عندما تفشل القيادة القديمة: لماذا تتغير قواعد الإدارة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
من المدير الذي يملك كل الإجابات إلى القائد الذي يعرف كيف يصغي ويتكيف: كيف تعيد التكنولوجيا والعمل الهجين تشكيل مفهوم القيادة في 2026؟
كان القائد الناجح، وفق الصورة التقليدية، يقف في أعلى الهرم؛ يقرر ويوجه ويراقب، ثم يحاسب الآخرين على التنفيذ.
لكن عالم العمل الذي صُممت له هذه الصورة لم يعد كما كان.
في المؤسسات الحديثة، قد يعمل موظف من منزله ويشارك في اجتماع مع فريق موزع بين لندن وسنغافورة ونيويورك، بينما تتولى أدوات الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات كان المدير يحتاج في السابق إلى فريق كامل لمعالجتها. وفي الوقت نفسه، يصبح التحدي أمام القائد أقل ارتباطًا بقدرته على امتلاك الإجابة، وأكثر ارتباطًا بقدرته على اتخاذ قرار مسؤول وسط معلومات تتغير بسرعة.
وهذا ليس مجرد اتجاه إداري عابر.
يقول معهد تشارترد للأفراد والتنمية (CIPD) إن توقعات القيادة تغيرت بصورة حادة في ظل حالة عدم اليقين والعمل الهجين والتطور التكنولوجي والانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي.
ويشير المعهد إلى أن القادة أصبحوا مطالبين بمزيد من الشفافية والتعاطف والحكم الأخلاقي، في وقت لا تزال فيه بعض المؤسسات تكافئ سلوكيات تقوم على اليقين والسرعة والسيطرة.
نهاية عصر «الأمر والسيطرة»؟

يُعد نموذج «الأمر والسيطرة» من أكثر نماذج القيادة التي تخضع للمراجعة، إذ يقوم على وجود هرم واضح للسلطة، يتخذ فيه القائد القرارات بينما يتولى الآخرون تنفيذها.
وتنتقد CIPD استمرار بعض المؤسسات في الاعتماد على نماذج قيادية صُممت لبيئات أكثر استقرارًا، معتبرة أن القيادة المستقبلية تحتاج إلى أن تكون أكثر تركيزًا على الإنسان والثقة والثقافة، وليس على القائد وحده.
لكن هذا لا يعني أن الحزم أو السلطة أو سرعة اتخاذ القرار فقدت قيمتها.
ففي أزمة أمنية أو مالية أو تشغيلية، قد تحتاج المؤسسة إلى قرار مركزي وواضح. وتبدأ المشكلة عندما يتحول أسلوب الطوارئ إلى طريقة الإدارة اليومية، أو عندما يفترض المدير أن وجوده في أعلى الهرم يمنحه تلقائيًا أفضل معرفة لاتخاذ جميع القرارات.
فالخبرة لم تعد بالضرورة موجودة في مكتب المدير.
قد تكون لدى مهندس شاب، أو محلل بيانات، أو طبيب، أو مصمم، أو موظف يتعامل مباشرة مع العملاء.
وهنا تبدأ القاعدة القديمة في الاهتزاز.
القائد الذي لا يعرف كل شيء
من أبرز التحولات في مفهوم القيادة الحديثة الانتقال من صورة «القائد الخبير بكل شيء» إلى قائد يعرف كيف يدير المعرفة الموجودة داخل المؤسسة.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في نقاشات القيادة الحديثة في بريطانيا، حيث أصبحت القدرة على الاستماع والتكيف وفهم السياق الاجتماعي والتنظيمي أكثر أهمية عند اختيار القيادات.
وفي تقرير حديث نشرته صحيفة فايننشال تايمز في سبتمبر 2026، أشار متخصصون في البحث عن كبار التنفيذيين إلى أن مجالس الإدارة تبحث، إلى جانب الخبرة والسجل المهني، عن التفكير النظمي والفضول والقدرة على التكيف والمرونة والذكاء الاجتماعي والوعي بالذات.
كما تناول التقرير توجهًا نحو قادة يوزعون السلطة بدلًا من احتكارها.
المعنى هنا مهم: القائد الجديد ليس بالضرورة الشخص الذي يتحدث أكثر في غرفة الاجتماعات، بل الشخص الذي يستطيع أن يجعل الغرفة بأكملها أكثر ذكاءً.
الذكاء الاصطناعي يغير وظيفة المدير

قبل سنوات قليلة، كان النقاش حول التكنولوجيا يدور غالبًا حول سؤال: هل ستستبدل الآلات الموظفين؟
أما السؤال الذي تواجهه القيادات الآن فأصبح أكثر تعقيدًا:
كيف تستخدم المؤسسة الذكاء الاصطناعي من دون أن تفقد الحكم البشري والثقة والمسؤولية؟
وتشير CIPD إلى أن قرارات المؤسسات المتعلقة بالأتمتة والبيانات والأدوات الخوارزمية تؤثر مباشرة في الثقة والعدالة وتجربة الموظفين.
ولهذا أصبحت إدارة الذكاء الاصطناعي قضية تتعلق بالقيادة والثقافة المؤسسية، وليس مجرد مشروع تقني.
وفي أغسطس 2026، نقلت فايننشال تايمز عن مسؤولين في شركات استشارات بريطانية أن توسع الذكاء الاصطناعي في الأعمال التقنية الروتينية يدفع الشركات إلى إعادة التركيز على المهارات الإنسانية، مثل التواصل والتعاطف والحكم المهني والتعلم من أصحاب الخبرة.
والمفارقة أن التكنولوجيا التي كان يُعتقد أنها ستقلل أهمية الإنسان قد تجعل بعض المهارات الإنسانية أكثر قيمة.
العمل الهجين يكشف ضعف بعض المديرين
لم ينته المكتب، لكنه لم يعد المكان الوحيد الذي يحدث فيه العمل.
وتشير بيانات CIPD المنشورة في 2025 إلى أن 74 في المئة من المؤسسات البريطانية التي شملها البحث كانت تطبق العمل الهجين، بينما قالت المؤسسات إن هذا النمط ساعد في استقطاب المواهب والاحتفاظ بها وتوسيع نطاق التوظيف جغرافيًا.
وفي المقابل، أبلغ أصحاب العمل عن تحديات تتعلق بقدرة المديرين على قيادة الفرق والارتباط بثقافة المؤسسة وهدفها.
وهنا تظهر مشكلة لا تستطيع نظرية قيادية قديمة حلها بمفردها.
إذا كان المدير يعتمد على مراقبة الموظف من خلال رؤيته يوميًا في المكتب، فماذا يحدث عندما لا يكون الموظف أمامه؟
هل يقيس العمل بعدد الساعات التي يقضيها الشخص خلف المكتب؟
أم بنتائج العمل؟
أم بجودة القرارات؟
أم بقدرة الفريق على التعاون والابتكار؟
هذه الأسئلة تدفع المؤسسات إلى إعادة تعريف مفهوم الأداء نفسه.
هل ماتت القيادة التحويلية والقيادة الخادمة؟

ليس بهذه البساطة.
من السهل إعلاميًا القول إن نظريات القيادة القديمة «انتهت»، لكن الأدبيات الأكاديمية لا تسمح دائمًا بمثل هذا الحكم المطلق.
فالقيادة التحويلية والقيادة الخادمة ما زالتا حاضرتين في الدراسات والممارسات الإدارية. لكنهما تعرضتا أيضًا لانتقادات تتعلق بتعدد تعريفاتهما ومقاييسهما واتساع نطاق استخدامهما.
وفي مقال منشور عبر LSE Business Review، انتقد الباحث جون آروم أندرسن تطور هاتين النظريتين، مشيرًا إلى تعدد الصيغ والتعريفات المستخدمة لكل منهما، وما يترتب على ذلك من مشكلات في الوضوح النظري وإمكانية المقارنة بين الدراسات.
وهذه نقطة تستحق الانتباه.
فالمشكلة ليست أن فكرة «إلهام الموظفين» أصبحت بلا قيمة، ولا أن الاهتمام بالعاملين أصبح من الماضي.
المشكلة تكمن في تحويل أي نظرية إلى وصفة عالمية يمكن أن تقود إلى تطبيقها خارج السياق الذي صُممت لفهمه.
لا توجد وصفة واحدة للقيادة
تناولت LSE Business Review في 2024 هذا التعقيد بصورة مباشرة، مشيرة إلى تعدد النماذج القيادية، وإلى أن ملاءمة أسلوب القيادة تتأثر بعوامل من بينها طبيعة المؤسسة والثقافة وتركيبة الفريق والظروف التي يمر بها.
وهذا يضعف فكرة وجود «قائد مثالي» يمكن تعريفه بمجموعة ثابتة من الصفات.
فالقائد الذي يحتاج إليه فريق في أزمة ليس بالضرورة هو القائد الذي يحتاج إليه فريق من الباحثين.
والمدير الذي يقود فريقًا مستقرًا قد يستخدم أدوات مختلفة عن مدير يقود عملية تحول رقمي واسعة.
حتى العمل الهجين نفسه لا يقدم نموذجًا واحدًا.
وتظهر بيانات CIPD أن 91 في المئة من أصحاب العمل الذين شملهم بحث 2025 يوفرون نوعًا من العمل المرن، بينما قال 65 في المئة من المؤسسات إنها تطلب حضور الموظفين إلى مقر العمل لعدد أدنى من الأيام.
وهذا يكشف أن المؤسسات نفسها لا تزال تبحث عن توازن بين المرونة والحضور المباشر.
ما الذي يبقى من نظريات القيادة القديمة؟

ربما لا ينبغي التخلي عن النظريات نفسها بقدر ما ينبغي التخلي عن الاعتقاد بأنها قوانين ثابتة.
فيمكن لنظرية قديمة أن تقدم مفهومًا مفيدًا لفهم سلوك بشري أو تنظيمي، لكن استخدامها يحتاج إلى اختبارها أمام الواقع الحالي.
وهنا تبرز أهمية ما تسميه CIPD الممارسة القائمة على الأدلة، أي عدم التعامل مع «أفضل الممارسات» بوصفها حقائق مطلقة، وإنما النظر في الأدلة والسياق والنتائج قبل اتخاذ القرار.
وبهذا المعنى، لا تحتاج المؤسسات بالضرورة إلى حذف كتب القيادة القديمة من مكتباتها.
ما تحتاجه هو التوقف عن قراءتها باعتبارها كتيبات تعليمات.
القائد في 2026 ليس نسخة مطورة من المدير القديم
التحول الجاري أعمق من مجرد إضافة مهارة الذكاء الاصطناعي إلى قائمة مهارات المدير.
فالقائد المعاصر يعمل في بيئة يمكن أن تتغير فيها التكنولوجيا قبل أن تتغير الهيكلة التنظيمية، ويمكن أن يعمل فريقه من أماكن مختلفة، ويمكن أن تتخذ الخوارزميات قرارات تؤثر في الموظفين والعملاء، بينما تصبح الثقة أكثر صعوبة في البناء وأسهل في الفقدان.
ولهذا تبرز صفات مثل القدرة على التعلم والاستماع والتكيف وفهم الأنظمة المعقدة والوعي بالحدود الشخصية والمهنية والقدرة على توزيع السلطة، إلى جانب الكفاءة الفنية والخبرة.
لكن ذلك لا يعني أن القيادة أصبحت «ناعمة».
على العكس.
قد تكون القيادة الحديثة أكثر صعوبة، لأنها تتطلب من المدير أن يعرف متى يستخدم السلطة ومتى يتخلى عن جزء منها، ومتى يحسم ومتى يستمع، ومتى يثق بالآلة ومتى يضع الحكم البشري فوق مخرجاتها.
من يقود: الإنسان أم النظام؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في المرحلة المقبلة.
فالمؤسسات لا تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بمجرد شراء أدوات جديدة.
إنها تدخل عصرًا يتغير فيه توزيع المعرفة والقرار والسلطة.
ولهذا فإن النموذج القديم، الذي يضع المدير في قمة الهرم ويجعل الآخرين ينتظرون تعليماته، يواجه اختبارًا حقيقيًا.
ليس لأن كل ما سبقه أصبح عديم القيمة، وإنما لأن العالم الذي صُممت بعض تلك النماذج له تغير بصورة عميقة.
القيادة في 2026 لا تحتاج إلى شخص يدعي امتلاك جميع الإجابات.
إنها تحتاج إلى شخص يعرف كيف يصنع بيئة يستطيع فيها الآخرون طرح الأسئلة ومشاركة المعرفة ومراجعة القرارات واستخدام التكنولوجيا دون التخلي عن المسؤولية البشرية.
وهنا تحديدًا قد يكون أكبر تغيير في القيادة الحديثة:
لم تعد قوة القائد تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يتبعون أوامره، وإنما بقدرته على بناء مؤسسة تستطيع التفكير والتعلم والتكيف حتى عندما لا يكون موجودًا في الغرفة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇