حين يصبح التبسيط موقفًا سياسيًا: في نقد عقلية “كلهم سواء”
أكثر ما يريح الرأس في السياسة هو التبسيط. أن تقول: “كلهم أسوأ من بعض”، وأن تغلق الملف وتمضي. لا تحليل، ولا موازنة، ولا عناء في قراءة التفاصيل. لكن هذه الراحة لها ثمن، وغالبًا ما ندفعه نحن لا غيرنا.
هناك تيار واسع بيننا، يمكن أن نسميه تيار “اضرب الظالمين بالظالمين” في كل شيء. يتمنى حربًا طاحنة بين إيران وأمريكا لينتقم من الطرفين معًا، ثم يكتشف أن المنطقة كلها، ونحن في قلبها، هي من يدفع الفاتورة. وفي كل انتخابات، سواء داخل دولة الاحتلال أو في أمريكا أو في أي مكان، يأتيك الحكم الجاهز: “لا فرق، كلهم واحد”.
والمفارقة أن عبارة “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين” دعاء يرفعه المظلوم حين تضيق به السبل، وليست برنامجًا سياسيًا ولا منهجًا في التحليل. فالدعاء يُرفع إلى السماء، أما السياسة فتُدار على الأرض، بمعطيات الواقع وحساباته.
ليس فكرًا بل قالب جامد
هذا الطرح، إن جاز أن نسميه فكرًا، هو في حقيقته تسطيح. إنه يتعامل مع المتغيرات بمنطق الثوابت، ويحوّل التحليل السياسي إلى قوالب جامدة كأنها عقيدة لا يجوز التزحزح عنها. ولو كانت الحياة تُقرأ بهذه الطريقة، لما كان فيها إلا لونان: أبيض وأسود. لكن الحقيقة أن في حياتنا آلاف الألوان والدرجات، والسياسة هي فن قراءة هذه الدرجات بالذات.
الثبات مطلوب في المبادئ: حق العودة، ورفض الاحتلال، وكرامة الإنسان، وحرية الأسرى والرهائن. أما المواقف من الأشخاص والأحزاب والظروف المتغيرة، فهي مساحة للاجتهاد والتقدير والمرونة. ومن يخلط بين الأمرين يخسر الاثنين: يجمّد الواقع، ولا يخدم المبدأ.
في السيرة النبوية ما يكفي
لم يأتِ ديننا بهذا الجمود؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، في قصة تأبير النخل، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”. ومن هذا الحديث وأمثاله فهم العلماء أن شؤون الدنيا وتدبيرها مجال واسع للخبرة والتجربة والرأي.
وفي بدر، سأل الحباب بن المنذر رسول الله عن موضع نزول الجيش: أهو وحي لا يُراجَع، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما علم أنه رأي، أشار بموضع أفضل، فأخذ النبي برأيه.
وأوضح من ذلك صلح الحديبية. قبل النبي صلى الله عليه وسلم بشروط بدت لبعض الصحابة مجحفة، ووافق على حذف “بسم الله الرحمن الرحيم” و”رسول الله” من نص الوثيقة. ومع ذلك سمّاه القرآن “فتحًا مبينًا”، لأنه فتح أبوابًا لم تكن لتُفتح بالمواجهة وحدها. لقد كان درسًا في المرونة السياسية دون التفريط بشيء من الثوابت.
فالقضايا فيها دائمًا اتساع، كما هي لغتنا العربية واسعة وحمّالة أوجه.
كل حلحلة نسبية لها قيمة
السياسة لا تعطيك عادة انتصارات كاملة، بل مكاسب نسبية وثغرات صغيرة تتسع مع الوقت. وأي حلحلة في أي ملف، مهما بدت محدودة، تفتح للمشتغلين بالسياسة والعمل الحقوقي نوافذ يمكن البناء عليها.
بل إن للأمر بعدًا نفسيًا لا يجوز إهماله. خذ الانتخابات الإسرائيلية مثالًا: كثيرون لا يعلّقون أي أمل على البدائل المطروحة، ومع ذلك سيفرح الناس إن خسر إيتمار بن غفير وأمثاله. ليس لأن البديل سيحرر فلسطين، بل لأن هناك وجوهًا مقيتة يرغب الجميع في الخلاص منها، ولأن سقوط خطاب التطرف العلني له أثر في المزاج العام وفي صورة الاحتلال أمام العالم. هذا في الانتخابات وحدها، فما بالك ببقية الملفات؟
درس من واشنطن
ولمن يظن أن الضغط لا يغيّر شيئًا، فلينظر إلى ما جرى داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي. فقد كشف موقع أكسيوس أن مسؤولين كبارًا في الحزب عملوا على تقييمه الداخلي لانتخابات 2024 خلصوا إلى أن كامالا هاريس خسرت دعمًا كبيرًا بسبب نهج إدارة بايدن في الحرب على غزة. بل إن الحزب أبلغ ناشطين أن بياناته الخاصة أظهرت أن تلك السياسة كانت عبئًا انتخابيًا صافيًا.
تخيّل: أحد قطبي الحياة السياسية في أكبر دولة في العالم يصل داخليًا إلى هذا الاستنتاج. صحيح أن النسخة المنشورة لاحقًا من التقرير خلت تمامًا من أي ذكر لغزة أو إسرائيل أو فلسطين، لكن هذا الإخفاء نفسه دليل على حجم الحرج، وقد أثار موجة انتقادات داخل الحزب نفسه. ولو صدّق الناخبون مقولة “كلهم سواء” وانسحبوا بصمت، لما وصلت هذه الرسالة إلى غرف القرار أصلًا. صوت الناخب العربي والمسلم والشاب هو الذي صنع هذا الحرج، والحرج بداية التغيير.
نحو وعي سياسي ناضج
المطلوب ليس السذاجة ولا التفاؤل الأعمى بأي طرف، بل الوعي. أن نميّز بين السيئ والأسوأ حين لا يكون هناك خيار ثالث، وأن نستثمر كل ثغرة، وأن نبني على كل مكسب مهما صغر، وأن نبقى ثابتين في مبادئنا مرنين في أدواتنا.
السياسة تحتاج إلى مرونة ودهاء، وإلى تعامل مع الواقع بمعطيات عملية، دون التخلي عن المبادئ الأساسية. أما التسطيح، فهو أسهل الطرق، لكنه أقصرها نحو الخسارة.
الرابط المختصر هنا ⬇


