العرب في بريطانيا | ليس المطر… الاحتلال يُغرق غزة والعالم يتفرّج

ليس المطر… الاحتلال يُغرق غزة والعالم يتفرّج

WhatsApp Image 2026-11-08 at 12.18.59 PM
عدنان حميدان نوفمبر 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

المطر لم يُغرق سبعين ألف خيمة في غزة. الاحتلال هو من فعل ذلك، ومعه كل من دعمه بالتواطؤ، أو خذل غزة بالعجز والصمت.

نزل المطر على غزة كما ينزل كل عام. هذا أول منخفض جوي في الموسم، والشتاء ما زال في بدايته. من الطبيعي أن تمطر السماء في نوفمبر، ومن الطبيعي أن تشتد الرياح وتبرد الليالي. هكذا كانت غزة دائمًا، وهكذا استقبل أهلها الشتاء عقودًا طويلة في بيوت من حجر وإسمنت، يغلقون نوافذها ويشعلون مواقدهم ويجلسون مع أطفالهم حول كوب شاي ساخن.

أما غير الطبيعي فهو أن يعيش مئات آلاف الناس في خيام من القماش والنايلون، فوق رمال لا تصريف فيها، وبين ركام بيوتهم المهدّمة. وغير الطبيعي أن يستيقظ طفل في منتصف الليل وقد غمر الماء فراشه، وأن تحمل أمٌّ رضيعها وتقف به تحت المطر لأنها لا تجد مكانًا جافًا تضعه فيه. وغير الطبيعي، قبل هذا كله، أن يستمر هذا الوضع على ما هو عليه، وكأن العالم اعتاد المشهد.

لنسمِّ الأشياء بأسمائها. المطر لم يهدم البيوت، ولم يقصف المدارس والمستشفيات، ولم يمنع دخول مواد البناء، ولم يحاصر شعبًا كاملًا في شريط ضيق من الأرض. الذي فعل ذلك هو الاحتلال. هو من دمّر البيوت فوق رؤوس أصحابها، وهو من يتحكم في كل شاحنة تدخل أو لا تدخل، وهو من يجعل الخيمة نفسها حلمًا بعيدًا لبعض العائلات، بعد أن صار ثمنها يفوق قدرة الناس.

حين نقول: إن الاحتلال هو من أغرق الخيام، فنحن لا نبالغ ولا نستعمل لغة عاطفية. نحن نصف الواقع كما هو. فالخيمة ليست قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لحرب دمّرت المساكن، ولحصار يمنع إعادة بنائها. ولو فُتحت المعابر ودخلت مواد الإعمار والبيوت المتنقلة، لما وقف الناس اليوم في الماء حتى الركب.

لكن المسؤولية لا تقف عند الاحتلال وحده. هناك من دعمه بالسلاح والمال والغطاء السياسي، وهناك من منحه الوقت ليفعل ما يشاء دون حساب. وهناك أيضًا من لم يدعمه، لكنه خذل غزة بالعجز والصمت. حكومات تملك أوراق ضغط ولا تستعملها، ومؤسسات دولية تصدر التقارير والتحذيرات ثم تكتفي بها، ونخب تتحدث عن حقوق الإنسان في كل مكان إلا حين يكون الإنسان فلسطينيًا.

لقد عاشت غزة الشتاء الماضي التجربة نفسها: منخفضات متتالية، وخيام اقتلعتها الرياح، وأطفال فقدوا حياتهم من البرد. وقيل يومها الكثير من الكلام عن ضرورة التحرك وعدم تكرار المأساة. وها هو الشتاء يعود، وها هي المأساة تتكرر، وكأن أحدًا لم يتعلم شيئًا، أو كأن أحدًا لم يرد أن يتعلم.

والأخطر من ذلك أن ما نراه اليوم ليس ذروة الأزمة، بل بدايتها. فإذا كان أول منخفض قد فعل هذا، فماذا سيحدث في يناير وفبراير، حين يشتد البرد وتتوالى العواصف؟ بلا تحرك عاجل لرفع الحصار والبدء الجاد بإعادة الإعمار، فإن الكارثة القادمة أكبر، وهي على بُعد أسابيع، لا شهور.

ما المطلوب إذن؟ المطلوب ليس بيانات تضامن جديدة، ولا صورًا مؤثرة تنتشر يومين ثم تُنسى. المطلوب فتح المعابر فورًا ودون شروط أمام مواد الإيواء والبناء، وإدخال البيوت المتنقلة ووسائل التدفئة والأغطية بكميات تكفي الناس فعلًا، لا بكميات رمزية تُلتقط معها الصور. والمطلوب أن تتحمل الدول التي تدّعي الحرص على الاستقرار مسؤوليتها، وأن تضغط بجدية لإنهاء الحصار، لا أن تكتفي بإدارة الأزمة.

ونحن هنا في بريطانيا -عربًا ومسلمين وأصحاب ضمير من كل الخلفيات- لنا دور لا يجوز أن نتخلى عنه. نستطيع أن نرفع صوتنا لدى نوابنا، وأن نطالب حكومتنا بموقف واضح، وأن نُبقي قضية غزة حاضرة في كل منبر نصل إليه، فالصمت هنا ليس حيادًا، بل جزء من المشكلة. لكن إلى جانب الصوت السياسي، هناك واجب وقت لا يحتمل التأجيل، وهو الإغاثة. فالخيمة التي تُستبدل اليوم، والغطاء الذي يصل الليلة، ووجبة الطعام الساخنة في يوم بارد، قد تكون الفارق بين الحياة والموت لطفل في غزة. وقد قدّم العرب والمسلمون في بريطانيا خلال العامين الماضيين نماذج مشرّفة في العطاء، وعلينا أن نواصل هذا العمل ولا نسمح للتعب أو الاعتياد أن يوقفه، وأن نوجّه دعمنا إلى المؤسسات الموثوقة التي تصل فعلًا إلى الناس على الأرض. فالحصار طويل، والشتاء في أوله، ومن يقف مع غزة لا يقف معها في الموسم ثم يغيب.

غزة لا تطلب المستحيل. تطلب سقفًا يحمي أطفالها من المطر، وجدارًا يصدّ عنهم الريح، وحقًا بسيطًا في أن يمر الشتاء دون أن يحمل معه الموت. وهذا ليس كرمًا من أحد، بل حق إنساني أصيل.

المطر سيبقى يهطل كل شتاء، وهذا من رحمة الله. أما أن يتحول المطر إلى مأساة، فتلك جريمة من صنع البشر، ولها فاعل معروف، وشركاء معروفون، وصامتون كثيرون. والتاريخ لن ينسى أحدًا منهم.

اترك تعليقا

إعلان

↑