من فرنسا إلى بريطانيا.. الشعبويون اليمينيون يفوزون حين يؤججون الفوضى ويعدون بالنظام
من فرنسا إلى بريطانيا.. الشعبويون اليمينيون يفوزون حين يؤججون الفوضى ويعدون بالنظام
مارين لوبان ودونالد ترامب مشعلا حرائق يتقمصان دور رجال الإطفاء. أما نايجل فاراج، فيجد صعوبة أكبر في أداء هذا الدور في بريطانيا آندي بيرنهام.
في الانتخابات التي يمثل فيها أحد الطرفين الفوضى، يكاد الفوز يذهب دائمًا إلى الطرف الذي يعد بالنظام. وكان إرهاق البريطانيين بعد سنوات حكم المحافظين المضطربة سببًا في الانتصار الكاسح الذي حققه حزب العمال عام 2024، أكثر من أي سياسة وردت في برنامج كير ستارمر الانتخابي.
وعلى الجانب الآخر من القنال الإنجليزي، تمضي مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، حاليًا نحو الفوز في الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، متعهدة بـ«استعادة السلطة والأمن» في بلد أمضى سنوات يتأرجح بين جمود منهك وأزمات انفجارية.
اضطرابات فرنسا ومأزق الوسط السياسي

وقد استفادت لوبان خلال الأيام الأخيرة من مشاهد اشتعال النيران في مراكز المدن ونهب المتاجر، بعدما تحولت مظاهرات الطلاب إلى أعمال شغب. وتُعد المواجهات في الشوارع جزءًا مألوفًا من أدوات العمل السياسي في فرنسا، أكثر مما هي عليه في معظم الديمقراطيات المستقرة، لكن حجم الدمار كان مقلقًا بكل المقاييس.
وبدت حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، التي أضعفها افتقارها إلى أغلبية برلمانية، غير مستعدة لحجم الاضطرابات، رغم وجود مؤشرات كثيرة على أن حدثًا كبيرًا كان يتشكل.
فما بدأ بطلاب في المدارس الثانوية يشعرون باليأس من إهمال التعليم الثانوي، تطور إلى تعبئة عامة للغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الفرص الاقتصادية. وأسهمت الأساليب العدوانية التي اتبعتها الشرطة في دفع الحشود نحو مزيد من التطرف. وكما يعقب الليل النهار، وبالقدر نفسه من القدرة على التنبؤ، أفسح الغضب السياسي المجال أمام النهب الانتهازي.
واتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو محرضين من «اليسار المتطرف» بإشعال الاضطرابات ضمن استراتيجية تهدف إلى جعل البلاد عصية على الحكم قبل انتخابات العام المقبل.
ورد جان لوك ميلانشون، مرشح اليسار الشعبوي للرئاسة، بأن العنف نتيجة طبيعية لدولة قمعية منحطة تتآمر لتشويه المقاومة، وأن الاحتجاجات تستحضر الروح البطولية لانتفاضة مايو/أيار 1968.
ويبلغ ميلانشون من العمر 75 عامًا، ما يجعله كبيرًا بما يكفي لتذكّر ذلك الربيع الباريسي المشبع بالحماسة الثورية. ويحظى بمتابعة قوية بين الجيل الحالي من الطلاب الناشطين، لكن خطابه المتمرد يثير قلق قطاعات واسعة من الفرنسيين المحافظين. وقد تكون حدة خطابه هي ما يوصل لوبان إلى قصر الإليزيه.
وفي السابق، حالت تحالفات من ناخبي الوسط واليسار دون وصولها إلى الرئاسة، إذ اصطفوا، من دون حماسة في كثير من الأحيان، خلف المرشح الأقدر على منع فوزها. وبالطريقة نفسها، جرى كبح تقدم حزب التجمع الوطني في البرلمان، وإن كان الحزب الأكبر فيه حاليًا.
وقد استفاد ماكرون مرتين من هذه الديناميكية، لكنه لا يستطيع الترشح مجددًا، ولا يملك خليفة واضحًا، كما بلغ نفور الفرنسيين منه حدًّا سامًّا لوّث مجمل مساحة الوسط الليبرالي لمجرد وقوفه فيها.
وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن «الجبهة الجمهورية» ستنهار إذا انحصرت جولة الإعادة بين ميلانشون ولوبان. وسينحاز يمين الوسط إلى زعيمة التجمع الوطني، وربما لن تكون المنافسة متقاربة أصلًا.
ترامب والفوضى بوصفها طريقًا إلى السيطرة

ولم تمر أزمة فرنسا من دون أن تلفت الأنظار على الجانب الآخر من الأطلسي، حيث تُرى من خلال العدسة المشوهة لأيديولوجيا «ماغا».
وقد فسّر دونالد ترامب أن «فرنسا تحترق» لأن المهاجرين الذين «تمتلئ قلوبهم بالكراهية» اجتاحوا البلاد. ووافقه جيه دي فانس الرأي، محملًا «الليبراليين الغربيين» مسؤولية فتح حدود أوروبا أمام «العالم الثالث»، وناصحًا الناخبين الأمريكيين بالنظر إلى محنة فرنسا بوصفها نذيرًا بما ينتظرهم إذا سيطر الديمقراطيون على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل.
لكن محاولات الجمهوريين تصوير خصومهم باعتبارهم مَن يدفعون البلاد نحو الخراب لا تلقى رواجًا كبيرًا عندما يكون ترامب نفسه المحرك الواضح للفوضى.
فالديمقراطيون لم يبدأوا الحرب على إيران، كما أنهم لم يضعوا سياسة تجارية مختلة نفّرت أصدقاء الولايات المتحدة وحولت حتى كندا إلى خصم.
وهذه مشكلة شائعة تواجه الديماغوجيين عندما يصبحون في الحكم. ففي المعارضة، يقدمون حلولًا بسيطة لمشكلات معقدة: الرسوم الجمركية علاجًا للتراجع الصناعي؛ وطرد المهاجرين غير النظاميين جوابًا عن كل مظلمة اجتماعية واقتصادية؛ والثقة بحكمة الزعيم حلًا لكل ما عدا ذلك.
لكن هذه الآليات تعجز، عند الوصول إلى السلطة، عن تحقيق الفوائد الموعودة، فلا بد من العثور على شخص لإلقاء اللوم عليه. وتتسع فئات العناصر غير المرغوب فيها، وتوصم وسائل الإعلام والجامعات والمحاكم وأحزاب المعارضة بالفساد أو الخيانة.
غير أن حملات التطهير تعطل سير البلاد، وتضر الاقتصاد. وهكذا يصعد الزعيم الذي يفتقر إلى الشعور بالأمان درجات الاستبداد.
تولد الرغبة في السيطرة معارضة، فتهاجَم هذه المعارضة باعتبارها خطرًا على المجتمع يستلزم تطبيق قوانين أشد قسوة. وعندما يؤدي ذلك إلى مقاومة أكثر تصميمًا، يُتهم المعارضون بالتطرف وتعريض السلامة العامة للخطر.
وقد قطع ترامب بالفعل شوطًا على هذا الطريق، وربما يسرع خطواته كثيرًا بعد انتخابات التجديد النصفي.
وأحد الخيارات المتاحة أمامه هو إطلاق مزاعم زائفة بشأن تزوير الانتخابات، ورفض شرعية نتائج من شأنها، إذا سُمح لها بأن تصبح نافذة، تمكين الديمقراطيين من محاسبة رئيس مارق.
وتشير نزعته الاستبدادية وسجله في رفض الاعتراف بأي ضعف انتخابي إلى أنه يفضّل إشعال أزمة دستورية تهدد وجود الديمقراطية الأمريكية نفسها، على القبول بالتعايش مع كونغرس معادٍ.
وسيدفع البلاد إلى مزيد من الفوضى، ثم يطالب الأمة بالالتفاف حوله بوصفه الشخص الوحيد القادر على استعادة النظام.
مشعلو الحرائق في ملابس رجال الإطفاء
إنها الطريقة المعتادة التي تعمل بها الأنظمة السلطوية. يتظاهر مشعلو الحرائق بالجزع من ألسنة اللهب التي أشعلوها، ويتقافزون مرتدين ملابس رجال الإطفاء، ثم يصبون البنزين على النيران بخراطيمهم.
وهذا هو الدور الذي تستعد لوبان لأدائه الآن في فرنسا. وإذا فازت بانتخابات العام المقبل، فسيكون رد فعل اليسار شرسًا. ومن المرجح أن ترحب رئيسة جديدة بهذه المواجهة، بحثًا عن ذرائع لإعلان حالة طوارئ وطنية وإعادة تشكيل الجمهورية لتصبح أداة لسلطتها الشخصية.
وتحلم أحزاب اليمين الراديكالي في بريطانيا بفرصة مماثلة. فهي تبتهج بالصور القاتمة لانهيار المجتمع. وأحيانًا يُموّه هذا الخيال في صورة تحذير من أخطار الهجرة غير المنضبطة، لكن التلهف إلى مواجهة عنيفة لا يبتعد كثيرًا عن السطح.
أما روبرت لو، زعيم حزب «استعادة بريطانيا»، فلا يبدو أنه يبذل أي جهد لإخفاء استمتاعه بذلك. فقد قال لمتابعيه على منصة «إكس» الأسبوع الماضي إن أجندته ستؤدي بالتأكيد إلى «اضطرابات مدنية وأعمال شغب»، وإن «ما ينبغي أن يحدث سيكون مؤلمًا إلى حد لا يصدق».
ولا يزال لو شخصية هامشية نسبيًا، لكنه يمارس نفوذًا لا يتناسب مع حجمه داخل المنظومة الرقمية المحافظة، بفضل التضخيم الذي يحظى به على منصة «إكس» من إيلون ماسك، الملياردير النافذ ومالك المنصة.
وقد هزم مرشح لو حزبي المحافظين والديمقراطيين الليبراليين في الانتخابات الفرعية لمنصب عمدة مانشستر في وقت سابق من هذا العام. وبمنافسته حزب ريفورم على الأصوات، دفع حزب «استعادة بريطانيا» نايجل فاراج إلى سباق تسلح في الخطاب المتعصب المعادي للمهاجرين.
فاراج وحدود استثمار الفوضى في بريطانيا
ويتيح موقع فاراج بوصفه منافسًا أكثر جدية في الساحة الانتخابية أن يغسل أفكارًا كانت تُعد متطرفة بوضوح، مثل الترحيل الجماعي، ويقدمها في صورة سياسات تنتمي إلى التيار العام.
لكن ذلك لا يجعلها شعبية تلقائيًا. فهناك جمهور للقومية الانتقائية عرقيًا، لكن لهذا الجمهور سقفًا. وعدد الناخبين الذين يحركهم التصميم على عرقلة فاراج يفوق عدد مَن يريدون وصوله إلى داونينغ ستريت.
ومن السهل حشد هذا التحالف التكتيكي؛ لأن شخصيات بارزة في اليمين البريطاني ترتدي نياتها بإشعال الحرائق بمثل هذا الوضوح الوقح. كما أن وجود حكومة عمالية مستقرة لا يمنحها فرصًا لتقمص دور رجال الإطفاء.
ولكي يقترب حزب ريفورم من السلطة، عليه استمالة النوع نفسه من الناخبين الذين تراهم لوبان يتجهون إليها عبر أنقاض السياسة الفرنسية التي لا تزال تتصاعد منها الأدخنة: أناس أنهكهم تفكك النظام وأصابهم بالارتباك، وفقدوا الأمل في قدرة السلطات القائمة على إعادة البلاد إلى مسارها، وأصبحوا مستعدين لتصديق أن اليساريين المتعصبين هم مصدر الفوضى الأخطر.
ولحسن الحظ، ليست هذه هي أوضاع السياسة البريطانية. وينبغي أن تسترشد كل خطوة يتخذها آندي بيرنهام بضرورة إبقاء الأمور على هذا النحو.
المصدر: الغارديان
الرابط المختصر هنا ⬇