من النكبة إلى مسيرات الفاشيين.. كيف أصبح المسلمون واليهود هدفًا لليمين المتطرف في بريطانيا؟
في كل عام، يحرص زوجان فلسطينيان بريطانيان أعرفهما على المشاركة في مسيرة إحياء ذكرى النكبة، التي تستذكر تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني لـ”قيام دولة إسرائيل” عام 1948. غير أن حادثة لافتة وقعت لهما هذا العام أثناء توجههما إلى المسيرة، إذ جلس قبالتهما في مترو الأنفاق زوجان بدت على ملامحهما علامات الامتعاض.
وكانت زوجة صديقي تحمل حقيبة مطرزة بالتطريز الفلسطيني، علّقت عليها شارات كُتب عليها: “الحرية لفلسطين”، و”أوقفوا تسليح إسرائيل”، و”أخرجوا إسرائيل من غزة”.
وظل الزوجان المقابلان يحدقان بصمت في صديقي وزوجته، فيما حاول أحدهما التقاط صورة للشارات، لكنه أخفق في ذلك.
وبعد محطتين، نهض الزوجان استعدادًا للنزول، ثم التفت أحدهما قائلًا: “أنتم لا تنتمون إلى هنا.. عليكم العودة إلى بلادكم!”
خيّم الذهول على عربة القطار عقب مغادرتهما، وسرعان ما اندلع نقاش بين الركاب، ليتبين سريعًا أن غالبية الموجودين متعاطفون مع صديقيَّ الفلسطينيين. فكلاهما طبيبان يعملان في هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS)، وقد قدما من الأردن قبل ثلاثة عقود، وتنحدر عائلتاهما من يافا وجنين.
وقالت امرأة كانت تجلس إلى يمينهما: “أنا إيرلندية، وأعرف تمامًا ما تشعران به. لقد عشنا هذا الأمر على مدى 800 عام، وكان البريطانيون ينظرون إلينا باعتبارنا أقل شأنًا من البشر، وحتى اليوم ما زالوا يعاملوننا كغرباء”. أما رجلان بريطانيان من أصول إفريقية كانا يجلسان في الجهة المقابلة، فانفجرا ضاحكين، وقال أحدهما: “لقد احتلوا العالم طوال 200 عام. لن نغادر.. نحن هنا باقون”.
وعندما خرج صديقاي إلى الشارع، وجدا الطرق الممتدة من ساوث كنسينغتون حتى واترلو بليس مكتظة بالمناصرين لفلسطين. وقالا إنهما لم يشهدا طوال إقامتهما في بريطانيا حشودًا بهذا الحجم من قبل. كما أن عدد المشاركين في المسيرة المؤيدة لفلسطين كان أكبر بكثير مما أعلنته الشرطة. ورغم تصوير وجود مسيرتين متقابلتين في شوارع لندن يوم السبت، إعلاميًا وأمنيًا، باعتباره مواجهة بين “طرفين متطرفين”، فإن الواقع بدا مختلفًا تمامًا.
فقد جرى الترويج لادعاءات تفيد بأن المتظاهرين المؤيدين لفلسطين كانوا يعتزمون المرور قرب كنيس يهودي، رغم أن ذلك لم يكن أصلًا ضمن خط سير المسيرة. والأرقام تتحدث بوضوح؛ فعشرات الآلاف خرجوا دعمًا لفلسطين، بينما بالكاد تمكن أنصار المحرّض اليميني المتطرف تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون، من ملء ساحة البرلمان.
خطاب معادٍ للإسلام
كان الحضور اليهودي البريطاني، المتدين والعلماني على حد سواء، لافتًا وصاخبًا في مسيرة النكبة هذا العام. وفي المقابل، بدا كونك يهوديًا أكثر إشكالية في الساحة المشبعة بخطابات الكراهية التي احتشد فيها اليمينيون المتطرفون البريطانيون، وهو ما ظهر بوضوح منذ اللحظة التي بدأ فيها المتحدثون كلماتهم.
فقد صرخ ياكسلي-لينون قائلًا: “أيها الرجال، هل أنتم مستعدون لتصبحوا أقوياء؟ هل أنتم مستعدون لتصبحوا أفضل نسخة من أنفسكم؟ نحن، الرجال البريطانيون، يجب أن نكون مستعدين للقتال، لأن معركةً قادمةً إلى هذا البلد”.
وفي مقابلة أجراها مع عارضة الأزياء البولندية الأمريكية فيرونيكا كاراغوفسكا، سُئل عمّا سيفعله إذا أصبح رئيسًا للوزراء، فأجاب: “سأوقف الإسلام، وسأنهي التمويل الأجنبي لهذا البلد”.
ويمكن الافتراض هنا أنه يقصد بـ”إنهاء التمويل الأجنبي” وقف أو إعادة الأموال التي حصل هو نفسه عليها من “منتدى الشرق الأوسط” في فيلادلفيا، أو من الملياردير الأمريكي روبرت شيلمان، أو من “تحالف الحرية الأسترالي”، أو من “رابطة الدفاع اليهودية”.
وأضاف: “سيُخرَج جميع المهاجرين من الفنادق ويُعادون غدًا بواسطة الجيش. سأطبق سياسة إعادة المهاجرين. لقد حان الوقت لأن يغادر كثير من المسلمين هذا البلد. حان وقت الرحيل. لديكم أوطان تعودون إليها، أما نحن فهذا وطننا، ولا مكان آخر نذهب إليه. لن نسمح بمزيد من التغيير. الناس سئمت، الناس سئمت فعلًا”.
أما كيلي جاي كين، التي تصف نفسها بأنها “ناشطة في حقوق المرأة”، فقد صعّدت الخطاب المعادي للإسلام بقولها: “لم يفت الأوان بعد لإخراج الإسلام من مدارسنا، ولم يفت الأوان لإخراج الإسلام من ذلك المبنى -البرلمان-. ولم يفت الأوان لإخراج الإسلام من كل مؤسسة رسمية في هذا البلد. بل إن الأمر ليس فقط ممكنًا، بل ضروري للغاية إذا أردنا إنقاذ هذا البلد. علينا إزالة الإسلام من كل موقع سلطة”.
تحالف محرج
From Crusader imagery to “Christian Britain” rhetoric, Saturday’s Unite the Kingdom march in London revealed how religion is increasingly being used as a political identity marker – and a tool for anti-Muslim mobilisation pic.twitter.com/NIgAOZAvNL
— The New Arab (@The_NewArab) May 20, 2026
شكّل ياكسلي-لينون وكين مصدر حرج واضح للشخصيات المؤيدة لإسرائيل التي دعمت هذا التجمع. وقد بدا التوتر جليًا خلال مقابلة أجراها المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس مع الإعلامي بيرس مورغان.
فكونريكوس، الذي قال إنه استمتع بوجوده في ساحة البرلمان، دافع عن كين رغم دعوتها إلى إزالة الإسلام من المؤسسات الرسمية البريطانية. وحاول التمييز بين الإسلام كدين والمسلمين كممارسين له، غير أن هذا التمييز انهار أمام دعوات ياكسلي-لينون الصريحة للمسلمين بـ”العودة إلى أوطانهم”.
وسأل مورغان، محقًا، ما إذا كان كونريكوس سيقبل الخطاب ذاته لو وُجّه ضد اليهودية، إلا أن الأخير عجز عن تقديم إجابة.
استعراض للفاشية
وبعيدًا عن كثرة أعلام نجمة داود في ساحة البرلمان، بدا التجمع في جوهره استعراضًا لتفوّق العرق الأبيض، مخصصًا للمسيحيين وحدهم. فقد رفع أنصار حركة “الطليعة البيضاء” لافتة كُتب عليها: “أنهوا الاحتلال الصهيوني لبريطانيا.. أوقفوا استبدال البيض”.
وبدا واضحًا أن “الحضارة” التي ادعى هؤلاء الفاشيون الدفاع عنها لم تعد “يهودية-مسيحية” -مهما كان معنى هذا المصطلح أصلًا- إذ إن المسيحيين كانوا، عبر التاريخ، من أشد مضطهدي اليهود.
كما رُفعت لافتة أخرى كُتب عليها: “تبًا للإسلام.. المسيح هو الملك”، وهي بالتأكيد الرسالة التي لم يكن وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، الذي دعا ياكسلي-لينون إلى إسرائيل في أكتوبر الماضي، يتوقع أن تُرفع خلال الفعالية التي دعمها.
ولم يُعتقل أو يُستجوب أي من المتحدثين في مسيرة “وحّدوا المملكة” بتهمة خطاب الكراهية، ما كشف بوضوح غياب المساواة في تطبيق القانون بين تعريف معاداة السامية وخطاب الكراهية المعادي للإسلام، وبالتالي غياب المساواة في تعامل الشرطة مع المسيرات المختلفة.
فالواقع يبيّن أن تعريف خطاب الكراهية لا يُطبَّق بالتساوي على جميع المواطنين البريطانيين. ولو رفع شخص لافتة تحمل العبارات ذاتها ضد اليهودية، لاعتُقل فورًا بتهمة معاداة السامية.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السماح بمثل هذه الاستعراضات الفاشية، خصوصًا أمام البرلمان البريطاني، بل في أن هذا التهديد يتجاوز القضية الفلسطينية ليطال جميع المواطنين البريطانيين، مهما كانت أصولهم أو أعراقهم.
إذ أصبح الهجوم على المسلمين في بريطانيا السمة الغالبة لهذه التوجهات، بغض النظر عن أصولهم أو مدة إقامتهم. وقد ساهم سياسيون بارزون في ترسيخ هذه الصورة، من بينهم مايكل غوف، وويز ستريتينغ، وإيفيت كوبر، وكيمي بادنوك، عبر الترويج لفكرة أن المجتمعات المسلمة “بيئات مشبوهة” وحاضنة للتطرف.
كما تحدث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن “الأثر التراكمي” للمسيرات المؤيدة لفلسطين على معاداة السامية.
مساهمة المسلمين في بريطانيا

ينتمي هؤلاء السياسيون إلى جيل يكثر من الاحتفاء بانتصار بريطانيا على الفاشية في أربعينيات القرن الماضي، لكنه يتجاهل عمدًا الدور الكبير الذي أدّاه المسلمون في الدفاع عن بريطانيا خلال أحلك مراحلها.
فقد قاتل ما لا يقل عن 2.5 مليون مسلم إلى جانب قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، و5.5 مليون مسلم في الحرب العالمية الثانية، فيما قُتل نحو 1.5 مليون مسلم في المعارك. وجاء معظمهم من الهند وإفريقيا، وشاركوا في القتال في الصومال والحبشة ومدغشقر. كما قاتل ما بين 9 آلاف و12 ألف فلسطيني إلى جانب بريطانيا في مصر وبلاد ما بين النهرين.
لكن أكبر مساهمة للمسلمين كانت ضمن الجيش الهندي البريطاني الذي قاتل اليابانيين في حملة الشرق الأقصى، حيث شارك مليون مسلم في تلك القوات. واليوم، يُقال لأحفاد هؤلاء المقاتلين، على ألسنة سياسيين من مختلف التيارات السائدة، إنهم لم يعودوا “بريطانيين بما يكفي” للبقاء في هذا البلد.
وإذا نجح كير ستارمر في معركته الأخيرة للبقاء رئيسًا للوزراء، فإن حزب العمال سيواصل تفتيت اليسار، ما سيمهد الطريق أمام زعيم حزب “ريفورم يو كيه” نايجل فاراج للوصول إلى رئاسة الحكومة.
وإذا وصل فاراج إلى السلطة فعلًا، فسيشعر كل مسلم في بريطانيا بالذعر. كما أن الادعاء السابق بأن قيادة جيريمي كوربن لحزب العمال جعلت بريطانيا غير آمنة لليهود لم يكن صحيحًا، لكن وصول فاراج إلى الحكم قد يجعل بريطانيا فعلًا مكانًا غير آمن للمسلمين. وحين يبدأ المسلمون بالمغادرة، فلن يتأخر اليهود كثيرًا عنهم، لأنهم سيكونون الهدف التالي لموجة تفوق العرق الأبيض المعادية لـ”الأجانب”.
خطر بالغ

إن دعم إسرائيل لليمين المتطرف في بريطانيا يعرّض الجالية اليهودية بأكملها لخطر بالغ. ويقول الكاتب إن صديقيه الفلسطينيين عادا إلى منزلهما، وقد تعززا بالدعم الذي تلقته عائلتهما من البيض، والسود، والآسيويين، واليهود، والمسلمين، خلال إحياء ذكرى اليوم الذي طُردت فيه عائلاتهم من أراضيها. وفي الليلة السابقة، كانت زوجة صديقي قد تحدثت مع خالتها في جنين، التي نجت مؤخرًا من عملية عسكرية إسرائيلية واسعة، هدفت إلى إخلاء مخيم جنين وتهجير ما يصل إلى 45 ألف فلسطيني.
لكن خالتها هذه المرة كانت غارقة في اليأس. فقد ظهرت خيام بيضاء للمستوطنين على أراضيهم الزراعية شمال غربي جنين، ما يعني أن تلك الخيام ستتحول قريبًا إلى بؤرة استيطانية، وأن أراضيهم الزراعية، التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد، ستختفي بالكامل.
وكما بات معروفًا اليوم، فإن المستوطنين هم من يسيطرون فعليًا على الضفة الغربية.
وتختتم زوجة صديقي حديثها بالقول: “يطلبون منا العودة إلى أوطاننا. لا شيء أتمناه أكثر من العودة إلى منزل عائلتي في جنين. لكننا هنا في بريطانيا لأننا طُردنا من أرضنا، وبريطانيا مسؤولة عمّا حدث عام 1948، وما يحدث يوميًا منذ 78 عامًا. فأين تريدنا بريطانيا أن نذهب الآن؟”
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇

