العرب في بريطانيا | عود حزب "ريفورم" وتصاعد ظاهرة الإسلام...

عود حزب “ريفورم” وتصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في بريطانيا

WhatsApp Image 2026-05-17 at 10.10.17 AM
فريق التحرير مايو 17, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم يعد من الممكن النظر إلى النجاح الانتخابي الأخير لحزب «ريفورم يو كيه» البريطاني باعتباره مجرد تصويت احتجاجي عابر ضد الأحزاب التقليدية. فالصعود المتسارع للحزب يعكس تحولًا أعمق في المشهد السياسي البريطاني، حيث تنجح التيارات الشعبوية اليمينية بشكل متزايد في استثمار مشاعر الغضب الشعبي المرتبطة بالهجرة والأوضاع الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسة السياسية، وتحويلها إلى خطاب يقوم على الاستياء والانقسام. وتكمن الخطورة الحقيقية ليس فقط في المكاسب الانتخابية التي يحققها الحزب، بل في تأثير هذا الصعود على تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين وتطبيعه داخل الحياة السياسية البريطانية.

وشهدت انتخابات المجالس المحلية التي أُجريت في 7 مايو 2026 تقدمًا كبيرًا للحزب، بعدما حصد 1454 مقعدًا محليًا وسيطر على 14 مجلسًا في إنجلترا. كما تمكن من تحقيق حضور لافت في المؤسسات السياسية اللامركزية، بحصوله على 34 مقعدًا في البرلمان الويلزي و17 مقعدًا في البرلمان الاسكتلندي. وتؤكد هذه النتائج أن الحزب لم يعد مجرد حركة احتجاجية هامشية، بل أصبح قوة سياسية قادرة على التأثير في النقاش العام وصنع القرار المحلي وممارسة ضغط متزايد على السياسة الوطنية في بريطانيا.

ويعتمد الحزب في خطابه السياسي على قضايا تلقى صدى واسعًا لدى جزء من الشارع البريطاني، مثل الهجرة والهوية الوطنية وضبط الحدود وتدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان الثقة بالسياسيين التقليديين. ولا شك أن هذه الملفات تمثل مخاوف حقيقية لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصًا في ظل استمرار أزمة غلاء المعيشة ونقص المساكن وتراجع الخدمات العامة وركود الأجور. غير أن المشكلة تبدأ عندما يجري توجيه هذا الغضب نحو الأقليات، وعلى رأسها المسلمين، الذين يُقدَّمون في كثير من الأحيان باعتبارهم غرباء عن المجتمع أو تهديدًا ثقافيًا أو سببًا في تراجع البلاد.

تصاعد الإسلاموفوبيا وتحويل المسلمين إلى «كبش فداء»

عود حزب "ريفورم" وتصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في بريطانيا بقلم: محمد أزهر

ومن هنا يثير صعود «ريفورم يو كيه» مخاوف واسعة لدى مراقبين وناشطين، خصوصًا في ظل استمرار الجدل الحاد حول ملف الهجرة رغم تراجع الأرقام الرسمية بشكل ملحوظ. فقد أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني انخفاض صافي الهجرة طويلة الأمد إلى 204 آلاف شخص خلال العام المنتهي في يونيو 2025، مقارنة بـ649 ألفًا في العام السابق. ومع ذلك، ما تزال قضية الهجرة تتصدر النقاش السياسي والإعلامي بوصفها واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام والمشاعر. وعندما تتناقض الصورة المتداولة في الرأي العام مع الوقائع الإحصائية، يصبح من السهل توجيه الاتهامات نحو فئات بعينها وتحويلها إلى «كبش فداء» للمشكلات القائمة.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبح المسلمون في بريطانيا أكثر الفئات تعرضًا لهذا النوع من الخطاب. فالإسلاموفوبيا لم تعد مجرد ظاهرة هامشية أو حالات فردية متفرقة، بل تحولت إلى مشكلة متنامية توثقها الأرقام الرسمية وتقارير المؤسسات المختصة. فقد سجلت منظمة «تيل ماما» المعنية برصد الاعتداءات ضد المسلمين 5837 حادثة موثقة خلال عام 2024، مقارنة بـ3767 حادثة في 2023 و2201 حادثة في 2022، ما يعكس تصاعدًا مستمرًا في حجم الظاهرة.

كما أظهرت بيانات وزارة الداخلية البريطانية أن الشرطة سجلت 4478 جريمة كراهية دينية استهدفت المسلمين في إنجلترا وويلز خلال العام المنتهي في مارس 2025، وهو ما يمثل نحو 45 بالمئة من إجمالي جرائم الكراهية الدينية في البلاد. وتشير هذه الأرقام إلى أن العداء تجاه المسلمين لم يعد محصورًا في الهامش، بل بات يتسلل تدريجيًا إلى قلب النقاش العام والحياة السياسية.

وغالبًا ما يُقدَّم هذا الخطاب العدائي تحت عناوين تبدو أكثر قبولًا، مثل «القلق بشأن الاندماج» أو «الحفاظ على الهوية الوطنية» أو «الخشية من تأثير الهجرة»، إلا أن النتيجة النهائية تكون في كثير من الأحيان اختزال ملايين المسلمين في صورة نمطية واحدة وربطهم بالمشكلات الاجتماعية والسياسية في البلاد.

ويواجه المسلمون اتهامات متكررة بعدم الاندماج في المجتمع، رغم أن وجودهم في بريطانيا يمتد عبر أجيال، ورغم مساهماتهم الكبيرة في الاقتصاد والخدمات الصحية والتعليم والنقل والقطاع العام. كما يتعرض كثير منهم للريبة والاتهام عندما يعبرون عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، إذ يجري في بعض الأحيان الربط بشكل غير عادل بين دعم حقوق الفلسطينيين والتطرف، الأمر الذي يخلق مناخًا تصبح فيه المشاركة السياسية الطبيعية للمسلمين محل شك دائم.

المسلمون في بريطانيا.. جزء أصيل من المجتمع لا «غرباء»

المسلمون في بريطانيا.. جزء أصيل من المجتمع لا «غرباء»

ويرى مراقبون أن استمرار هذا المناخ لا يهدد المسلمين وحدهم، بل يهدد التماسك الاجتماعي البريطاني ككل. فالمسلمون يشكلون جزءًا أساسيًا من المجتمع البريطاني، إذ تشير بيانات التعداد السكاني إلى أنهم يمثلون نحو 6.5 بالمئة من سكان إنجلترا وويلز، أي ما يقارب 3.9 مليون شخص. وهم ليسوا جماعة طارئة أو مؤقتة، بل مواطنون وموظفون وأطباء ومعلمون وطلاب وأصحاب أعمال وناخبون يشاركون في مختلف جوانب الحياة العامة. ولذلك فإن أي خطاب سياسي يتعامل معهم باعتبارهم «غرباء» يضعف الوحدة الوطنية بدلًا من حمايتها.

كما لعبت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تفاقم هذه الأزمة، إذ تسهم المنصات الرقمية في انتشار الروايات التحريضية ونظريات المؤامرة والمحتوى المعادي للمسلمين بوتيرة سريعة. وغالبًا ما تُستخدم قصص مضللة أو مبالغ فيها تتعلق بالهجرة أو الإرهاب أو التغيرات الثقافية لتقديم المسلمين بوصفهم تهديدًا جماعيًا للمجتمع. ومع السرعة الهائلة لتداول المعلومات عبر الإنترنت، تنتشر هذه الروايات على نطاق واسع قبل أن تتمكن الحقائق أو التصحيحات من الحد من تأثيرها، وفي كثير من الأحيان يكون الضرر قد وقع بالفعل.

وأثار عدد من أعضاء المجالس المحلية المنتخبين حديثًا عن حزب «ريفورم يو كيه» جدلًا واسعًا بعد الكشف عن منشورات لهم على وسائل التواصل الاجتماعي وُصفت بأنها عنصرية أو معادية للمسلمين أو قائمة على نظريات المؤامرة. ويرى منتقدون أن هذه الحالات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تصرفات فردية معزولة، بل بوصفها انعكاسًا لمناخ سياسي يسمح بتطبيع الخطاب المتطرف داخل المساحات السياسية التقليدية.

وفي المقابل، لا تزال قطاعات واسعة من المجتمع البريطاني ترفض هذا الخطاب، إذ تشير المؤشرات إلى أن دعم الحزب يبقى أضعف بين الشباب وخريجي الجامعات وسكان المدن الكبرى والمناطق متعددة الثقافات. كما تواصل مدن مثل لندن ومانشستر وبريستول وهاكني وتاور هامليتس إظهار مقاومة أكبر للخطابات الشعبوية المعادية للهجرة، ما يعكس استمرار الانقسام داخل المجتمع البريطاني حول مستقبل البلاد وهويتها السياسية.

أزمة أعمق من الهجرة والسياسة

أزمة أعمق من الهجرة والسياسة

ويؤكد مراقبون أن الغضب الشعبي الذي تستثمره الأحزاب الشعبوية يستند بالفعل إلى مشكلات حقيقية، مثل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات العامة وأزمة الإسكان وتزايد الإحباط من الطبقة السياسية، إلا أن تحميل المسلمين مسؤولية هذه الأزمات لن يقدم حلولًا حقيقية، بل قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وزيادة الاحتقان.

وفي ظل هذه التطورات، تجد بريطانيا نفسها أمام خيار حاسم: إما فتح نقاش جاد ومتوازن حول قضايا الهجرة والهوية والخدمات العامة بعيدًا عن شيطنة الأقليات، أو السماح للخطاب الشعبوي بتحويل الغضب الشعبي إلى خوف، والخوف إلى كراهية متزايدة. ويرى كثيرون أن المسار الأول يعزز الديمقراطية والتماسك الاجتماعي، بينما يقود الثاني إلى إضعاف المجتمع من الداخل وتقويض قيم التعددية التي قامت عليها بريطانيا الحديثة.

وفي النهاية، قد يمثل صعود «ريفورم يو كيه» مؤشرًا واضحًا على فشل الأحزاب التقليدية في التعامل مع مخاوف قطاعات واسعة من الناخبين، لكن تصاعد الإسلاموفوبيا بالتوازي مع هذا الصعود يكشف أزمة أعمق تتعلق بمكانة الأقليات داخل المجتمع البريطاني، وبمدى قدرة البلاد على الحفاظ على قيم المواطنة والمساواة في مواجهة تصاعد الخطابات الشعبوية والانقسامية.

المصدر: ميدل ايست آي


اقرأ أيضُا

اترك تعليقا