دراسة: عطلة كل شهرين تقلّل التوتر وتحارب “الاحتراق الوظيفي”
في زمنٍ أصبحت فيه ضغوط العمل جزءًا يوميًا من حياة الملايين، لم تعد الإجازة رفاهية بقدر ما أصبحت ضرورة للصحة النفسية والجسدية.
دراسة علمية حديثة أثارت اهتمامًا واسعًا بعد أن خلصت إلى أن أخذ عطلات قصيرة ومتكررة قد يكون أكثر فاعلية من انتظار إجازة سنوية طويلة لاستعادة التوازن النفسي والتخلص من ضغوط العمل.
وبحسب الدراسة التي حملت عنوان “Maximizing Recovery: The Superiority of Frequent Vacations for Well-Being and Performance”، فإن الموظفين الذين يحصلون على فترات راحة متقاربة — بمعدل عطلة كل شهرين تقريبًا — يحققون مستويات أفضل من التعافي الذهني والطاقة والإنتاجية مقارنة بمن يعتمدون على إجازة طويلة واحدة سنويًا.
ماذا تقول الدراسة عن محاربة “الاحتراق الوظيفي”؟

الدراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Cureus الطبية، وأعدّها الباحث سيلفراج غيريدهاران بالتعاون مع الطبيبة النفسية بوفانا بانديان. وقد استندت إلى مراجعة مجموعة واسعة من الأبحاث السابقة المتعلقة بالإجهاد المهني وتأثير الإجازات على الصحة النفسية والأداء الوظيفي.
ووجد الباحثان أن:
- الإجازات القصيرة والمتكررة تساعد على خفض مستويات التوتر والإرهاق الذهني.
- فوائد الإجازة غالبًا ما تبدأ بالتراجع خلال أسبوع واحد فقط من العودة إلى العمل.
- الانفصال الكامل عن رسائل البريد الإلكتروني وضغوط العمل أثناء الإجازة يُعد عاملًا أساسيًا لتحقيق التعافي النفسي.
- الأنشطة المرتبطة بالطبيعة أو الرياضة أو التواصل الاجتماعي تعزّز التأثير الإيجابي للإجازات.
لماذا الإجازات القصيرة أفضل من الطويلة؟
تشير الدراسة إلى ما يُعرف بـ “تأثير التلاشي”، أي أن الشعور بالراحة والتحسن النفسي بعد الإجازة لا يستمر لفترة طويلة لدى معظم العاملين، خصوصًا عند العودة إلى بيئة عمل مرهقة أو ساعات عمل مكثفة. ولهذا، فإن توزيع الإجازات على مدار العام يمنح العقل والجسد فرصًا متكررة لإعادة الشحن بدلاً من الاعتماد على راحة موسمية واحدة.
كما أوضحت أبحاث سابقة استشهدت بها الدراسة أن الموظفين الذين يأخذون عطلات متقاربة يسجلون مستويات أعلى من الرضا الوظيفي والطاقة والحافز مقارنة بمن ينتظرون الإجازة السنوية فقط.
هل هذا ممكن عملياً في بريطانيا؟

في بريطانيا، يحق للعاملين بدوام كامل عادةً الحصول على 28 يومًا كحد أدنى من الإجازات السنوية المدفوعة، بما يشمل العطل الرسمية. لكن خبراء الصحة المهنية يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الأيام، بل بطريقة توزيعها واستخدامها.
وتتزايد في السنوات الأخيرة دعوات داخل بيئات العمل البريطانية لتبني سياسات أكثر مرونة، مثل:
- تشجيع الإجازات القصيرة المتعددة.
- تقليل التواصل المهني خارج أوقات الدوام.
- دعم الصحة النفسية للموظفين.
- تعزيز التوازن بين الحياة والعمل.
معلومات إضافية مهمة
الدراسة لم تدعُ إلى السفر المكلف أو الإجازات الفاخرة، بل أكدت أن “الانفصال الذهني عن العمل” هو العنصر الأهم. بمعنى أن قضاء بضعة أيام بعيدًا عن الضغوط اليومية — حتى داخل المدينة نفسها — قد يحقق فائدة واضحة إذا ترافق مع الراحة الحقيقية وإيقاف التواصل المهني.
كما شدد الباحثون على أن تراكم الإرهاق دون فترات استشفاء منتظمة قد يؤدي إلى:
- الاحتراق الوظيفي.
- انخفاض الإنتاجية.
- اضطرابات النوم.
- القلق والتوتر المزمن.
- تراجع الصحة الجسدية والنفسية.
هل هناك انتقادات للدراسة؟

رغم الانتشار الكبير للدراسة عبر وسائل الإعلام، يرى بعض المختصين أن تطبيق فكرة “إجازة كل شهرين” قد يكون صعبًا لبعض المهن أو الظروف الاقتصادية، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وضغط العمل في كثير من القطاعات.
لكن في المقابل، يؤكد خبراء الصحة النفسية أن الرسالة الأساسية للدراسة ليست السفر المتكرر بحد ذاته، وإنما أهمية أخذ فترات راحة منتظمة وعدم الوصول إلى مرحلة الإنهاك الكامل قبل التفكير في التوقف.
في ظل تسارع نمط الحياة وضغوط العمل المتزايدة، قد يكون من المفيد إعادة التفكير في علاقتنا بالراحة والإجازات. ليس المطلوب بالضرورة رحلات باهظة أو غياباً طويلاً عن العمل، بل تخصيص وقت دوري لاستعادة التوازن النفسي والجسدي.
الراحة المنتظمة ليست ترفاً، بل استثمار مباشر في الصحة والإنتاجية وجودة الحياة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇