالأشجار تحتاج إلى سنوات لتنمو مجددًا، والتربة تحتاج إلى استعادة خصوبتها، والمياه تحتاج إلى العودة إلى نقائها، والموارد البحرية تحتاج إلى أن تتجدد. ومن دون تخطيط بيئي حقيقي، تصبح عملية إعادة الإعمار شكلية، وقد تساهم في تكريس أشكال جديدة من الهيمنة بدل دعم التعافي المستدام.
ويوحي حجم الدمار في غزة بأن العدوان فاق حدود القتل وتدمير المنشآت، لتطول الركائز الأساسية التي تقوم عليها الحياة نفسها. فالضرر البيئي لم يكن تفصيلًا هامشيًا، بل عنصرًا جوهريًا في المأساة، يستدعي استجابة قانونية وسياسية وأخلاقية شاملة توازي حجم الكارثة.
وإذا أراد القانون الدولي مواكبة ما يجري على أرض الواقع، فعليه تسمية الأمور بوضوح: إبادة جماعية، وإبادة بيئية، ومحو. ثم العمل بعد ذلك على ضمان المحاسبة، وتحقيق الإصلاح، وإعادة بناء غزة على أسس عادلة ومستدامة.
المصدر: middleeastmonitor
إقرأ أيضًا:
- الهيئة الوطنية للعمل الشعبي لفلسطين ترفض الاستعمار الجديد لغزة
- دعوى قضائية تتهم الحكومة البريطانية بالتخلي عن عائلة من غزة
- اتهامات أممية لستارمر بتسهيل جرائم الإبادة في غزة
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
نسخ إلى الحافظة
