العرب في بريطانيا | الجالية العربية في بريطانيا: حان وقت الانتقال م...

الجالية العربية في بريطانيا: حان وقت الانتقال من النجاح إلى التأثير

الجالية العربية في بريطانيا
حلمي الحراحشة يونيو 25, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

على مدى عقود، أثبتت الجالية العربية في بريطانيا أنها واحدة من أكثر الجاليات إسهاماً وحضوراً في مختلف ميادين الحياة العامة. فقد شارك العرب في بناء المؤسسات، ودعم الاقتصاد، وخدمة المجتمع، وأصبحوا جزءاً أصيلاً من النسيج البريطاني المعاصر. ومع ذلك، فإن حجم هذا الحضور الاقتصادي والعلمي والمهني لا يزال يفوق بكثير حجم حضورنا السياسي والمدني، وهي فجوة آن الأوان لمعالجتها.

إن الحديث عن العرب في بريطانيا لا ينبغي أن يُختزل في أعدادهم أو تنوع خلفياتهم الثقافية، بل يجب أن ينطلق من الاعتراف بحجم إسهامهم الفاعل وعطائهم الحقيقي في بناء هذا الوطن. ففي القطاع الصحي يعمل عشرات الآلاف من الأطباء والممرضين، والصيادلة والعاملين في مجالات الرعاية الصحية من أصول عربية، يداوون المرضى ويساهمون يومياً في حماية صحة المجتمع البريطاني وصونها.

وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات التعليمية يبرز آلاف الأكاديميين والأساتذة، والمعلمين العرب الذين يشاركون في صناعة المعرفة وتكوين الأجيال الجديدة، وإثراء المشهد العلمي والثّقافي البريطاني.

كما أن أبناء الجالية العربية حاضرون بقوة في مجالات الهندسة والتكنولوجيا والابتكار، وفي قطاع القانون والاستشارات والأعمال، فضلاً عن آلاف رجال وسيدات الأعمال الذين أسسوا شركات ومشاريع ناجحة ساهمت في خلق فرص العمل ودعم الاقتصاد البريطاني.

إن هذه الإنجازات ليست استثناءات فردية، بل هي صورة حقيقية واضحة لجالية منتجة، ومؤثرة، وملتزمة بمسؤولياتها تجاه المجتمع الذي تعيش فيه، واختارت أن تكون جزءاً منه.

ورغم هذا النجاح الكبير، يبقى السؤال الأهم: هل يعكس حضورنا في مواقع صنع القرار حجم مساهمتنا الحقيقية في بناء المجتمع؟

للأسف، لا يزال جزء كبير من أبناء الجالية العربية بعيداً عن المشاركة السياسية والانتخابية، في الوقت الذي تؤثر فيه القرارات الصادرة عن المجالس المحلية والبرلمان والحكومة بشكل مباشر على مستقبل أبنائنا وبناتنا، وعلى فرصهم التعليمية والاقتصادية والاجتماعية. إن العزوف عن المشاركة لا يخدم مصالحنا فحسب، وإنّما يحرمنا من حقٍّ طبيعيٍّ في التأثير، والمساهمة في رسم السياسات التي تمسّ حياتنا اليومية.

ثمّ إن المشاركة السياسية ليست ترفاً فكرياً، ولا نشاطاً محصوراً النخب، بل هي جزء أساسي من المواطنة الفاعلة، وأحد أهمّ أشكال الانتماء إلى المجتمع. فصندوق الاقتراع هو أحد أهم الأدوات الديمقراطية التي تضمن سماع صوت المواطنين والمجتمعات المختلفة. وكل صوت يمتنع عن المشاركة، ويغيب عن المشهد يترك فراغاً يملؤه الآخرون.

ولذلك، فإن تشجيع أبناء الجالية العربية على التسجيل والتصويت والانخراط في الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية يجب أن يصبح هدفاً استراتيجياً، ومسؤولية جماعية لا تقع على فئة دون الأخرى.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نرسخ صورة الجالية العربية بوصفها نموذجاً للاندماج الإيجابي والمشاركة المسؤولة. نريد لأبنائنا وبناتنا أن يكونوا حاضرين في المجالس المحلية، وفي البرلمان، وفي مختلف المؤسسات العامة، وأن يكونوا جزءاً من عملية صنع القرار، لا مجرد متلقين لنتائجها.

ونريد أن يتحقق ذلك من خلال العمل الديمقراطي الهادئ والمنظم، وبالأساليب الحضارية التي أثبتت جاليات عديدة _من خلالها_ قدرتها على تعزيز حضورها واحترامها، وترسيخ مكانتها داخل المجتمع البريطاني.

كما ينبغي أن يكون اهتمامنا موجهاً إلى القضايا التي تمسّ المجتمع البريطاني بأسره، من تطوير التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، ومعالجة أزمة السكن، ودعم الاقتصاد، وحماية البيئة، وتعزيز الأمن المجتمعي. فعندما ننخرط في هذه الملفّات، وندافع عن هذه القضايا، فإننا لا ندافع عن مصالح العرب وحدهم، بل نؤكد حقيقة أننا جزء لا يتجزأ من هذا الوطن، نهتم بمستقبله ونسعى إلى ازدهاره واستقراره.

ومن هنا، فإن مسؤولية تعزيز هذا الوعي لا تقع على السياسيين والناشطين فقط، بل تمتد إلى كل من يعمل في الإعلام ومنصاته المختلفة. فالإعلام العربي في بريطانيا مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يجعل من التوعية المدنية والسياسية أولوية حقيقية، وأن يسلط الضوء على أهمية المشاركة في الانتخابات والعمل المجتمعي، وأن يقدم النماذج الناجحة التي تلهم الأجيال الجديدة وتؤكد أن التأثير يبدأ بالمشاركة.

أما عن رسالتي، فهي واضحة، وتتوجّه مباشرة إلى الشباب العربي في بريطانيا: لا تستهينوا بقوة أصواتكم ولا بحجم دوركم في صناعة المستقبل. أنتم الجيل الذي سيحمل مسؤولية تمثيل هذه الجالية خلال العقود القادمة، وأنتم الأقدر على بناء جسور التواصل والمشاركة والتأثير. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن السياسة لا تعنيكم؛ لأن كل قرار يتعلق بالتعليم أو العمل أو السكن أو الخدمات العامة هو قرار يمس حياتكم ومستقبلكم بشكل مباشر.

وأوجه رسالة خاصة إلى الآباء والأمهات: ازرعوا في أبنائكم وبناتكم ثقافة المشاركة والمسؤولية والانتماء. علموهم أن النجاح لا يُقاس فقط بالحصول على الشهادات أو بناء المسارات المهنية، بل يمتدّ حتّى يشمل خدمة المجتمع والمساهمة في تطويره. علموهم أن التصويت ليس إجراءً انتخابياً وسيعبر، بل هو تعبير عن الانتماء والمواطنة والشراكة في بناء المستقبل.

إن الجالية العربية في بريطانيا تمتلك من الكفاءات والخبرات والعقول ما يؤهلها لتكون واحدة من أكثر الجاليات تأثيراً وحضوراً في الحياة العامة. وما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الحديث عن ضعف التمثيل، وإنّما المزيد من العمل والتنظيم والمشاركة. فالمكانة لا تُمنح، ولكنّها تُكتسب بالحضور المستمر، والعمل الجاد، والإسهام الإيجابي.

لقد أثبت العرب حضورهم في المستشفيات والجامعات والشركات ومراكز الأبحاث، وحان الوقت لأن يترجم هذا النجاح إلى حضور أقوى في المجالس المحلية والبرلمان ومراكز صنع القرار. فالعرب في بريطانيا ليسوا ضيوفاً عابرين على هذا الوطن، بل شركاء في بنائه وازدهاره، ومن حقهم الطبيعي أن يكون لهم صوت مسموع، ودور فاعل ومؤثر في رسم مستقبله.

إن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة انتقال من النجاح إلى التأثير، ومن الإنجاز الفردي إلى الحضور الجماعي، ومن المشاركة المحدودة إلى الشراكة الكاملة في صناعة مستقبل بريطانيا. تلك ليست مجرد أمنية مؤجّلة، وإنّما مسؤولية تاريخية تجاه أبنائنا وبناتنا، وتجاه الأجيال الّتي ستأتي وتُكمل مسيرة الحضور والتّأثير والمبادرة من بعدنا.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 25 يونيو 2026
في خطوة هي الأولى من نوعها في تاريخ بريطانيا.. مدّدت هيئة الأرصاد الجوية "التحذير الأحمر" من الدرجة القصوى لمواجهة موجة الحر الشديدة حتى يوم غدٍ الجمعة، ليسجل الإنذار الأعلى 3 أيام متتالية. ويشمل نطاق التحذير الأحمر شريطًا جغرافيًّا حيويًّا يمتد…
𝕏 @alarabinuk · 25 يونيو 2026
بين لهيب الطقس القياسي وسخونة القرارات السياسية، زخم إخباري غير مسبوق يجتاح الشارع البريطاني اليوم.. لخصنا لك أبرز القضايا التي شغلت بال البريطانيين خلال الـ24 ساعة الماضية. 👇🏻 للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=232932 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 25 يونيو 2026
تنكرتا بـ "حجاب مزيف" لنشل السياح.. لكنهما وقعتا في شر أعمالهما. شبان يلقنون نشّالتين درسًا لن تنسياه، بعد أن حاولتا استغلال الحجاب كغطاء مزيف لتنفيذ سرقاتهما ونشل المارة الأبرياء بكل دم بارد. بفضل نباهة وسرعة حركة الشباب، تم كشف الخدعة…
𝕏 @alarabinuk · 25 يونيو 2026
"لم يخبرنا أحد أن هناك موجة حر.." هكذا بدأت هذه الطفلة البريطانية شكواها الطريفة بعد يوم دراسي حار. وبين تعرقها ووجهها الذي تحول إلى اللون الأحمر، تركت كل شيء وركزت على إعطائنا نصائح ذهبية للوقاية من الحر الشديد وأشعة الشمس…
عرض المزيد على X ←