العرب في بريطانيا | من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مست...

من قلعة “هاري بوتر” إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل بلدة بريطانية للعيش

من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل بلدة بريطانية للعيش
رؤى يوسف مايو 17, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

انفردت بلدة “ألنويك” (Alnwick) في مقاطعة نورثامبرلاند بسحر خاص جعلها تتصدر قائمة أفضل البلدات البريطانية للعيش والاستقرار، ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه العديد من أسواق الشوارع الرئيسة (High Streets) في المدن البريطانية من الركود والنمطية المتكررة.

فبين أسوار قلعتها التاريخية الشامخة التي احتضنت تصوير سلسلة أفلام “هاري بوتر” الشهيرة، وبين أزقتها التي تضم نحو 75 متجرًا مستقلًا ينبض بالحياة، تذوب الحدود بين جاذبية الوجهة السياحية العالمية ودفء المجتمع المحلي المترابط، لتتحول البلدة -وفقًا لتصنيف مؤسسة “مادي ستيلتوس” (Muddy Stilettos)- إلى واحدة من أكثر الوجهات البريطانية تفضيلًا للعيش، وملاذًا يبحث فيه السكان عن السعادة وراحة البال.

سحر خاص يلامس الوجدان في “ألنويك”

من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل بلدة البريطانية للعيش
قلعة سلسلة أفلام “هاري بوتر”

اللحظة الخاطفة في “ألنويك” كفيلة بأن تدرك فيها أنك لست مجرد زائر لبلدة سوق تقليدية أخرى؛ قد تباغتك هذه اللحظة تحت ظلال أسراب من بتلات الكرز الأبيض المتساقطة في حدائقها الشهيرة، أو أثناء سيرك نحو متجر حلويات تفوح منه رائحة “مكعبات الكولا” التي تحرك حنين الطفولة.

وربما تتجلى لك عندما يخبرك بائع أجبان محلي بأنه نقل حياته إلى هنا بحثًا عن السعادة، أو حين يشرح لك بائع كتب كيف تساهم المتاجر المستقلة بهدوء في الحفاظ على تماسك هذا المكان.

هذه الملامح الجميلة تجعل “ألنويك” تتسلل إلى وجدانك لتستقر فيه.

فالبلدة التي اشتهرت بقلعتها الشاهقة التي خُلِّدت على الشاشة في فيلم (Harry Potter and the Philosopher’s Stone)، تطورت لتصبح شيئًا أرقى وأعمق بكثير من مجرد محطة سياحية عابرة؛ فبينما تبدو الأسواق التقليدية في بلدات بريطانية عديدة وكأنها تفقد هُويتها وتتجه نحو النمطية، تصر “ألنويك” على البقاء مفعمة بلمسة إنسانية وشخصية فريدة.

اقتصاد محلي يقوده الدعم المتبادل

من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل البلدات البريطانية للعيش
هيلين ستانتون (55 عامًا)، تمتلك متجرًا للكتب في “ألنويك”

هيلين، صاحبة فرع مكتبة “ألنويك”، تستعد للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة لافتتاح متجرها في وقت لاحق من هذا العام.

يقع المتجر بجوار قاعات العرض والمقاهي، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من نسيج البلدة، حيث يستضيف الفعاليات الثقافية ويدعم المهرجان الأدبي المحلي (Story Fest).

المشهد المستقل والحيوي في “ألنويك” هو ما جذب هيلين للقدوم إلى هنا بحسَب حديثها، إذ تقول: “يبدو أن الجميع هنا يدعمون بعضهم لبناء شيء ناجح. الظروف صعبة على الشركات الصغيرة في كل الأحوال، لذلك فإن دعمنا لبعضنا يعكس التزامًا مطلقًا”.

هذا الشعور بالزمالة والتضامن يتكرر مرارًا على ألسنة العاملين هنا.

فعلى بعد أبواب قليلة، تنبعث رائحة جبن التشيدر المعتق واللحوم المقددة من متجر (The Cheese Room)، حيث استبدل صاحبه إيان داوسون حياته المهنية السابقة في الشركات الكبرى بوتيرة حياة أكثر هدوءًا في نورثامبرلاند.

يقول إيان (62 عامًا)، الذي اشترى المتجر قبل 14 شهرًا: “أنا أعشق العيش هنا، وإذا أردت قياس السعادة على مؤشر من واحد إلى عشرة، فإن وجودي في نورثامبرلاند وامتلاكي لمتجر الأجبان هذا يضعني في مرتبة قريبة جدًّا من الدرجة النهائية للسعادة”.

ويوضح إيان أن قراره بشراء المتجر كان مدفوعًا برغبته في تغيير نمط حياته، مشيرًا إلى أن العمل كان ينطوي على “كثير من الفرص الواعدة”، وأن “ألنويك” نفسها كانت تبدو مفعمة بالفرص، واستطرد في حديثه قائلًا: “إنها بلدة صغيرة مزدهرة، وتتمتع بحس حقيقي من الفخر والهُوية”.

الأرصفة في فصل الصيف تزدحم بالطاولات الممتدة لتقديم أطباق الأجبان والمقبلات، في حين يتجاذب التجار المحليون أطراف الحديث وراء واجهات محلاتهم.

الطفولة تستيقظ في أزقة بلدة “ألنويك”

من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل البلدات البريطانية للعيش
إيما هيل، التي تعمل في متجر حلويات في “ألنويك”

متجر (Coquet Confectioners) يبرز على الجانب الآخر من الطريق كأحدث الإضافات إلى وسط البلدة.

في الداخل، تصطف علب الحلويات الكلاسيكية القديمة (Retro) على الجدران، ليعود البالغون أطفالًا من جديد بمجرد رؤية حلويات “قطرات الإجاص”، و”زجاجات الكولا”، و”شراب الليمون”.

وتقول إيما هيل (35 عامًا)، التي ساعدت في افتتاح المتجر في نوفمبر الماضي ضاحكة: “لا يمكن لأحد أن يدخل متجر حلويات ويبقى حزينًا، فالأجيال الكبرى يصيبها الحماس أحيانًا أكثر من الصغرى”.

وتؤكد إيما أن البلدة استقبلت المتجر بحفاوة بالغة، لا سيما مع انتعاش الموسم السياحي بعد إعادة افتتاح القلعة والحدائق، مضيفة: “الحركة هنا أصبحت أكثر نشاطًا، والجميع ودودون للغاية، فنحن نمر على متاجر بعضنا لنسأل عن سير العمل خلال اليوم”.

التحديات الواقعية والموازنة الصعبة

من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل بلدة البريطانية للعيش
سارة هاريسون (57 عامًا)، ومارغريت شاندون (56 عامًا)، اللتان تعملان في مقهى “غرانيز” (Grannies).

الروح الودية تعد واحدة من أبرز الميزات التي تحدد شخصية “ألنويك”، ومع ذلك، فإن السكان المحليين يتعاملون بواقعية مع الضغوط التي تواجه البلدة.

ففي مقهى (Grannies) العريق، راقبت سارة هاريسون تطور السوق الرئيس على مدى ما يقرب من 40 عامًا.

تقول سارة (57 عامًا): “لم يعد هناك عدد كبير من المتاجر في وسط البلدة كما كان في السابق، لقد اختفت محلات الأحذية وما شابهها بالكامل”.

ومثل العديد من المقيمين، تشعر سارة أن “ألنويك” باتت تعتمد بشكل متزايد على السياحة خلال الأشهر الدافئة، في حين يمكن أن تكون فصول الشتاء أكثر هدوءًا وركودًا.

ورغم ذلك، يبقى الارتباط العاطفي بالمكان جارفًا، حيث تختتم حديثها قائلة: “إنها بلدة صغيرة وجميلة؛ لدينا أسواقنا، وشركاتنا المحلية، وأجواء ودية للغاية”.

حدائق “ألنويك”.. قلب الوجهة النابض

من قلعة "هاري بوتر" إلى 75 متجرًا مستقلًا.. تعرّف إلى أفضل بلدة البريطانية للعيش
بساتين أشجار الكرز

السياحة تظل بالتأكيد عنصرًا محوريًّا في هُوية البلدة، ولا يوجد مكان يجسد ذلك أفضل من “حدائق ألنويك” (The Alnwick Garden).

هذه الحدائق التي أنشأتها دوقة نورثامبرلاند وافتُتحت على مراحل بدأت في عام 2001، تحولت إلى واحدة من أكثر المعالم تميزًا في بريطانيا؛ حيث تضم “حديقة السموم” الشهيرة (Poison Garden) التي تحتوي على نباتات قاتلة من جميع أنحاء العالم، في حين تحولت بساتين أشجار الكرز فيها إلى ظاهرة تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي في كل ربيع.

الرئيس التنفيذي للحدائق، مارك براسيل، يوضح أن الفكرة لم تكن مجرد إنشاء حديقة فخمة أخرى تابعة لقصر أثري، قائلًا: “كانت الفلسفة تكمن في ابتكار شيء مذهل يفخر به الناس في منطقة الشمال الشرقي، فنحن لا نخشى الاختلاف”.

الزوار يتدفقون في كل عام من جميع أنحاء بريطانيا -ومؤخرًا من الخارج- إلى “ألنويك” لحضور موسم تفتح الزهور القصير، حيث تنفجر مئات من أشجار كرز “تايهاكو” (Taihaku) لتكتسي باللون الوردي الشاحب.

ولكن ما لا يدركه العديد من الزوار هو أن كل شجرة من هذه الأشجار قد خُصِّصت وسُمِّيت باسم شخص ما؛ حيث يقول مارك: “هناك عائلة في مكان ما ترتبط عاطفيًّا بكل شجرة هنا”.

العائلات تجتمع في كل عام لإقامة حفل تخصيص تحت ظلال الزهور المتفتحة؛ لإحياء ذكرى أحبائهم الراحلين بينما تنساب الموسيقى عبر البساتين.

مثل هذه اللحظات تكشف عن أسمى ما تجيده “ألنويك”: الموازنة بدقة بين النشاط السياحي والروح المجتمعية الحقيقية.

وتعمل الحدائق نفسها كمنظمة خيرية، حيث ساهمت في ضخ أكثر من 400 مليون باوند في الاقتصاد المحلي منذ افتتاحها، وفقًا لبحث أجرته جامعة نيوكاسل.

لكن بعيدًا عن الأثر الاقتصادي، يعتقد مارك أن الحدائق تمثل شيئًا أكثر عمقًا وإنسانية، حيث يختتم حديثه قائلًا: “في عالم يعج بالصراعات والانقسامات، نريد أن نكون مختلفين؛ نريد أن نكون المكان الذي يجمع الناس معًا”.

السبب الحقيقي وراء ذلك الشعور المختلف الذي تمنحه “ألنويك” لكل من يزورها أو يعيش فيها لا يكمن في أبراج القلعة أو زهور الكرز الفاتنة فحسب -رغم روعتهما التي لا تُنكر- ولا في مواطن التصوير الشهيرة أو حشود السياح، بل لأنها في جوهرها بلدة صاغتها سواعد وعقول أناس يهتمون بها بعمق، ومصممون على إبقاء روحها الأصيلة حية لا تموت.

المصدر:إكسبرس


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا