“عوقبت لأنني من السودان”.. قصص مؤلمة لطلاب حُرِموا من حلم الدراسة في بريطانيا
في ظل تشديد سياسات الهجرة في بريطانيا، تتكشف تداعيات إنسانية لقرار حكومي يقضي بتعليق مسارات تأشيرات الدراسة لعدد من الجنسيات، من بينها السودان.
وبينما تبرر السلطات القرار بمخاوف تتعلق بإساءة استخدام هذه المسارات، يروي طلاب سودانيون كيف تحولت فرصهم التعليمية إلى واقع مغلق، رغم أنهم فرّوا من الحرب وتمسكوا بالتعليم بوصفه السبيل الوحيد للنجاة وإعادة البناء.
“شعرت أنني أُعاقَب فقط لأنني من السودان“

قالت دعاء عبد الله (26 عامًا)، لصحيفة الإندبندنت: إنها شعرت بأنها “تُعاقَب فقط لأنها من السودان“، بعد حرمانها من التقدم للحصول على تأشيرة دراسية إلى بريطانيا.
واضطرت دعاء إلى مغادرة منزلها في الخرطوم بعد تدميره في نيسان/إبريل 2023، نتيجة الصراع بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني.
وتقول إنها، بعد أن شهدت نهب ممتلكات عائلتها، اعتقدت أن التعليم هو “الشيء الوحيد الذي لا يمكن انتزاعه منها“، قبل أن “يثبت خطأ هذا الاعتقاد” عقب القرار “المفاجئ وغير العادل للغاية” الذي اتخذته وزيرة الداخلية شابانا محمود.
وكانت وزيرة الداخلية قد أعلنت ما وصفته بـ“فرامل طارئة” على الهجرة، شملت تعليق تأشيرات الطلاب من السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، في ظل ارتفاع طلبات اللجوء عبر المسارات القانونية من هذه الدول.
وبموجب هذا القرار، لم تعد عبد الله قادرة على التقدم بطلب تأشيرة أو الالتحاق ببرنامج الماجستير في علوم الأعصاب والصحة العامة في جامعة ليفربول. وترى أن قرار وزارة الداخلية “عاقب الطلاب الجادين” و“حرمهم من حقهم في التعليم“، رغم ما شهده السودان من حرب قاسية خلال السنوات الأربع الماضية.
تعليم انقطع تحت وطأة الحرب

دعاء عبد الله كانت قد أتمت 7 فصول دراسية في كلية الطب، قبل أن تسيطر قوات الدعم السريع على جامعتها في مدينة ود مدني.
وأُجبرت عائلتها على الانتقال إلى قرية ريفية تفتقر إلى الكهرباء ومياه الشرب الآمنة، في بلد لا يحصل فيه إلا نحو 35 في المئة من السكان على الكهرباء، وفق معهد ترانسناشيونال (Transnational Institute).
وخلال تلك الفترة، تدهورت حالتها الصحية، إذ أُصيبت بالملاريا 4 مرات، إلى جانب إصابتها بحمى التيفوئيد.
وبعد أشهر من النزوح وانعدام الاستقرار ونقص الأدوية، تمكنت العائلة من الوصول إلى مصر.
لكنها فقدت مصدر دخلها الأبرز، بعدما كانت تعتمد على عوائد إيجار عدة شقق في السودان، ما دفع دعاء إلى تحمل مسؤولية إعالة أسرتها. كما واجهت صعوبة في العثور على عمل بصفتها طالبة لجوء.
مسار أكاديمي تعثر بقرار مفاجئ

وأمام هذه الظروف، قررت دعاء التقدم لمنحة دراسية في بريطانيا، لعدم قدرتها على تحمل تكاليف الدراسة في مصر، مؤكدة أن التعليم يمثل “المسار الوحيد” الذي يتيح لها دعم عائلتها والمساهمة في خدمة بلدها.
غير أن هذا المسار تعثر فجأة، عندما علمت بقرار تعليق التأشيرات أثناء استعدادها لاختبارات القبول، وهو ما وصفته بأنه “صدمة قاسية“.
وأضافت: “عانيت من صداع مستمر لثلاثة أيام بعد سماعي هذا القرار التمييزي، وحرماني من التعليم الذي لطالما دافعت عنه بريطانيا. لا أطلب معاملة خاصة، بل أريد أن أُعامل كطالبة اجتهدت للوصول إلى هذه المرحلة“.
وأكدت أن هدفها يتمثل في العودة إلى السودان، والمساهمة في إعادة بناء النظام الصحي، إلى جانب الإسهام في أبحاث علوم الأعصاب المرتبطة بالأمراض المعدية.
“أزمة منسية” وتعليم على حافة الانهيار

بدورها أوضحت فاطمة عثمان (26 عامًا)، أن مسيرتها التعليمية تعطلت مرارًا بسبب الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة في السودان، الذي يُوصف بأنه “أزمة منسية“.
وأشارت إلى أنها شعرت بـ“العجز وخيبة الأمل” نتيجة وجودها “في قلب الصراع“، حيث تأخر تخرجها من كلية الطب 3 سنوات، بسبب انتفاضة 2019، ووباء كوفيد-19، والحرب المستمرة.
ولم تسلم المؤسسات التعليمية من تداعيات النزاع، إذ لفتت إلى هجوم بطائرة مسيرة وقع في الـ11 من آذار/مارس، وأسفر عن مقتل 17 فتاة.
كما أُغلقت جامعات عديدة لأسباب أمنية، واضطر الطلاب إلى قطع مسافات طويلة عبر مناطق خطرة للوصول إلى مراكز الامتحانات القليلة المتبقية، فيما حُرم كثيرون من أداء الاختبارات المؤهلة للجامعة.
وقالت: “يمثل التعليم الاستقرار والفرصة وإمكانية إعادة البناء. بالنسبة لكثير من الطلاب السودانيين، يتعلق الأمر بالقدرة على مواصلة التعلم بينما تنهار مؤسساتنا بسبب الحرب“.
من أمل أكاديمي إلى واقع مغلق

حصلت فاطمة على عرض لدراسة الماجستير في الصحة الدولية والطب الاستوائي في جامعة أكسفورد (University of Oxford)، ووصفت ذلك بأنه “لحظة أمل نادرة“.
وكانت تخطط للعودة إلى السودان بعد إتمام دراستها، مؤكدة أنها أول فرد في عائلتها يلتحق بالتعليم الجامعي، وتشعر بمسؤولية تجاه رد الجميل لمجتمعها.
لكن قرار تعليق التأشيرات حال دون تقدمها بطلب الدراسة، وقالت: “عندما علمت بالقرار، شعرت بانكسار شديد“.
أرقام تثير الجدل

تشير بيانات وزارة الداخلية إلى أن الطلاب السودانيين شكّلوا نحو 6 في المئة فقط (5,869 شخصًا) من إجمالي 100,625 طلب لجوء في بريطانيا خلال العام الماضي.
وترى فاطمة أن “هذه الأعداد المحدودة تُستخدم لتبرير سياسة شاملة تؤثر على مجموعة كاملة من الطلاب“، مؤكدة أن القرارات التي تمس مستقبل آلاف الشباب يجب أن تستند إلى العدالة والتناسب وفهم السياق الكامل.
رد وزارة الداخلية في بريطانيا

في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الداخلية: إن مسارات الدراسة “تُساء استغلالها” بوصفها منفذًا غير مباشر لتقديم طلبات اللجوء.
وأضاف أن الحكومة اتخذت “إجراءات غير مسبوقة” لتعليق هذه المسارات من 4 دول، مؤكدًا التزام بريطانيا بتوسيع الطرق الآمنة والقانونية للفارين من الاضطهاد، واستقطاب الكفاءات “بطريقة عادلة ومنظمة“، مع منع استغلال نظام الهجرة.
المصدر: الإندبندنت
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇