العرب في بريطانيا | ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية: هل تتفكك بر...

ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية: هل تتفكك بريطانيا فعلًا؟ أم أن الضجيج أكبر من الحقيقة؟

ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية: هل تتفكك بريطانيا فعلًا؟ أم أن الضجيج أكبر من الحقيقة؟
حلمي الحراحشة سبتمبر 16, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

من يعيش في لندن ويتابع النقاش السياسي البريطاني عن قرب، قد يرى المشهد بطريقة مختلفة عن الصورة التي تنتشر أحيانًا في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما حين يتعلّق الأمر بالحديث عن احتمال تفكك المملكة المتحدة وتحولها إلى أربع دول مستقلة.

ما جرى في كارديف مهم سياسيًا، ولا أعتقد أنه من الصواب التقليل من دلالاته؛ فاجتماع قيادات سياسية من اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وارتفاع نبرة الحديث عن حق تقرير المصير ومستقبل الاتحاد، يعكسان بالفعل وجود نقاش جدي بشأن شكل المملكة المتحدة في السنوات المقبلة.

لكن بين القول إن هناك نقاشًا متصاعدًا بشأن مستقبل الاتحاد، وبين القول إن بريطانيا تتجه حتمًا إلى التفكك، مسافة واسعة، لا يجوز القفز فوقها.

فالمملكة المتحدة ليست دولة حديثة التكوين يمكن أن تتغير حدودها السياسية بقرار عابر، أو نتيجة موجة من التصريحات. إنها كيان تشكّل عبر تاريخ طويل، وتستند بنيته إلى مؤسسات دستورية وسياسية راسخة، فضلًا عن مصالح اقتصادية واجتماعية متشابكة بين أجزائه. ولهذا، فإن أي تغيير عميق في شكل الاتحاد سيكون عملية معقدة وطويلة، بعيدًا عن أن يكون نتيجة اجتماع سياسي أو تصريح لزعيم هنا أو هناك.

وربما تكون تجربة إسبانيا مع كتالونيا مفيدة لفهم الصورة وقراءة بعض الجوانب في المشهد، مع ضرورة الانتباه إلى اختلاف النّظام الدّستوري الإسباني عن النّظام البريطاني.
فقد أثبتت التجربة أن وجود حركة انفصالية قوية لا يكفي وحده لقيام دولة مستقلة، إذ اصطدمت محاولات الانفصال بالإطار الدستوري ومؤسسات الدولة.

وفي بريطانيا، لا توجد حتى الآن صورة واحدة تنطبق على اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية. لكل منطقة تاريخها السياسي، ووضعها الدستوري، وحساباتها الداخلية، وتطلّعاتها الخاصّة.
ولذلك فإن وضعها جميعًا في سلة واحدة، والحديث عن «أربع دول» وكأن المسألة محسومة، قد يكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

برأيي، القضية الأساسية التي تستحق المتابعة ليست فقط في أنه “هل ستتفكك بريطانيا أم لا؟” وإنّما ماذا سيحدث لشكل الاتحاد نفسه؟

هناك بالفعل ضغوط سياسية متزايدة، وهناك اختلافات واضحة بين لندن والحكومات المحلية في إدنبرة وكارديف وبلفاست. كما أن مسألة توزيع الصلاحيات أصبحت أكثر حضورًا في النقاش السياسي البريطاني. غير أن المآل المحتمل قد يكون -في مرحلة ما- إعادة ترتيب العلاقة داخل المملكة المتحدة، وتوسيع بعض صلاحيات الأقاليم، بدلًا من الوصول بالضرورة إلى الانفصال.

أما أوروبا، فهي قصة أخرى لا يمكن فصلها بالكامل عن هذا النقاش.

فبعد بريكست، تغير الكثير في المزاج السياسي البريطاني، وأصبحت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من الملفات التي ستظل حاضرة في الانتخابات والنقاش العام. وقد نسمع في المرحلة المقبلة أصواتًا سياسية تطالب بعلاقة أقرب إلى أوروبا، حتى لو لم يصل الأمر إلى المطالبة بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي بطريقة مباشرة.

وهذا الملف قد تكون له انعكاسات تتجاوز الاقتصاد والسياسة الخارجية؛ فطريقة تعامل لندن مع أوروبا أصبحت جزءًا من النقاش الأوسع بشأن الهوية السياسية للمملكة المتحدة، والمسافة التي تفصل بعض أجزائها عن الحكومة المركزية.

لذلك، لا أعتقد أن مستقبل بريطانيا يمكن اختزاله في عنوان مثير عن «تفكك المملكة المتحدة إلى أربع دول». نعم، هناك أسئلة حقيقية، وهناك تيارات سياسية تطالب بتغييرات كبيرة، وبعضها يتحدث صراحة عن الاستقلال. لكن وجود هذه المطالب لا يعني أن النتيجة النهائية قد حُسمت، ولا أنّ المسافة إليها واضحة أو قريبة.

من لندن، أرى أن المرحلة المقبلة قد تكون أقرب إلى إعادة تفاوض سياسي طويل بشأن شكل الاتحاد وصلاحيات مكوناته، وقد تحمل تغييرات مهمة في العلاقة بين لندن وإدنبرة وكارديف وبلفاست.

أما رسم خريطة جديدة للمملكة المتحدة، فما زال -في رأيي- أبعد بكثير من أن يكون أمرًا محسومًا.

في السياسة البريطانية، كثيرًا ما يكون الضجيج أعلى من حجم التغيير الفعلي. ولذلك، فإن قراءة المشهد لا تحتاج إلى الانجراف وراء العناوين الصاخبة، من الأفضل أن نتابع ما يحدث بهدوء، وأن نفرق بين ما يقال في المؤتمرات والتصريحات، وبين ما يمكن أن يتحول فعلًا إلى خطوات دستورية وسياسية على أرض الواقع.

فالدول لا تتغير خرائطها بمجرد أن ترتفع الأصوات، والاتحادات لا تُبنى أو تُفكك في لحظة انفعال.

ببساطة، تتشكل مصائرها عبر تراكمات التاريخ، وإرادة المجتمعات، وقدرة المؤسسات على استيعاب الاختلاف.


 

اترك تعليقا