ثلاث سنوات… وغزة لا تزال وجعًا لا تتّسع له الكلمات
تهدأ الروح أحيانًا بكلماتٍ نكتبها لنشعر بالراحة وأحيانًا لنتمسّك ببصيص أمل. لكن عندما نكتب لغزة بعد كل ماحدث لها نشعر بالثقل قبل الكتابة وأثناءها وبعدها؛ نشعر أن كل الكلمات أقلّ من الحقيقة، وأن اللغة مهما اتّسعت تضيق أمام هذا الوجع.
اليوم مرت ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات من حربٍ أنطقت أخبارها الحجر لا البشر وحدهم. ثلاث سنوات من أبشع صور الكوارث الإنسانية التي كتبت في التاريخ، من أطفالٍ كبروا على صوت القصف وغيرهم بترت أطرافهم، وأمهاتٍ حفظن ملامح أبنائهن في الصور بعد رحيلهم، وبيوتٍ صارت ركامًا وذكريات.
صرخات ودموع وقصص فاجعة
نكتب عن غزة ثم نمحو ونكتب من جديد؛ لأننا نعرف أن الحروف لا توقف موتًا، لكنها على الأقل تصرخ في وجه عالمٍ يتعلّم كل يوم كيف يرى كل هذه البشاعة ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن.
واليوم في الذكرى الثالثة لحرب الإبادة لم أستيقظ على خبرٍ من غزة، بل على رسالة منها.
رسالة من فتاةٍ صديقة حبيبة إلى قلبي تعيش هناك. قرأتها مرة، ثم عدت إليها مرة أخرى. لم أسمع صوتها، ومع ذلك شعرت برجفتها وهي تكتب، وكأن الخوف يستطيع أن يعبر كل هذه المسافة ويصل إلينا من خلال كلمات قليلة على شاشة هاتف.
كتبت لي:
«ربنا سلّمنا… حزام ناري لا يبعد عنا إلا شارع».
ثم توالت رسائلها القصيرة:
«كنا نصاب بالجنون من شدة الخوف… والله يا خالتو كان قلبي حيوقف من شدة الأصوات، ومن خوفي عَ ليان وإخواني… مش عارفين شو اللي بيصير، وين بالضبط».
توقفت طويلًا عند «يا خالتو».
كم بدت لي هذه الكلمة مختلفة هذه المرة، كلمة اعتدت أن أقرأها منها بمحبة وقرب، وجدتها هذه المرة محاطة بالخوف والنار. تمنيت لو أن القرب الذي تحمله هذه الكلمة يستطيع أن يهزم المسافة بيننا، وأن أمد يدي من هنا لأحتضنها، أو أفعل أي شيء أكثر من أن أحدّق في شاشة هاتفي وأبحث عن كلمات أجيبها بها.
لكن ماذا نقول لمن يخبرنا أن النار كانت على بُعد شارع منه؟
هل نقول: لا تخافي؟
كيف لا تخاف وهي لا تعرف أين ستكون الضربة التالية؟
هل نقول: اطمئني؟
ومن أين نأتي بالطمأنينة لإنسان يعيش كل هذا؟
وجدتني عاجزة حتى عن اختيار الكلمات. كل ما يمكن أن يقال بدا صغيرًا أمام جملة واحدة منها: «والله يا خالتو كان قلبي حيوقف».
كنت أقرأ الخوف، وهي تعيشه.
أنا أتخيّل الأصوات، وهي تسمعها. أنا أستطيع أن أضع هاتفي جانبًا للحظة حين يثقل قلبي، أما هي فلا تستطيع أن تضع الحرب جانبًا. وبين «هنا» و«هناك» شعرت أن المسافة ليست ما تقيسه الخرائط، المسافة الحقيقية هي أن يكون إنسان تحبه خائفًا، وألا تستطيع أن تفعل له شيئًا سوى أن تنتظر رسالة أخرى تخبرك أنه ما زال بخير.
وحتى في خوفها، لم تكن تتحدث عن نفسها وحدها. كانت تخاف على عائلتها وكأن القلب، حتى حين يرتجف على حياته، يجد متّسعًا ليرتجف أكثر على من يحب.
عندها لم تعد عبارة «حزام ناري» بالنسبة إليّ مجرد عبارة تتكرر في الأخبار. صار لها صوت أعرفه. صار خلفها قلب يقول: «كان قلبي حيوقف»، وأخت تخاف على إخوتها وعائلة لا تعرف أين القصف، وأناس لا يعرفون ماذا تحمل لهم الدقائق القادمة.
وهكذا هي أخبار غزة التي تصلنا كل يوم: تصل في سطر، بينما يعيش إنسان هناك عمرًا كاملًا من الخوف داخل ذلك السطر.
ولعل أقسى ما في المأساة حين تطول أن ما كان يهزّنا في بداياتها قد يتسلّل شيئًا فشيئًا إلى أيامنا كخبرٍ، أيعقل أن نعتاده؟! نفتح هواتفنا، نرى صورة لبيتٍ صار ركامًا أو عائلة فقدت أحد أفرادها، ثم نغلق الشاشة بكل وجع ونعود إلى تفاصيل حياتنا. ليس لأن المشهد أصبح أقل ألمًا بل لأن العجز الذي حلّ بنا أبكانا.
لكن المأساة حين تصبح مألوفة لمن يشاهدها من بعيد، لا تصبح أقل قسوة على من يعيشها.
وربما هنا يكمن واحد من أشد أوجه الوجع: أن يتحول الإنسان إلى رقم، وأن نسمع أعداد الضحايا ولانستطيع أن نفعل أي شيء، ولا أن نحصي تلك الوجوه والحكايات.
فهناك وراء كل رقم حياة كاملة.
طفل كان ينتظر أن يكبر، وطالبة تخطط لمستقبلها، وأب يفكر في قوت أبنائه، وأم ترتب بيتها وتخبئ لأطفالها شيئًا يحبونه. أناس كانوا يعيشون تفاصيل عادية جدًا؛ تلك التفاصيل التي لا ندرك كم هي ثمينة إلا حين تصبح حلمًا بعيد المنال.
ومع كل هذا الخراب، يبقى في غزة ما يحيّر القلب، قدرة الإنسان على التشبث بالحياة حتى حين تضيق به الحياة نفسها.
طفل يبتسم رغم الخوف، وأم تخفي قلقها لتطمئن أبناءها، وإنسان يعود إلى ما بقي من بيته يبحث بين الأشياء عن صورة، أو كتاب، أو ذكرى صغيرة تقول له إن حياةً كانت هنا يومًا.
فالبيت ليس جدرانًا فقط.
البيت أصوات من عاشوا فيه، ورائحة الطعام، ومكان الكرسي، وضحكات مرّت من غرفة إلى أخرى، وعلامة صغيرة على الحائط تركها طفل وهو يكبر. وحين يهدم البيت، لا يسقط الحجر وحده؛ تسقط معه أجزاء من الذاكرة، ويقف الإنسان أمام الركام محاولًا أن يتعرّف إلى حياته بين الحجارة.
وأمام كل ذلك، ماذا تستطيع الكلمات أن تفعل؟
لا أعرف.
وربما لا ينبغي لنا دائمًا أن نتظاهر بأننا نملك الإجابات. فبعض المآسي أكبر من أن نختمها بحكمة، وبعض الألم لا يحتاج إلى جملة بليغة بقدر ما يحتاج إلى قلب لا يعتاد رؤيته.
لهذا نكتب.
لا لأن الكتابة تعيد من رحل، ولا لأنها تبني بيتًا هُدم، ولا لأنها تطفئ خوف إنسان في ليلة طويلة. نكتب لأن الصمت أمام كل هذا يبدو أثقل من الكلام.
نكتب كي تبقى الوجوه وجوهًا لا أرقامًا، والأسماء حكايات لا إحصاءات، وكي لا تتحول المأساة مع مرور الوقت إلى خبر قديم نمرّ عليه بلا شعور.
نكتب لأن الإنسان حين يعجز عن تغيير كل شيء، يحاول على الأقل ألا يسمح للنسيان أن ينتصر.
ثلاث سنوات مرّت، لكن هناك أشياء لا تقاس بالسنوات. لا نعرف كم من الوقت يحتاج طفل كي ينسى صوتًا أخافه، ولا كم من العمر تحتاج أم لتتعلّم العيش مع مكان فارغ كان يومًا ممتلئًا بمن تحب، ولا كيف يعود الإنسان إلى حياته بعد أن تغيّرت ملامح الحياة نفسها.
وربما يأتي يوم تسكت فيه أصوات الحرب، لكن الصمت الذي يأتي بعدها لن يمحو ما حدث. ستبقى ذاكرة من فقدوا أحبتهم، وعيون أطفال رأوا ما لم يكن ينبغي لطفل أن يراه، وأماكن فارغة كان يجلس فيها أشخاص لن يعودوا.
وحين يأتي ذلك اليوم، لن يكون السؤال فقط عمّا تهدّم، بل عمّا بقي داخل الإنسان بعد كل هذا الخراب.
لهذا، كلما حاولنا أن نكتب عن غزة وشعرنا أن الكلمات تخوننا، ربما لا يكون ذلك عجزًا في اللغة، بل لأن بعض الأوجاع أكبر من الكلمات.
ومع ذلك نكتب.
نكتب لأننا نخشى اليوم الذي لا نشعر فيه بالحاجة إلى الكتابة.
نكتب حتى لا يصبح الألم مألوفًا، ولا الموت بالطرق البشعة عاديًا ولا الإنسانية رخيصة.
واليوم، بعد ثلاث سنوات، ما زالت تصلنا من غزة رسائل تقول إن خلف الأخبار قلوبًا ترتجف، وأمهاتٍ وآباءً وأطفالًا وإخوةً يخاف بعضهم على بعض.
وما زالت تصلني منها تلك الكلمات:
«والله يا خالتو كان قلبي حيوقف…»
ربما لهذا، بعد ثلاث سنوات، لا تزال غزة وجعًا لا تتّسع له الكلمات.
الرابط المختصر هنا ⬇


