العرب في بريطانيا | وراء الصبر أشياء جميلة لا نراها

وراء الصبر أشياء جميلة لا نراها

وراء الصبر أشياء جميلة لانراها
ريم العتيبي سبتمبر 25, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كلما سمعت قصة عن الصبر أدهشتني نهايتها

أناسٌ مرّوا بابتلاءات قاسية، وعاشوا قصصًا محزنة ربما لو سمعنا تفاصيلها لقلنا كيف استطاعوا أن يحتملوا كل هذا ؟!!

مرّت بهم أيام قاسية طويلة، ظنّوا أنها لن تنتهي، أغلقت في وجوههم أبواب كثيرة، وفقدوا أشياء أحبوها، وتأخرت عنهم أمنيات انتظروها،  وذاقوا من الحزن والخذلان والفقد ما أثقل قلوبهم… ومع ذلك صبروا.

صبروا لا لأن الألم كان هيّنًا، ولا لأن الابتلاء كان سهلًا، ولا لأنهم لم يبكوا أويحزنوا، بل لأن في أعماق قلوبهم يقينًا، بأن الله يرى ما يمرّون به، صبروا محتسبين أجرهم عند الله سبحانه وتعالى، وبأنه سبحانه يسمع دعاءهم، ويعلم ما في صدورهم، وأنه سبحانه لا يضيّع أجر الصابرين.

وما أجمل أن يعيش الإنسان بهذا اليقين

وحين نسمع قصصهم بعد أن انقضت غالبًا ما نسمع النهاية الجميلة: جاء الفرج ولله الحمد، وتبدّل الحال، وعوّضهم الله، وفُتحت لهم أبواب لم يكونوا يتوقعونها.

فنُعجب من النهاية، ونقول ما أجمل عوض الله!

نحن لم نعش معهم التفاصيل التي سبقت تلك النهاية.

لم نرَ لياليهم الطويلة حين نام الجميع وبقوا وحدهم مع حزنهم، ولم نسمع دعواتهم التي كرروها مئات المرات، ولم نرَ دموعهم حين تأخر الجواب، ولا تلك اللحظات التي أوشك فيها اليأس أن يقترب من قلوبهم ثم قاوموه بحسن الظن بالله.

نحن نرى العوض لكن الله وحده من كان معهم في أحلك الليالى وأصعبها، كان معهم في كل التفاصيل، وكان شاهدًا على صبرهم لهذا جازاهم خير الجزاء وأخرجهم من حلق الضيق الى أوسع الطريق.

رأى الصبر حين كان مؤلمًا، ورأى القلب حين انكسر، ورأى الدعاء حين خرج من أعماق الروح، ورأى ذلك الشخص الصابر وهو يجاهد نفسه ليقول رغم كل شيء: يا رب أنا أثق بك وانت حسبي ووكيلي.

وما أجمل أن يعيش الإنسان بهذا اليقين.

أن يعرف أن كل لحظة صبر لم تذهب هباءً، وكل دمعة حبسها احتسابًا لم تُنسَ، وكل وجع أخفاه في صدره وقال معه: يا رب، أنا راضٍ بك وواثق بتدبيرك… قد علم الله به.

نحن أحيانًا نستعجل نهاية القصة.

نريد أن نرى ثمرة صبرنا الآن، وأن نفهم لماذا تأخر الفرج، ولماذا طال الطريق، ولماذا حُرمنا شيئًا أحببناه، ولماذا ابتُلينا بما لم نتوقعه.

لكن الله يرى القصة كاملة، ونحن لا نرى منها إلا الصفحة التي نقف عندها، فكونوا على يقين بأنه سبحانه سيأتيكم بالعوض الجميل في الوقت المناسب.

فكم من أمرٍ بكينا عليه ثم مرّت السنوات فحمدنا الله أنه لم يقع كما أردنا، وكم من باب أُغلق في وجوهنا، فإذا به يحمينا من شر لم نكن نراه، وكم من تأخير حسبناه حرمانًا، ثم اكتشفنا أنه كان إعدادًا لعطاء أجمل.

لهذا فإن الصبر ليس ضعفًا ولا استسلامًا.

الصبر قوة قلب.

أن تتألم ولا تفقد رجاءك بالله.

أن تنتظر ولا تسيء الظن به.

أن تضيق بك الدنيا، ويبقى في داخلك صوت يقول: سيجعل الله بعد عسرٍ يسرًا.

أن تدعو طويلًا، وربما لا ترى الإجابة بالصورة التي تمنيتها، ومع ذلك تقول: ربي يسمعني، وربي يعلم حاجتي، وربي أرحم بي من نفسي، وسيختار لي الخير في الوقت الذي يريده، وبالطريقة التي يريدها.

والأجمل من كل ذلك أن الصابر مع الله لا يخسر.

فإن جاءه ما تمناه، ذاق حلاوة الفرج بعد الصبر.

وإن صرف الله عنه ما تمناه، عوّضه بما هو خير له.

وإن امتد ابتلاؤه إلى آخر عمره، فما ضاع صبره؛ لأن وراء هذه الدنيا دارًا أخرى، لا ألم فيها ولا فراق ولا انتظار.

وهنا يصبح للصبر معنى أعظم بكثير.

فالإنسان قد يصبر سنوات على مرض، أو فقد، أو وحدة، أو ضيق رزق، أوأمنية تأخرت، وربما يغادر الدنيا قبل أن يرى التعويض الذي كان ينتظره.

فهل ضاع صبره؟

أبدًا.

يكفي الصابرين وعد الله الذي تهتز له القلوب:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

بغير حساب…

وكأن كل مقاييس الدنيا تعجز عن قياس أجرهم.

هناك، في الآخرة، سيدرك الإنسان أن لحظات الصبر التي كانت ثقيلة على قلبه لم تكن شيئًا أمام ما أعدّه الله له.

سيهون تعب السنين.

وتهون ليالي الحزن.

وتهون الدموع التي لم يرها أحد.

وتهون الأمنيات التي تأخرت.

لأن العوض هذه المرة ليس شيئًا ينتهي، بل نعيم لا يزول، ورحمة لا تنقطع، وجنات قال الله عنها: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، عرضها السماوات والأرض.

فيا من طال صبره…

لا تظن أن الله نسيك.

ويا من أثقله الانتظار…

لا تجعل طول الطريق يسرق منك حسن الظن بالله.

ويا من تحمل في قلبك وجعًا لا يعرفه أحد…

يكفي أن الله يعرفه.

قد لا يأتي التعويض بالطريقة التي رسمتها، وقد لا يأتي في الموعد الذي حددته أنت، لكن المؤمن لا يربط ثقته بالله بصورة واحدة للعوض.

هو يقول:

يا رب، أنا أثق بك أكثر مما أثق بما أتمناه.

وهذه منزلة عظيمة.

أن يتحول الصبر من انتظارٍ للفرج إلى عبادة.

ومن سؤال: متى سينتهي هذا؟

إلى يقين يقول: مهما طال، فلن يضيع عند الله.

فليس كل جزاء هو الصبر في الدنيا، وإن كان الله يفتح للصابرين فيها أبوابًا من الخير والسكينة والعوض لا تخطر لهم على بال.

لكن الجزاء الأكبر هناك…

حين تنتهي الدنيا كلها، وتنتهي معها الأحزان والآلام والانتظارات، ويبقى الأجر.

ويبقى قول الله تعالى:

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

ما أعظمها من نهاية.

سلامٌ عليكم… بما صبرتم.

كأن سنوات الألم اختُصرت في كلمة، ثم جاء بعدها النعيم الذي لا ينتهي.

لذلك أحب قصص الصابرين؛ لأن نهاياتها تعلّمنا أن الله لا يضيّع شيئًا.

لا يضيّع دعاءً.

ولا دمعة.

ولا وجعًا.

ولا انتظارًا.

ولا قلبًا أحسن الظن به وهو يتألم.

فاصبر…

ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الله مع الصابرين.

واصبر وأنت موقن أن لك في كل لحظة احتسبتها عند الله خيرًا؛ خيرًا قد تراه في دنياك، وخيرًا قد يدّخره الله لك حتى تلقاه.

وما ادّخره الله خيرٌ وأبقى.

ولعل أجمل ما يقال في نهاية كل قصة صبر:

الحمد لله أننا لم نيأس حين تأخر الفرج،

والحمد لله أننا وثقنا بالله حين لم نفهم،

والحمد لله على أيام ظنناها قاسية، فإذا بها تقودنا إلى خير لم نكن نراه.

فطوبى للصابرين.

وطوبى لمن طال انتظاره ولم يتغير حسن ظنه بربه.

وطوبى لمن احتسب ألمه، ورفع شكواه إلى الله.

إن للصبر نهاية…ولن تدوم المحن

أما أجر الصبر عند الله  فلا نهاية له.

اترك تعليقا

↑